سورة الفاتحة | حـ 20 | آية 6 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة الفاتحة

سورة الفاتحة | حـ 20 | آية 6 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • كلمة "اهدنا" في الفاتحة تحمل عدة معان مجتمعة: التوفيق، والدلالة، وتحسين المحيط المحيط بنا.
  • الهداية والهدى متلازمان: الهداية تؤدي إلى الهدى، والهدى يؤدي إلى الهداية.
  • الهداية تعني الاستقامة وتُحدث هدوءاً في النفس، وعندما تكون في جماعة تجعلها أمة وسطاً وخيرية.
  • يجوز استعمال الكلمة في معانيها المتعددة إذا كانت غير متناقضة، وهذا من إعجاز القرآن.
  • الصراط المستقيم هو أقصر طريق للوصول إلى الله تعالى، فيوفر الزمن والجهد.
  • الزمن ثمين جداً، وصفه الشافعي بالسيف، وكان عمر يحاسب نفسه بالأنفاس.
  • طلب الصراط المستقيم يعني الحفاظ على الأوقات التي هي دماء الحياة.
  • الاستقامة ليست بكثرة العبادة، بل بما يستقر في القلب من همة واستقامة ورضا.
  • ينبغي أن ندعو الله أن يبقي علينا أزماننا وأعمالنا، وألا يكثر علينا الطريق.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة الدرس ومراجعة معاني كلمة اهدنا في سورة الفاتحة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله نعيش هذه اللحظات، وما زلنا في فاتحة الكتاب التي هي الأساس. قرأنا فيها اهدنا، وقلنا إن كلمة «اهدنا» يجوز أن تكون لكل المعاني التي هي لها:

  • فـاهدنا بمعنى أنزل علينا هدى التوفيق.
  • واهدنا بمعنى أنزل علينا هدى الدلالة.
  • واهدنا بمعنى أنزل علينا هدى المكان.

الفرق بين الهدى والهداية وعلاقتهما الدائرية في القرآن

اهدنا... هل هناك فرق بين الهدى والهداية؟ قالوا: الهداية ينتج منها الهدى، يعني الهداية هي العملية، والناتج منها الهدى. وبعضهم قال: الهداية هي نتيجة الهدى.

أيهما الصحيح؟ أيكون الهدى نتيجة الهداية؟ أم الهداية نتيجة الهدى؟ أم أن الاثنين يمثلان دائرة لا تَعرف قَبيلَها من دَبيرِها؟ فالهدى يُنتِج هدايةً، والهدايةُ تُنتِج هُدًى.

وهنا يقول اهدِنا، فقد جَمَعَ بين الأمرين: جَمَعَ بين الهداية التي تؤدي إلى الهدى، وبين طلبِ الهدى الذي يؤدي إلى الهداية.

ثمرات الهداية من الاستقامة الفردية إلى بناء الأمة الواحدة

الهدايةُ تعني الاستقامة، والهدايةُ تُحدِث هدوءًا في النفس. والهدايةُ عندما تكونُ في الجماعةِ كلها، في قومٍ، تُكوِّن الأمةَ.

﴿وَإِنَّ هَـٰذِهِٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ [المؤمنون: 52]

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]

فالأمة شاهدة والأمة خيرية.

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]

الإنسان كائن اجتماعي بطبعه لا يستغني عن غيره وعلاقة ذلك بالهداية

وكما قالوا إن الإنسان بإخوانه، يعني لا يصلح أن يعيش وحده، لدرجة أن الناس الذين تأملوا في الكون من غير وحي ومن غير ديانة قالوا: الإنسان حيوانٌ اجتماعيٌ، لا يعرف أن يعيش وحده، ولا يستطيع أن يذهب ليعتزل في الغابة أو في الجبل بمفرده، بل يحتاج إلى آخرين.

بل إن التناسل والتكاثر يحتاج إلى الزواج، فيحتاج الإنسان إلى غيره، وهي غرائز قد فطرها الله في النفس. ومن هنا جاء اهدنا [بصيغة الجمع لا المفرد].

