سورة المائدة | حـ 852 | 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ 852 | 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • أمر الله تعالى المؤمنين بالوفاء بالعقود لمصلحتهم ومصلحة البشرية، ليكون ذلك عنواناً للمسلمين.
  • أحل الله تعالى بهيمة الأنعام للمسلمين، لكنه حرم أصنافاً منها كالحمار الأهلي وذي الناب من السباع وذي المخلب.
  • استنبط الإمام الشافعي قاعدة: كل ما استقذرته العرب فهو حرام، وما لم تستقذره فهو حلال.
  • من أمثلة ما استقذرته العرب: الفيل لكونه ذا أنسجة هلامية، والضبع حتى قال النبي ﷺ عندما سُئل عنه: "أويأكل الضبع أحد؟".
  • أثار هذا المعيار إشكالين: كيفية معرفة ما استقذرته العرب، وحكم ما لم تعرفه العرب كالزرافة.
  • بحث العلماء في هذه المسائل بمنهج علمي دقيق، حتى ألف بعضهم كتباً في حياة الحيوان لخدمة الفقه.
  • استنتجوا أن الزرافة حلال لدخولها في عموم بهيمة الأنعام، فهي ليست من آكلات اللحوم وليس لها مخلب ولا ناب.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

افتتاح الدرس والأمر بالوفاء بالعقود في سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، قال تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]

يعني لمصلحتكم ولمصلحة البشرية، وحتى يكون الوفاء بالعقود عنوانًا على المؤمنين في مقابلة العالمين؛ فإذا حلّ المسلم في مكان وفّى بالعقود.

الرد على من خالف أمر الله ولم يوفِ بالعقود في بلاد غير المسلمين

وفي ذلك ردٌّ على أولئك الذين عاشوا فعاثوا في الأرض فسادًا في بلاد غير المسلمين، وهم من المسلمين في ظاهر الأمر، ولم يوفوا بالعقود، فكانوا مثالًا سيئًا للمسلمين؛ لأنهم خالفوا ربهم وخالفوا أمره وتكليفه.

معنى بهيمة الأنعام والمحرمات التي استثناها الشرع منها

قال تعالى:

﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾ [المائدة: 1]

وبهيمة الأنعام معناها الحيوان، ولكن هذا الحيوان بالمعنى الواسع يدخل فيه أنواع حرّمها علينا الشرع؛ فحرّم علينا الحمار الأهلي، وحرّم علينا ذا الناب الذي له ناب من السباع، وحرّم علينا ذا المخلب الذي له مخالب، وحرّم علينا أشياء مثل هذا.

لكنه سبحانه وتعالى بيّن لنا بيانًا شافيًا في هذه المحرمات فقال:

﴿إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 1]

فأحلّ لنا بهيمة الأنعام إلا ما تلاه علينا [من المحرمات].

قاعدة الإمام الشافعي في التحليل والتحريم بناءً على استقذار العرب

ومن هذا الحلّ الواسع استدلّ الإمام الشافعي أن كل ما لم تستقذره العرب فهو حلال، وكل ما استقذرته العرب فهو حرام.

سيدنا الإمام الشافعي عنده قاعدة هكذا: كل ما استقذرته العرب -يعني قالت: ما هذا؟ أنا متقزّز منه- يكون حرامًا، وكل ما لم تستقذره العرب يكون حلالًا.

مثال الفيل كحيوان استقذرته العرب فحُرِّم أكله عند الشافعية

قالوا له: ولكن يا فضيلة الإمام، أعطنا مثالًا لشيء استقذرته العرب؟

قال: الفيل، استقذرت العرب الفيل. [والفيل] حيوان نباتي يأكل النباتات، وخرطومه هذا لا يأكل به ولا يفترس به، ليس مثل الأسد والنمر والفهد؛ فهذه حيوانات مفترسة تأكل اللحوم ولها مخالب.

