سورة المائدة | حـ 856 | 2 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •أمر الله المؤمنين بعدم انتهاك شعائره، والشعائر هي علامات الله سبحانه، قد تكون ظاهرة أو خفية، معلومة أو مجهولة.
- •الأذان من شعائر الإسلام الظاهرة التي يستدل بها المسلم على وجود مسلمين في أي مكان.
- •أكد النبي صلى الله عليه وسلم أن المشركين إذا سمعوا الأذان كفوا أيديهم عن القتال.
- •من غباء المشركين أنهم لم يستغلوا هذا الأمر بالأذان الكاذب، وهذا تأييد من الله لشعيرته.
- •كذلك من قال لا إله إلا الله عصم دمه وماله، حتى لو قالها تعوذاً كما بين النبي لأسامة وخالد.
- •حين احتل نابليون مصر وادعى الإسلام، طلب منه المشايخ أن يقول الشهادة فرفض.
- •الله سبحانه يحول بين المرء وقلبه ولسانه، فلا يقول كلمة الإيمان إلا من أراد الله له ذلك.
- •القرآن معجزة باقية إلى يوم الدين تنبئ عن نفسها وتظهر مكنونها للناس.
مقدمة في تفسير آية النهي عن استحلال شعائر الله من سورة المائدة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى، وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ﴾ [المائدة: 2]
أي لا تنتهكوا ولا تستبيحوا ولا تُقدِموا على دائرة شعائر الله فتعتدوا. أمر الله سبحانه وتعالى بالحلال وبالحرام، وبيّن لنا ما الذي يرضيه وما الذي يغضبه؛ فلا بدّ عليكم أن تلتزموا.
لا تُحِلّوا شعائر الله، والشعيرة هي أمر الله سبحانه وتعالى؛ قد تكون ظاهرة وقد تكون خفية، قد تكون معلومة وقد تكون مجهولة.
أنواع شعائر الإسلام والأذان كشعيرة ظاهرة يُستدل بها على بلاد المسلمين
فهناك ما عرفه المسلمون جميعًا وكان أمرًا ظاهرًا، وعادةً يكون مكررًا. وهناك ما يعرفه بعض المسلمين ولا يعرفه بعض المسلمين.
فمن النوع الأول: الأذان؛ فالأذان أصبح شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة، ولذلك يستدل المسلم إذا ما سمع الأذان أنه في بلاد المسلمين. فعندما تذهب إلى مكان ما وتسمع الأذان تقول: الله، يوجد هنا مسلمون وهم الذين يفعلون ذلك [أي الأذان].
فالأذان عند المسلمين أصبح علامة، فالشعيرة هي علامة خاصة، خاصةً الشعيرة الظاهرة.
تأكيد النبي ﷺ على الكف عن القتال عند سماع الأذان في مواجهة المشركين
ولذلك أكّد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في نزاعه مع المشركين أنهم إذا سمعوا الأذان كفّوا أيديهم. إذا جئتَ إلى مكان ولستَ تعرف: هل هؤلاء من المشركين الذين يحاربوننا أم من المسلمين الذين آمنوا؟ فالأمور متداخلة.
قال [النبي ﷺ] لهم: أول ما تسمعوا الأذان كُفّوا أيديكم.
أليس من الممكن أن يفعلها أحدٌ خدعةً؟ عندما يعرف المشركون ذلك [أي أن المسلمين يكفّون عند سماع الأذان]، فالأمر يصبح سهلًا؛ إذ يرون المسلمين قادمين، فعندما يؤذّنون [يكفّ المسلمون]. قال [النبي ﷺ] لك: عقليًا من الممكن أن يفعلوا ذلك، لكن واقعيًا لم يحدث.
غباء الشرك وكبره حال دون استغلال المشركين لشعيرة الأذان خدعةً
وهذا [أي عدم حدوث الخدعة] من عند مَن إذن؟ هذا [من عند الله]؛ ليس المشرك أيام النبي عليه الصلاة والسلام على الطريقة التي يهرب بها منه [أي من القتال] ليس هكذا فحسب، بل هذه ربما الطريقة التي ينتصر بها عليه [أي على المسلمين]. لقد أخبرته [النبي ﷺ أخبر المشركين] بسرّ حربي هكذا: أما لو سمعتَ الأذان، لو سمعتَ الأذان أكفّ يدي.
أمرٌ غريب، فلم يستفد منها أحد [من المشركين]. لماذا؟ إنه غباء الشرك؛ فالشرك غبيّ، لا يستفيد من شيء كهذا. كِبْرُ الشرك غير راضٍ أن يقول: الله أكبر.
حماية الله لشعيرة الأذان وتأييده للمسلمين رغم عداء المشركين
يعني هؤلاء الناس لو كان لديهم عقل ويعملون لمصلحتهم ويريدون الانتصار على المسلمين، لكانوا أذّنوا. لكن في جهة أخرى حمى الله فيها شعيرته.