كلمة اهدنا مشترك لفظي يحمل ثلاثة معانٍ غير متناقضة

يثير هذا [الأمر] أن الكلمة عندما يكون لها كذا معنى فيسمونها مشتركًا. فهنا اهدنا معناها:

  1. وفِّقنا [هدى التوفيق].
  2. دُلَّنا وعرِّفنا وبيِّن لنا [هدى الدلالة].
  3. اجعل المحيط الخاص بنا حسنًا وجيدًا وخيرًا [هدى المكان].

إذن لها ثلاثة معانٍ، أليس كذلك؟ هل يصح أن تشمل كلمة واحدة المعاني الثلاثة مرة واحدة؟ وهذا ما سيفيدنا في التفسير كله. يصح أن يكون للكلمة معنى حقيقي ومعنى مجازي، وأنه نجمع بين الاثنين. قالوا: نعم يصح.

استدلال الإمام الشافعي بآية الصلاة على النبي على جواز الجمع بين المعاني

﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

انتبه إلى هذا الكلام، من الذي يتحدث ويقول هكذا؟ سيدنا الإمام الشافعي يقول لك. ماذا يقول؟

﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ﴾ [الأحزاب: 56]

حسنًا، الصلاة الصادرة عن الله ما طبيعتها؟ إنها الرحمة. وما طبيعة الصلاة الصادرة من الملائكة؟ إنها الدعاء. إذن الصلاة قد تُطلق ويُراد منها الرحمة؛ لأن الله يصلِّي على نبيه بها [أي يرحمه].

صلاة الله رحمة للنبي وصلاة الملائكة دعاء له صلى الله عليه وسلم

اجعله هكذا رحمة للعالمين.

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

والنبي يقول عن نفسه:

قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثت رحمة مهداة»

فربنا يصلي على النبي، أي يجعله رحمة للعالمين وسيدًا للمرسلين صلى الله عليه وسلم.

حسنًا، والملائكة، هؤلاء الملائكة تدعو قائلة: اللهم بارك فيه، اللهم ارحمه، اللهم أعلِ رتبته، اللهم، اللهم...

حسنًا، هذه في كلمة واحدة:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [الأحزاب: 56]

فتصبح كلمة يصلون استُعملت في حق الله سبحانه وفي حق الملائكة أيضًا بلفظة واحدة.

جواز استعمال اللفظ المشترك في جميع معانيه إذا لم يكن بينها تضاد

فعندما كانت الكلمة تعني معنيين أو ثلاثة، يجوز استعمالها في معانيها كلها، فيبقى إيجاز في إعجاز؛ كلمة واحدة ولها هذه المعاني كلها.

هذه المعاني قالوا: لكن انتبه، أمتناقضة هي أم غير متناقضة؟ قالوا: إن الاختلاف نوعان:

  1. اختلاف تنوع: وهو لا يكون متناقضًا، فيجوز هذا وهذا.
  2. اختلاف تضاد: وهو يكون متناقضًا.

قال له: هذا إذن الذي يصلح أن نستعمل المشترك في معانيه، أو الكلمة التي تدل على الحقيقة والمجاز في الحقيقة والمجاز، يصلح أن نفعلها هنا. لماذا؟ لأن المعاني ليست متضاربة.

شمول معنى اهدنا للتوفيق والدلالة وصلاح المحيط دون تناقض

يا رب اهدني واهدنا بشيء يخلق فينا قدرة الطاعة، وتُفهِّمنا، وتجعل الذين حولنا كلهم مهتدين. هل سيحدث تناقضٌ؟ لا، لم يحدث تناقضٌ. فيكون معنى اهدنا هنا شاملًا للجميع [التوفيق والدلالة وصلاح المحيط].

ثم ذكَرَ الصراط المستقيم، أي أرشدنا ودلّنا وما إلى ذلك على هذا الصراط المستقيم.

