سورة المائدة | حـ 846 | 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ 846 | 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ تدعو إلى الوفاء بالعقود المبرمة وليس بالتهيئة للعقود.
  • التهيئة للعقد ليست من العقد بإجماع العلماء، وإنما هي مرحلة سابقة للنظر في إمكانية إبرام العقد.
  • الخطبة تمثل تهيئة لعقد الزواج وليست عقداً، ولذلك يحق لكل طرف التراجع عنها.
  • الخلط بين تهيئة العقد والعقد نفسه يؤدي إلى مفاسد كثيرة ومشكلات اجتماعية.
  • أجمع العلماء على أن الوعد غير ملزم إلا ما ذهب إليه الإمام مالك في حالة الوعود المالية التي يترتب على الإخلاف بها ضرر.
  • إلزام الواعد بالوفاء حسب مذهب مالك مشروط بحصول ضرر كمن وعد شخصاً بالمال فهدم بيته اعتماداً على هذا الوعد.
  • سوء الاستدلال بالقرآن ووضع النصوص في غير مواضعها سبب للتطرف والفساد.
  • الشرع احترم حرية الإرادة وأباح تحويل المباح إلى واجب عبر العقد أو النذر أو حكم الحاكم.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية الأمر بالوفاء بالعقود من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى في أولها:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 1]

يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، نصّ العلماء على أن العقد له مراحل.

المرحلة الأولى من مراحل العقد وهي مرحلة التهيئة وحكمها

وأولها مرحلة التهيئة: نُهيِّئ من أجل أن نعقد عقد بيع أو شراء، أو نعقد عقد سَلَم أو استصناع أو مقاولة أو عقد زواج، له تهيئة.

فهل التهيئة من العقد أم التهيئة خارج العقد؟ أجمعوا [العلماء] على أن التهيئة خارج العقد؛ لأن هناك أناسًا لا يفهمون ويظنون أن التهيئة للعقد هي عقد، فيترتب على ذلك فساد عظيم.

التهيئة للعقد ليست عقدًا، هي مُعدة لكي نرى إن كنا سنعقد أم لا.

مثال تهيئة عقد البيع في القمح وأثر تغير الأسعار على التهيئة

التهيئة للعقد تعني أننا نفكر: بكم ستعطيني طن القمح؟ ففكرنا وستعطيني طن القمح بألف، وإذا بالأسعار قد انخفضت، والألف أصبحت سبعمائة.

فتكون التهيئة التي قمنا بها هذه من العقد ويأتي ليلزمني أن أشتري منه بألف لأننا كنا نتداول ونتفاوض ونهيئ؟ لا، فالسوق أمامي أصبح بسبعمائة.

حسنًا، افترض أنني اشتريت منه بالألف، أنا مشترٍ طن القمح لأخبزه وأبيعه، سأُغلي على الناس هكذا، ولن يأتي أحد ليشتري مني؛ لأن الأفران الأخرى ستبيع بتسعمائة وأنا سأبيع بألف ومائتين لكي أكسب. انظر إلى الفساد العريض، يعني لو وافقت سينخرب بيتي، فتكون تهيئة العقد ليست من العقد.

الخطبة تهيئة للعقد وليست عقدًا ويحق لكل طرف التراجع عنها

الخطبة عندما يذهب [الشاب] ليخطب فتاة، هذه الخطبة تهيئة للعقد وليست من العقد. ولذلك يحق لكل من الطرفين أن يتراجع [ويقول]: أنا لن أكمل؛ بدلًا من أن يتموا الزواج ثم يُنجِبوا ثم يحدث الطلاق.

فتكون هذه تهيئة من أجل الخير وليس من أجل الشر.

خطورة اعتبار الخطبة عقدًا وما يترتب عليه من مفاسد شرعية

هذه التهيئة تخيل أنها عقد، فبعض الناس يظن أنها عقد، والفتاة تظن أنها عقد، فتترك نفسها لخطيبها، ويترتب على ذلك من المفاسد ما الله به عليم. هذا لا يصح، فهو حرام؛ لأن تهيئة العقد ليست من العقد.

لا يأتي المجرم فيقول لها: ألسنا مخطوبين؟ نعم مخطوبين، حسنًا:

﴿أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]

يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود! لا يصح أن يتلاعب بدين الله. أوفوا بالعقود عندما تُعقد، وليس أوفوا بالعقود عندما نهيئ لها.

حكم الشبكة عند فسخ الخطوبة وأنها جزء من المهر المرتبط بالعقد

ثانيًا: يأتيني شخص ويقول لي: الشاب فسخ الخطوبة وذهب، والشبكة من حق مَن؟ أقول له: أعطوها له، فهي من حقه؛ لأن الشبكة هي جزء من المهر، والمهر أمر يترتب بالعقد.

وبعد العقد لو طلَّق قبل الدخول فلها النصف، ولو طلَّق بعد الدخول فلها كل حقوقها. حسنًا، إذا لم يُعقد العقد، فكيف ستأخذ الشبكة؟ هذا غير ممكن؛ لأن هذه الشبكة لا موجب لها.