وهذه تكون أمرًا يجعلنا ننتبه إلى أن الله يؤيّد هؤلاء [المسلمين]. هذا ربنا يؤيّدهم؛ جالسون يضربونهم، جالسون يحتلون أرضهم، جالسون يظلمونهم، جالسون ينشرون عليهم الإشاعات، جالسون يسبّونهم، جالسون يزدرون أمثلتهم وأنبياءهم، وهم سبحان الله محميّون مؤيّدون من الله.
حديث من قال لا إله إلا الله عصم دمه وماله وموقف أسامة وخالد
وكذلك عندما يقول [النبي ﷺ] لك:
قال رسول الله ﷺ: «من قال لا إله إلا الله فقد عصم مني دمه وماله»
حسنًا، قومٌ واحد في الحرب، كانت خاصّته قديمًا بالسيوف، عندما يرى السيف على رقبته يقول: لا إله إلا الله. بسيطة وانتهت، فأنا أسحب السيف وأقول له: خلاص ما دمتَ قلتَ لا إله إلا الله. وقال لي: محمد رسول الله.
حسنًا وبعدها عندما أفعل ذلك [أي أكفّ عنه]، يقتلنا؟ هذا الخاطر الذي هو الخاطر العقلي، الخاطر العقلي ورد عند سيدنا خالد [بن الوليد] وورد عند سيدنا أسامة [بن زيد]؛ أنه قال: يا رسول الله، إنما قالها تعوّذًا، إنه قالها لكي يهرب مني، هذا واضح في عينيه.
فقال له [النبي ﷺ]: «هلّا شققتَ عن قلبه؟» يعني حتى لو كان [كاذبًا]، قال له: حتى لو كان، أنا لا شأن لي، المهم أن يقولها. ما رأيك في أنه قالها؟ الله [هو الذي حال بينه وبين الخداع].
قصة نابليون والحملة الفرنسية وادعاؤه الإسلام لاحتلال مصر
ولذلك ونحن جالسون نقرأ في التاريخ، واجهنا يومًا الحملة الفرنسية تحتل مصر، ويريد [نابليون] أن يصنع إمبراطورية. وقالوا له: إن هذه العملية سهلة جدًا، اعمل لهم منشورًا وقل لهم أنك مسلم.
فقال: حسنًا، وأحضر معه مطبعة عربية كانت في مالطا وأحضرها معه، وطبع منشورات ووزّعها: أنا مسلم، أنا جئت إليكم لأحرّركم من ظلم المماليك وأنا مسلم.
مطالبة المشايخ لنابليون بالنطق بالشهادتين ورفضه ذلك
فقال له [المصريون]: حسنًا. فاجتمع المشايخ: الشيخ السادات والشيخ الشرقاوي والشيخ البكري وغيرهم من المشايخ، وقالوا له: لا، هذا الأمر بسيط، قل لا إله إلا الله محمد رسول الله، نبايعك ونترك الخليفة العثماني؛ لأنك متغلّب وجيوشك مسيطرة. فإذا كنتَ أنت ستدخل الإسلام بهذا الشكل فمرحبًا وأهلًا وسهلًا.
قال لهم: لا، لستُ قائلًا [الشهادة]. الله! أنا جالس أفكّر: يا ربي، أنت أرسلتَ [هذا الأمر]. يا نابليون يا أخي، هذا الشخص المجهول، وقلتَ فيه أنك مسلم يا أخي، أمام المشايخ قم يا أخي وقل: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ما أنت تبدأ بالكذب منذ البداية!
الله يحول بين المرء وقلبه ولسانه وتأييده الدائم لشعائره
فما الذي يجعلك يا نابليون [ترفض النطق بالشهادة]؟ الله!
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
أفلا يحول بين المرء ولسانه؟ إذن ربنا سبحانه وتعالى أيضًا في هذه الآيات فيها غيب وفيها تأييد وفيها معجزة دائمة لا ترضى أن تسكت.
ولذلك فهذا القرآن معجزة رسالة باقية، تُنبئ عن نفسها وتُظهر مكنونها وتبيّن آياتها للناس إلى يوم الدين.
معجزات النبي ﷺ الخارقة ومعجزة القرآن الدائمة الباقية إلى يوم الدين
في معجزة الرسول ﷺ التي هي المعجزة الخارقة: الماء النابعة من بين يديه الشريفتين صلى الله عليه وسلم سقى الجيش، والجمادات تكلّمت وسمعوها، وسمعوا أنين الجذع [الذي كان يخطب عليه النبي ﷺ].
إننا نحن سمعنا ما لم نسمعه [أي لم نشهد تلك المعجزات الحسية]، أليس كذلك؟ نحن معنا ماذا؟ معنا معجزة الرسالة الدائمة [القرآن الكريم] التي أيضًا أيّدت معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
