سورة الفاتحة | حـ 19 | آية 6 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة الفاتحة

سورة الفاتحة | حـ 19 | آية 6 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • الفاتحة تجمع طريق المسلم في العبادة والعمارة وتزكية النفس، ويقال إن الله وضع ما ذكره في القرآن بالفاتحة، وما ذكره في الفاتحة بالبسملة.
  • فعل الأمر "اهدنا" من الأدنى (العبد) إلى الأعلى (الله) يكون للدعاء والتوسل، وليس للوجوب كما في الأمر من الأعلى للأدنى.
  • الهداية المطلوبة في "اهدنا" تشمل ثلاثة أنواع: هدى التوفيق وهو خلق القدرة على الطاعة، وهذا خاص بالله تعالى.
  • هدى الدلالة والإرشاد، وهو ما يمكن للبشر فعله كما بيّن النبي ﷺ طريق الخير لأمته بالأمر والنهي.
  • هدى المكان وهو أن يجعلنا الله في أماكن الهداية، كما نصح النبي ﷺ الصحابة بالهجرة للحبشة والمدينة.
  • "اهدنا" بصيغة الجمع تشمل الدعاء للنفس وللغير، فالإنسان بإخوانه.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

مقدمة الحلقة والتعريف بسورة الفاتحة وأهميتها للمسلم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

فمع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه الدقائق مع الفاتحة الكافية الشافية، الأساس التي يقرؤها المسلم في صلاته كل يوم، والتي جمع الله فيها طريق هذا المسلم من العبادة ومن العمارة ومن تزكية النفس.

علاقة القرآن بالفاتحة والبسملة وحرف الباء ودلالتها على قدرة الله

ولذلك قالوا إن الله سبحانه وتعالى قد وضع ما ذكره في القرآن في الفاتحة، ووضع ما ذكره في الفاتحة في البسملة، ووضع ما ذكره في البسملة في حرف الباء.

وكأنه يُشعِر السامع بأن يكون ما يكون وقد كان ما كان، ولا يكون في كونه سبحانه إلا ما أراد، فكأنه يقول: لا يكون في هذا الكون شيء إلا بخلق الله وبأمر الله وبإذن الله.

وطبعًا هذا يأتي من الصوت وليس يأتي من المعنى، يأتي من تفاعل المسلم بهذا الكتاب الكريم وليس يأتي من التفسير.

تلاوة الفاتحة والوقوف عند معنى اهدنا الصراط المستقيم

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 1-5]

وهذا قد تعرضنا له في حلقات سابقة، ثم يقول:

﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]

اهدنا فعل أمر، وفعل الأمر عندما يأتي من الأعلى إلى الأقل يكون عادةً للوجوب، عادةً يعني غالبًا يكون للوجوب.

أمثلة على صيغة الأمر للوجوب وخروجها عن الوجوب كالتهديد والإهانة

﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ﴾ [الإسراء: 78]

آتِ الزكاة، أمر بالمعروف، انهَ عن المنكر، كل هذه أوامر، والأوامر ما دامت قد صدرت من الأعلى وهو الشرع الشريف من الله أو من سيدنا رسول الله فهي للوجوب غالبًا.

لأنها قد تكون للتهديد، قد تكون للإهانة:

﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49]

ذُقْ هذه تعني ذُقْ عذاب جهنم، حسنًا وكيف تكون هذه واجبة؟ كلا، هذه إهانة، فقد يكون الأمر لغير الوجوب.

صيغة الأمر من الأدنى إلى الأعلى تكون دعاءً وتوسلاً لا وجوبًا

أما إذا صدر [الأمر] من الأقل إلى الأعلى فلا يكون أمرًا واجبًا، إنما يكون توسلًا ودعاءً ورجاءً وأملًا في وجه الله سبحانه وتعالى.

فلما صدرت هذه الكلمة من المؤمن إلى الخالق سبحانه اهدنا، فلا بد أنها دعاء، فالإنسان وهو يقول: يا رب اهدني، فإنه يكون قد دعا.

الأمر من الأعلى إلى الأدنى واجب، ومن الأدنى إلى الأعلى دعاء توسل.