حزن الفتاة بعد فسخ الخطبة أخف من حزن تحطم الأسرة بعد الزواج

فيقول لي: لكن هذه الفتاة قد حزنت كثيرًا. وهذا وارد، فهي إنسان ولا مانع من أن تحزن، لكن هذا الحزن أخف من حزن غيره.

لو أنها تزوجته وبنت أسرة ثم حُطمت هذه الأسرة، فعلينا أن نقول: من الأفضل أن نترك بعضنا ونحن على البر، وليس ونحن في وسط اللُّجة. أوفوا بالعقود وليس بتهيئة العقود.

إجماع العلماء على أن الوعد غير ملزم واستثناء الإمام مالك في العقود المالية

ولذلك أجمع العلماء على أن الوعد غير ملزم، الوعد غير ملزم، إلا الإمام مالك قال: هو ملزم إذا كان الأمر يتعلق بعقود مالية يترتب عليها ضرر، ولا ضرر ولا ضرار.

قلنا له: مثل ماذا يا سيدنا الإمام؟ قال: مثل أنني مررت على شخص قلت له: ما هذا؟ ما هذا البيت الذي تسكن فيه؟ إنه لا يليق بك. فقال لي: والله، على قدر الغطاء أمدّ رجلي، ليس لدي المال.

مثال الإمام مالك في إلزام الواعد بالوفاء عند التغرير بالآخر

قلت له: لا، لا تقلق، اهدمه وغدًا سأحضر لك المال الذي تبني به هذا البيت بناءً جميلًا وطيبًا، وقطعة الأرض جميلة وجيدة، والموقع جميل، لكن هو البيت هكذا شكله ليس جيدًا.

صدّق الرجل وذهب فهدم البيت وجاء إلي قائلًا: أعطني النقود الآن لأبني. قلت له: لا، الوعد غير ملزم، هل بيني وبينك عقد؟ أنا فقط قلت لك أنا سوف أعطيك، يعني وعد.

فالإمام مالك والأئمة الثلاثة يقولون: له هذا [أي الحق في عدم الإلزام]، وأخونا الذي هدم البيت هذا مخطئ؛ لأنه كان يجب عليه أن يأخذ النقود أولًا بيده قبل الهدم.

الإمام مالك قال: لا، إنني أحكم عليه بأنه يجب أن يدفع النقود؛ لأنه غرّر بالرجل حتى هدم بيته، فيجب عليه البناء. هذه هي القضية.

الفرق بين الوعد غير الملزم والعقود الملزمة التي يجب الوفاء بها

أما شخص وعد شخصًا آخر ثم تغيرت الظروف وأصبح الوعد مستحيلًا أو صعبًا أو غيّر رأيه، وبعد ذلك تقول لي: أوفوا بالعقود؟ لا، فلا يوجد عقد أصلًا لكي أفي به.

فتنبه أن هناك فرقًا بين الوعد غير الملزم الذي يتغير بتغير الدنيا والأحوال والأشخاص والزمان والمكان، وبين العقود الملزمة التي حتى لو ترتب ضرر على الوفاء بها، فلا بد علينا من الوفاء بها؛ حتى لا يكون بين الناس شيء خارج العقل وخارج الشرع وخارج الأخلاق.

خطورة الخلط بين تهيئة العقد والعقد واحترام الشريعة لحرية الإرادة

لأن الخلط بين تهيئة العقد وبين العقد يترتب عليه فساد كثير، والنفوس تحمل وتتحمل كثيرًا من الناس، والظلم يحدث بين الناس.

من أجل هذا الشرع احترم فينا حرية الإرادة، واحترم فينا أن نتمتع بالمباح، واحترم فينا أن نحوّل المباح إلى واجب علينا بالنذر أو بالعقد أو بحكم حاكم أو برأي والٍ، وهكذا أمور تجعل المباح ينتقل من الإباحة إلى الوجوب.

ولكن إذا كان الأمر ما زال في دائرة المباح فليس لأحد أن يظلم أحدًا، وليس لأحد أن يواجه الآخر بهذه الآية:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]

وإلا يكون قد استعمل شيئًا في كتاب الله في غير ما نزل فيه.

خطورة استعمال آيات القرآن في غير ما نزلت فيه وأثر ذلك في التطرف والفساد

واستعمال شيء من كتاب الله في غير ما نزل فيه هو سبب التطرف وهو سبب الفساد.

أخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه في شأن الخوارج قال:

«ذهبوا إلى آيات أنزلها الله في المشركين فجعلوها في المؤمنين»

وضع الشيء في غير ما نزل فيه [هو منهج الخوارج]؛ فالخوارج متشددون جدًا، والخوارج يدّعون أنهم أهل الحق وهم أهل الباطل.

والسبب ماذا؟ سوء الاستدلال. كيف ساء الاستدلال؟ أنزل الله آيات في المشركين، فإذا بهم يحملونها على المؤمنين ويصورون أننا من المشركين، نحن مؤمنون ولسنا مشركين. فساد عريض في سوء الاستدلال.

والله تعالى أعلى وأعلم، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.