سورة المائدة | حـ 845 | 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ 845 | 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • يخاطب الله المؤمنين في سورة المائدة بقوله: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"، مذكرًا إياهم بأن الإيمان يستلزم الوفاء بالعهود.
  • الخطاب بصيغة "الذين آمنوا" يشير إلى أن الأمر مرتبط بصفة الإيمان، فعدم الوفاء بالعقود ينقص من كمال الإيمان.
  • الوفاء بالعقود يمثل دعوة إلى الله بالحال وليس بالمقال فقط، فالسلوك العملي أبلغ من الكلام.
  • جعل النبي صلى الله عليه وسلم عدم الوفاء بالعهد من علامات النفاق العملي، مع الكذب والخيانة والفجور في الخصومة.
  • العقد يلزم المتعاقدين كما تلزمهم الشريعة، بشرط أن يكون في نطاق الحلال.
  • يتحول الفعل المباح إلى واجب بثلاثة أمور: النذر، والعقد، وأمر الحاكم.
  • العقود والنظم تنظم حياة الناس وتحول الأفعال المباحة إلى واجبات يلزم الوفاء بها.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

افتتاح سورة المائدة بالأمر بالوفاء بالعقود وبيان منهج الحياة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى في أولها:

بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 1]

بداية قوية كشأن القرآن كله، وترسم للإنسان منهج حياته وتبين له أخلاقه مع نفسه ومع إخوانه ومع العالمين ومع رب العالمين سبحانه وتعالى.

الفرق بين خطاب يا أيها الناس ويا أيها الذين آمنوا في القرآن

يخاطب فيها ربنا سبحانه وتعالى المؤمنين، فهي خصلة وصفة وأمر في الحقيقة أنه متعلق بجماعة المؤمنين في مقابلة العالمين.

هناك خطابان [في القرآن الكريم]: "يا أيها الناس" فالأمر فيه يرتكز على البشرية جمعاء، وأنه يشتمل على خير لهم جميعًا. أما "يا أيها المؤمنون" فهو خاص بالمؤمنين في مقابلة العالمين.

فلا بد عندما يقول "يا أيها المؤمنون" أن نرى ما الذي بعده. فهنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني يا أيها المؤمنون.

دلالة صيغة يا أيها الذين آمنوا وتذكيرهم بسبب الخطاب

ولكن ما الفرق بين "يا أيها المؤمنون" و"يا أيها الذين آمنوا"؟ "يا أيها المؤمنون" خطاب للمؤمنين مباشرة، أما "الذين آمنوا" فهو خطاب لهم يذكّرهم بسبب الخطاب.

يعني يقول لهم: أنا أخاطبكم الآن بصفتكم أنكم قد آمنتم، وهذا الذي فعلتموه من الإيمان قد شغل ذمتكم بالأمور التالية.

يعني أنت مؤمن، قال له: نعم أنا مؤمن، فقال له: إذن لا بد عليك ولأنك مؤمن أن تفعل كذا وكذا.

الوفاء بالعقود من صفات المؤمنين وعدمه نقصان في الإيمان

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]

إذ الوفاء بالعقد من صفات المؤمنين؛ لا بد عليك حتى تكون مؤمنًا صادقًا محررًا لإيمانك أن تفي بالعقد.

وهذا معناه أن عدم الوفاء بالعقد هو في حقيقة الأمر نوع من أنواع الخروج عن الإيمان ولو درجة، ولو خطوة، ولو انتقال من دائرة تمام الإيمان إلى دائرة نقصان الإيمان. يعني عندما لا تفي بالعقود فقد انتقص من إيمانك.

الوفاء بالعقود وعلاقته بالدعوة إلى الله بالحال والمقال

إذن فالوفاء بالعقود قضية مهمة تتعلق بالدعوة إلى الله؛ لأن الدعوة إلى الله قد تكون بالمقال باللسان، وقد تكون بالحال.

والدعوة إلى الله بالحال أدوم وأعمق وأبقى من الدعوة باللسان؛ [فالدعوة باللسان] تعني أن تعرّف من أمامك بالدعوة، لكن الدعوة بالحال تجعل الآخر ينبهر بك ويسأل ويتساءل مع نفسه عن دينك: ما هذا الدين الذي جعلك صادقًا وفيًّا؟

عندما تكون غير صادق فأنت كاذب، وعندما تكون غير وفيّ فأنت خائن.