صيغة الأمر من المساوي للمساوي رجاء وتوضيح أن اهدنا دعاء في الشريعة

طبعًا يضيفون صنفًا آخر وهو من المساوي للمساوي، ليس لنا شأن به؛ لأن من المساوي للمساوي رجاء، أي أنني أرجو منك أن تسقيني ماءً فتسقيني ماءً.

لكن الذي نريد أن نقف عنده هنا هو أن هذا أمر، ولكن هذا الأمر عندما كان من الأدنى إلى الأعلى كان دعاءً.

وهنا في القرآن ستمر علينا كثيرًا من هذه الصيغة، هي أمر في اللغة لكنه دعاء في الشريعة؛ لأنها من الأدنى وهو البشر إلى الأعلى وهو الله رب العالمين سبحانه وتعالى.

حقيقة الهداية وأنواعها الثلاثة: التوفيق والدلالة والمكان

يقول اهدنا، ما حقيقة الهداية؟ تطلب منه الهدى، فما هو هذا الهدى وما هي الهداية؟

قالوا: الهدى هو أن يهديك الله سبحانه وتعالى، وهناك ثلاثة أنواع من الهدى:

  1. هدى التوفيق: وهو خلق التوفيق للعبد، أن يخلق الله فيك التوفيق، والتوفيق هو القدرة على أداء الطاعة، عندما يوفقك الله فهذا هو الهدى.

هدى التوفيق لا يملكه إلا الله وحده ولا يقدر عليه البشر

وهذا الذي قال الله فيه:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: 56]

لا يقدر النبي صلى الله عليه وسلم لأنه بشر أن يهدي بمعنى يوفق، بمعنى يخلق قدرة الطاعة عند العبد، ما يستطيع، ليس في يديه هذا بل بيد ربنا فقط.

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

فيكون إذن الهدى الذي هو خلق التوفيق والطاعة للعبد لا يمكن أن يكون إلا من الله.

هدى الدلالة والإرشاد الذي يملكه النبي صلى الله عليه وسلم

  1. هدى الدلالة:

﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]

هذا نحن نقول أنه [النبي ﷺ] لا يهدي [هدى التوفيق]، وجئنا هنا نقول تهدي! قال: لا، هذا هدى دلالة وإرشاد.

سيدنا رسول الله ما تركنا إلا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.

قال [رسول الله ﷺ]: «ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله، يقربكم إلى الجنة، يبعدكم عن النار، إلا وقد أمرتكم به، وما تركت شيئًا يبعدكم عن الله، ويبعدكم عن الجنة، ويقربكم من النار إلا نهيتكم عنه»

فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر ونهى ووضّح وبيّن ودلّ على طريق الخير.

هدى المكان وأثر الكعبة في نفوس المسلمين وانجذابهم إليها

إذن، اهدنا رقم اثنين ما معناها؟ الدلالة، الهدى هنا معناه الدلالة.

  1. ورقم ثلاثة: هدى المكان، مثل الكعبة هكذا، هدى المكان. عندما تدخل الكعبة تشعر وكأنك تغيرت، كأنك انتقلت من دنيا إلى شيء آخر، وأول ما ترى الكعبة يحدث لك شيء غريب عجيب يعرفه كل الناس.

لدرجة أن الكعبة تجذبهم فلا يستطيعون الصبر عنها، ولذلك تجد بعض الأغنياء يحجون كل سنة ويؤدون العمرة ثلاث أو أربع مرات، وتقول له: لماذا لا تدفع هذه الأموال لوجه الله للفقراء والمساكين وما شابه؟ فيقول لك: لا أستطيع، إنني مشتاق -يا أخي- سبحان الله، الكعبة هكذا.

شهادة الناس جميعًا بأثر الكعبة وآياتها البينات

فعندما أدخلها يحدث لي حال، ما هذا؟ ليس واحدًا ولا اثنين ولا عشرة ولا مليونًا، بل الناس جميعهم.

فماذا يحدث؟ ما هو إن هناك آيات بينات:

﴿فِيهِ ءَايَـٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: 97]

فالهدى على ثلاثة أقسام: هدى توفيق، وهدى دلالة، وهدى مكان.

تفسير اهدنا بمعنى التوفيق والدلالة والفهم ودعاء سيدنا علي

فعندما نقول اهدنا فإننا نريد اهدنا - أي نطلب منه الهدى والهداية. يصح أن أقول له اهدنا أي وفقنا واخلق فينا القدرة، ويصح أيضًا أن أقول اهدنا أي دلنا وأرشدنا ووضح لنا.