لكن الفيل مسكين ليس له مخالب، وحتى نابيه الكبيرين هذين لا يستعملهم، يعني حتى أنهم في الحقيقة معوجّون؛ يعني عندما تجد أن نابَي الفيل معوجان إلى الأعلى وليس إلى الأسفل، فهذا يعني أنه لا يستطيع الأكل بهما، ولا يستطيع الضغط بهما، ولا يستطيع الإمساك بهما، إنها مجرد أشياء يستند بها فقط.

سبب استقذار العرب للفيل وتحريمه لاحتوائه على مواد هلامية

حسنًا، سألوا: ما الذي في هذا الفيل [يجعله مستقذرًا]؟

قالوا: والعياذ بالله، عندما تشقّه تجده كله مواد هلامية هكذا. فالعرب لمّا وجدته كذلك ليس فيه لحم -يعني فيه أنسجة بسيطة فقط وكله هلام- فاشمأزّت منه واستقذرته العرب، فهو حرام.

حكم أكل الأرنب والضبع وموقف النبي ﷺ من الضبع

لكن العرب لم تستقذر الأرنب مثلًا فهو حلال، وأُكِل الأرنب أمام النبي ﷺ فلم ينهَ عنه.

قالوا له: حسنًا، ولكن هناك إشكال ثانٍ. الإشكال الأول: أن تعرف ما الذي استقذرته العرب وما الذي لم تستقذره. والإشكال الثاني: قالوا له: افترض أن العرب لم تعرف هذا الشيء، فهل هو حلال أم حرام؟

قال [الإمام الشافعي]: الضبع استقذرته العرب بالرغم من أنه ليس له أنياب، ولذلك سألوا سيدنا رسول الله ﷺ عن حلّ الضبع، قال:

قال رسول الله ﷺ: «أوَيأكل الضبعَ أحد؟»

يعني هل يأكل الضبع أحد؟ هل يوجد من يأكل هذا المخلوق المقزّز؟ إنه أمر مستقذر، حتى أنني لا أهتم بما إذا كان ليس له مخالب أو ليس له كذا أو ليس له أنياب، ما شأني بهذا الأمر؟ إنه أصلًا مقرف، وشيء مقرف جدًّا، أوَيأكل ذلك أحد؟ فهذا إنكار [من النبي ﷺ لأكله].

حكم الضبع عند الإمام الشافعي واستقذار العرب له رغم عدم وجود أنياب له

قال: حسنًا، ما الذي استقذرته العرب أيضًا؟

قال: الضبع استقذرته العرب بالرغم من أنه ليس له أنياب، ولذلك سألوا سيدنا رسول الله ﷺ عن حلّ الضبع، قال:

قال رسول الله ﷺ: «أوَيأكل الضبعَ أحد؟»

يعني هل يأكل الضبع أحد؟ هل يوجد من يأكل هذا المخلوق المقزّز؟ إنه أمر مستقذر، حتى أنني لا أهتم بما إذا كان ليس له مخالب أو ليس له كذا أو ليس له أنياب، ما شأني بهذا الأمر؟ إنه أصلًا مقرف، وشيء مقرف جدًّا، أوَيأكل ذلك أحد؟ فهذا إنكار [من النبي ﷺ].

مسألة الزرافة التي لم تعرفها العرب والبحث العلمي الفقهي في الحيوان

حسنًا، قالوا له: لكن المشكلة ما زالت قائمة في الشيء الذي لم يُعرض على العرب.

ابحثوا إذن عن شيء لا يكون للعرب فيه حكم، فذهبوا يبحثون حتى وجدوا الزرافة. قالوا: الزرافة لا تعرفها العرب، لم تستقذرها ولم ترها ولا أكلتها ولا أي شيء.

وهنا بدأنا التفكير العلمي؛ التقسيم يقول لك: مسألة الزرافة في الفقه هكذا الآن؛ لأنه انتهى العقل العلمي في التقسيم والتصنيف الذي هو أساس علم الحيوان، لم يعد شائعًا بين الناس.