عدم الوفاء بالعقود من علامات النفاق العملي في الحديث النبوي

﴿أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]

ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم عدم الوفاء من علامات النفاق. ذُكِرَ أن علامات النفاق ثلاثة:

قال رسول الله ﷺ: «إذا حدَّثَ كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر»

وفي رواية: علامة أو آية المنافق أربعة وليست ثلاثة، أضاف إلى الثلاثة التي ذكرناها:

«وإذا خاصم فجر»

قالوا: هذا هو النفاق العملي. أما النفاق العقدي فهو أن تُبطن أنك غير مؤمن بالله وتُظهر أنك مؤمن بالله؛ هذا عبارة عن نفاق في العقيدة فقط.

التساؤل عن موقع المسلم بين صفات المؤمنين وأعمال المنافقين

لكن هذه الأربعة هي للنفاق العملي. أنت في أي دائرة؟ في دائرة المؤمنين وصفات المؤمنين، أم من الداخل مؤمن وكل شيء ولكنك تفعل أعمال المنافقين؟

هذا هو النفاق العملي: إذا حدَّث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر.

العقد شريعة المتعاقدين وشرط أن يكون في نطاق الحلال

﴿أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]

ولذلك أخذ العلماء من هذا [الأمر الإلهي] أن العقد شريعة المتعاقدين؛ يعني أن العقد قد ألزمك وألزم ذمتك كما ألزمت الشريعة ذمتك، ما دام العقد ليس فيه معصية.

يعني شخص عمل عقدًا مع آخر على أن يقتله، هذا لا يصح؛ إنه عقد باطل لأن موضوعه هو القتل. أتعلمون قديمًا كانوا يستأجرون وحتى الآن يستأجرون للقتل، أليس هذا حرامًا؟ هذا ليس عقدًا أصلًا، بل هو اتفاق سيئ.

فالعقد لا بد أن يكون في نطاق الحلال.

كيف يتحول المباح إلى واجب بالنذر والعقد وأمر الحاكم

إذا قد ألزمت نفسك مثلما يلزمك الشرع. هل الإنسان يلزم نفسه؟ ربنا سبحانه وتعالى أنزل دائرة من الأفعال أوجبها علينا أو حرمها علينا؛ ما هو [أن] ترك المحرمات واجب. حرّم علينا السرقة والرشوة والقتل والزنا والربا وهكذا، وأوجب علينا الصلاة والزكاة والحج والصيام وهكذا، وترك لنا مساحة فيها إباحة؛ مباح يعني مساحة الإباحة واسعة كبيرة جدًّا.

فكيف يتحول المباح إلى واجب؟ أول شيء يتحول به المباح إلى واجب هو النذر. شخص يقول: نذرت لله أن أذبح خروفًا، أو أن أتصدق بصدقة، أو أن أعطي قرضًا لفلان.

فهذه أمور مباحة؛ ذبح الخروف هذا مباح وليس واجبًا، وإخراج الصدقة للفقراء أيضًا مباح، وكذلك أن تعطي قرضًا للشخص فهو أيضًا مباح. فأول شيء يحول لك الأمر من الإباحة ويجعله واجبًا عليك هو النذر.

العقد وأمر الحاكم كوسيلتين لتحويل المباح إلى واجب

والشيء الثاني هو العقد؛ ها:

﴿أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]

العقد شريعة المتعاقدين، فيصبح الذي كان في المباح واجبًا عليك بالعقد الذي وقّعته والتزمت به. والله قال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وأمرنا الله أيضًا بأن نوفي النذر، والناس يوفون بالنذر.

إذن ثاني شيء هو العقد، وثالث شيء يقال لك: أمر الحاكم. أمر الحاكم أنك لا تقف هنا، أنك عندما تكون الإشارة حمراء توقف، وعندما تكون خضراء امشِ. هذا نظام، حسنًا هذا مباح، لكن قد ينتقل من الإباحة إلى الوجوب؛ لأنه وُضع لتنظيم حياة الناس للمعيشة والمعاش وهكذا.

توجد أشياء تنتقل من الإباحة إلى ماذا؟ إلى الوجوب. وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.