لأنهم سألوا سيدنا علي [بن أبي طالب رضي الله عنه] قالوا له: ما أصعب شيء عليك يا إمام؟ قال: أن تُفهِم من لا يفهم.

فبعيدًا عنك الشخص الذي لا يفهم، تكون عاقبته صعبة جدًا، لكن عندما ينوِّر الله بصيرتك وتفهم، فإن أول درجات العمل أن تفهم مراد الله من خلقه، تفهم فائدة هذه الطاعة.

فـالفهم نعمة من عند الله، فـاهدنا بمعنى فهِّمنا، دلنا، وذلك لأن الإنسان عندما يفهم الحقيقة يعمل وهو فاهم.

تفسير اهدنا بمعنى اجعلنا في مكان الهداية وقصة قاتل المائة نفس

فيصح أن نفسر اهدنا بمعنى فهِّمنا، ويصح أيضًا تفسير اهدنا بمعنى اجعلنا في مكان الهداية، ويصح كذلك أن نفسر اهدنا بمعنى اجعلنا في مكان الهداية.

كما يحكي النبي صلى الله عليه وسلم من قصص السابقين من الأمم أن رجلًا قد قتل تسعة وتسعين نفسًا، قتل تسعة وتسعين شخصًا، وبعد ذلك جاء يتوب، فذهب إلى رجلٍ عابدٍ لا يفهم شيئًا وقال له: هل لي توبة؟ قال له: لا توبة لك، أنت رجلٌ قتلت تسعة وتسعين نفسًا، وما كانوا دجاجًا، بل تسعة وتسعين إنسانًا، وتأتي تقول لي أتوب؟

فقتله، فأكمل به المائة؛ لأنه سد أمامه رحمة ربنا.

توبة قاتل المائة نفس وتوجيه العالم له بالانتقال إلى أرض صالحة

فأصبح قد قتل مئة شخص، فذهب إلى عالم فقال: هل لي أن أتوب؟ قال: نعم، من تاب تاب الله عليه، ولكنني أراك بأرض قوم سوء.

كيف تركوك تقتل مئة شخص دون أن يضربوا على يديك، دون أن يقبضوا عليك، دون أن يضربونك ويعاقبونك ويمنعونك من أن تعيث هكذا هو في الأرض تقتل مئة!

فإني أراك بأرض قوم سوء، فاذهب إلى أرض كذا وكذا ففيها أناس يعبدون الله.

هجرة النبي من مكة وأهمية المكان في حياة المسلم وعقوبة النفي عن الأوطان

ففي مكة وهي لم تصبح بعد دار إسلام، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نصحهم [أصحابه] أن يذهبوا إلى الحبشة فإن فيها ملكًا لا يُظلَم عنده أحد، يخفف عنهم بعض الظلم الذي كانوا يرونه في مكة.

وسيدنا رسول الله ترك مكة وهاجر إلى المدينة عندما أيده الأنصار وآمنوا به، ترك بلده الحبيبة، وطنه، قائلًا:

«ألا إنك أحب أرض الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت»

وورقة بن نوفل قال له: لعلني أكون فيها جذعًا إذ يخرجك قومك، فقال [النبي ﷺ]: أومخرجيّ هم؟ على سبيل التحسُّر والفزع، فزع سيدنا رسول الله من أنه سوف يخرج من وطنه.

ولذلك جعلوا النفي عن الأوطان نوعًا من أنواع العقاب: الجلد مائة وتغريب عام للذي يزني، تُخرجه من بلده ومن مدينته وتأخذه إلى مدينة أخرى فيتألم.

خلاصة معاني اهدنا الثلاثة ودلالة ضمير الجمع على الدعاء للنفس والغير

فإذا كانت هناك هداية مكان، فيمكن أن تكون هداية مكان، يمكن يعني اهدنا أي أنزل علينا هدى التوفيق وهدى الدلالة والفهم وهدى المكان.

يؤيد هدى المكان قوله: (نا)، ليس اهدني بل اهدنا جميعًا، فأنت تدعو لنفسك وتدعو لغيرك؛ لأن الإنسان بإخوانه.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.