انظر إلى البحث، يعني أنهم أجروا أبحاثًا في الحيوان لخدمة الفقه، وليس مجرد كلام فقط، بل هي بحوث. ولذلك نرى الإمام الدميري -وهذا فقيه كبير شارح المنهاج- ألّف كتاب «حياة الحيوان» ويتتبع فيه بالمنهج العلمي الدقيق ما أصل كل شيء؛ لكي عندما يقول حلالًا وحرامًا يكون قائلًا عن علم لا عن جهل.

مسألة الزرافة وما لم تعرفه العرب وأهمية البحث العلمي في الفقه

حسنًا، قالوا له: لكن المشكلة ما زالت قائمة في الشيء الذي لم يُعرض على العرب.

ابحثوا إذن عن شيء لا يكون للعرب فيه حكم، فذهبوا يبحثون حتى وجدوا الزرافة. قالوا: الزرافة لا تعرفها العرب، لم تستقذرها ولم ترها ولا أكلتها ولا أي شيء.

وهنا بدأنا التفكير العلمي؛ التقسيم يقول لك: مسألة الزرافة في الفقه هكذا الآن؛ لأنه انتهى العقل العلمي في التقسيم والتصنيف الذي هو أساس علم الحيوان، لم يعد شائعًا بين الناس.

انظر إلى البحث، يعني أنهم أجروا أبحاثًا في الحيوان لخدمة الفقه، وليس مجرد كلام فقط، بل هي بحوث. ولذلك نرى الإمام الدميري -وهذا فقيه كبير شارح المنهاج- ألّف كتاب «حياة الحيوان» ويتتبع فيه بالمنهج العلمي الدقيق ما أصل كل شيء؛ لكي عندما يقول حلالًا وحرامًا يكون قائلًا عن علم لا عن جهل.

أهمية عدم احتقار أي مسألة علمية والمنهج العلمي في التفكير الفقهي

فقال لكم: لماذا أنت مهتم بزرافة وغير زرافة؟ لا، كانوا مهتمين بكل شيء، لم يتركوا أي شيء، لكن هذا عن تجريبٍ وبحثٍ وعلمٍ، وليس عن كلامٍ أو استهانةٍ بالعلم.

yعني أنتم تتركون المشاكل الكبيرة وتتمسكون بالزرافة؟ ما هذه المشاكل الكبيرة؟ هذا منهجٌ علمي، ليس في العلم شيء اسمه صغير وكبير، بل هناك ما يُسمّى مسألة علمية.

لكن لا نجعل المسألة قضية، نحن نتعلم في التفكير المستقيم ألّا نحتقر شيئًا من العلم.

حكم الزرافة في الفقه الإسلامي وإلحاقها ببهيمة الأنعام المباحة

فقال لك: الزرافة لم يعرفها العرب، لكي يقول هكذا يجب أن يكون حافظًا لأشعار العرب وخطبهم وموروثهم الثقافي، ولم يجد فيه أبدًا ذكرًا للزرافة، ويعرف موطن هذه الزرافة وما قصتها.

قال: والله يُطبَّق عليها [القاعدة]: إذا كانت ليست من آكلات اللحوم، وإذا كانت ليس لها مخلب ولا ناب، إذن هي ليست من السباع، فهي من بهيمة الأنعام. إذن أُحلّت بهذا العموم:

﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾ [المائدة: 1]

إذن الغزال جائز والزرافة جائزة.

سبب تخصيص الزرافة بالسؤال دون الغزال ومعرفة العرب بالغزال والمسك

ولكن لماذا قالوا عن الزرافة بالذات؟

لأن العرب لا تعرفها، أما الغزال فالعرب تعرفه وتعرف أن المسك يأتي منه. وكما قال الشاعر:

وإن تفُقِ الأنامَ وأنتَ منهم، فإنّ المِسكَ بعضُ دمِ الغزالِ

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.