معنى الصراط المستقيم في اللغة وأنه أقصر طريق بين نقطتين

والصراط المستقيم في اللغة هو أقصر خط بين نقطتين، فالخط المستقيم يعني أنه ليس منحنيًا. ولذلك تجد الطرق التي تربط بين البلاد يكون فيما بين البلدين طريقان: طريق بعيد وطريق قريب.

الطريق القريب يكون مستقيمًا، والطريق البعيد يكون منحنيًا. الطريق الدائري عندما تركبه تجد نفسك تنتقل من نقطة إلى نقطة بعشرين كيلومترًا، بينما لو نزلت في الشوارع فستصل إليها باثنتين أو ثلاث من الكيلومترات فقط.

لماذا هذا؟ لأنه منحنى دائري، جزء من دائرة، وهذا [الطريق الآخر] مستقيم هكذا باستمرار.

الصراط المستقيم يوصل إلى الله بأقرب طريق مع توفير الزمن والجهد

فيكون الصراط المستقيم سيصل بنا إلى الله سبحانه وتعالى من أقرب طريق. وحينما يكون من أقرب طريق، يتميز بماذا؟

أقرب طريق، هذا عندما تكون أنت ذاهبًا إلى شيء من أقرب طريق:

  1. توفير الزمن؛ لأنه أقرب طريق ستقطعه في زمن قليل.
  2. توفير الجهد؛ لأنك عندما ستمشي نصف ساعة بدلًا من أن تمشي يومًا أو يومين أو ثلاثة، فإننا نكون قد وفرنا الزمن ووفرنا الجهد.

أهمية الزمن في الإسلام وقول الشافعي ومحاسبة عمر لنفسه بالأنفاس

حسنًا، ما هي قصة الزمن والجهد هذه؟ المستقيم هنا معناه توفير الزمن وتوفير الجهد.

الزمن شيء مهم جدًا، لدرجة أن الإمام الشافعي يقول: خالطت الصوفية فاستفدت منهم أن الزمن كالسيف، إن لم تقطعه قطعك.

مراعاة الأزمان وصلت همة سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] إلى أن يحاسب نفسه بالأنفاس؛ النَّفَس يدخل لا يأمل أن يخرج، ويخرج لا يأمل أن يدخل. كان منتبهًا لنفسه بالأنفاس.

فالزمن إذا ضاع لا نستطيع إرجاعه مرة أخرى، وهذه عملية صعبة جدًا أن تضيع منا أيامنا وتضيع منا حياتنا.

اهدنا الصراط المستقيم دعاء بحفظ الأعمار من الضياع والتفريط

اهدنا الصراط المستقيم تعني: يا رب لا تُضيِّع أعمارنا، وبعد ذلك نستيقظ بعد الخمسين وبعد الستين، بعد التقاعد وقرب الوفاة، ونقول: يا ليت ما حدث كان مختلفًا، وأننا لم نفرط في جنب الله سبحانه وتعالى.

اهدنا الصراط المستقيم، أي يا رب حافظ على أوقاتنا، فالأوقات هي دماء هذه الحياة. فتخيل أن هذا الدم ينزف، فماذا تكون الحياة؟ تموت.

فضل أبي بكر بما وقر في قلبه وأهمية استقامة القلب مع العبادة

اثنان: ما سبقكم أبو بكر [الصديق رضي الله عنه] بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في قلبه. يعني المسألة ليست بكثرة الصلاة وبكثرة الصيام، ثم إنك في قلبك لا توجد همة ولا استقامة ولا رضا، وهو مملوء بالقبيح من الخيانة ومن ضياع الأمانة مع الله سبحانه وتعالى. لا!

وقفات مع الصراط المستقيم والدعاء بحفظ الأعمار والأعمال وختام الدرس

ينبغي علينا أن نقف عند الصراط المستقيم وَقَفاتٌ، حتى نَرى كيف ندعو الله سبحانه وتعالى بأنْ:

  • يُبقيَ علينا أزمانَنا وهي تَجري.
  • ويُبقيَ علينا أعمالَنا.
  • ولا يُكَثِّرَ علينا الطريقَ.

وإلى لقاءٍ آخَر، نَستَودِعُكُمُ اللهَ، والسلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته.