سورة المائدة | حـ 857 | 2 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ 857 | 2 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • تحريم الاعتداء على شعائر الله تعالى، حيث نهى الله المؤمنين عن إحلال الشهر الحرام والهدي والقلائد.
  • الشهر الحرام أربعة: ثلاثة متتالية هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد منفرد هو رجب المعروف بالأصم والأصب والفرد.
  • لا يجوز القتال في الشهر الحرام إلا دفاعاً عند الاعتداء، فالأصل في العلاقات الإنسانية السلام.
  • الهدي لا يُحَل إلا عند بلوغه محله في مكة، ولا يصح ذبحه خارجها ثم نقله.
  • النهي عن التعرض للقاصدين البيت الحرام (الآمّين) الذين يبتغون فضلاً من الله ورضواناً.
  • من شروط استطاعة الحج أمن الطريق، فمن يجعل الطريق غير آمن يصد عن سبيل الله.
  • إباحة الصيد بعد التحلل من الإحرام، حيث قال تعالى: "وإذا حللتم فاصطادوا".
  • الإسلام دين وليس مجرد فكر أو مذهب أخلاقي، والواجب اتباع ما أراده الله لا ما يراه الإنسان.
  • حروف الإطباق أربعة: الصاد والضاد والطاء والظاء، وهي تؤثر في تاء الافتعال فتقلبها طاء.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

افتتاح الدرس وبيان تحريم القتال في الأشهر الحرم من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2]

وربنا سبحانه وتعالى حرَّم علينا أن نقاتل في الشهر الحرام كما تقدم في سورة البقرة. والأشهر الحرم ثلاثة متتالية: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد منفرد وهو رجب؛ ولذلك يُسمَّى برجب الأصم ورجب الأصبّ ورجب الفرد، من أجل أنه تفرَّد في الحرمة من بين الشهور.

﴿مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36]

تفصيل حكم القتال في الشهر الحرام والاستثناء عند الاعتداء

وقد فصَّل لنا ربنا سبحانه وتعالى أن لا نقاتل في الشهر الحرام إلا إذا قُوتِلنا:

﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 217]

إذن فالشهر الحرام لا يتعدَّاه المسلم أبدًا؛ لأن الأصل في العلاقة بين الإنسان والإنسان هو السلام، الذي جعله الله للمسلمين تحيةً فيما بينهم وبينهم وبين الأكوان.

حجر كان يسلم على النبي ﷺ قبل النبوة تعظيمًا لمقامه

حتى إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أنه يعلم حجرًا كان يسلِّم عليه قبل النبوة في مكة، الحجر يقول لسيدنا رسول الله وهو ذاهب إلى غار حراء: السلام عليك يا سيدنا محمد.

وسيقولون لي: لا، إنه قال له: السلام عليك يا محمد. لا بأس، هو سيقول له يا محمد، ماذا قال له؟ سأقول له: يا سيدنا محمد، أنت سيد ولد آدم ولا فخر، سيد الأكوان صلى الله عليه وسلم، سيد بني عدنان، سيد بني آدم؛ لأنه هو المثال الأكمل الأتم.

النبي ﷺ الأسوة الحسنة وباب الذكر والطمأنينة القلبية

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]

هذه علامة الحب [لله تعالى: اتباع النبي ﷺ].

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

فهو باب الذكر، ولذلك فهو باب الطمأنينة القلبية.

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

النهي عن إحلال الشهر الحرام وبيان أن الحكم لله وحده سبحانه

فنهانا [الله تعالى] أن نُحِلَّ الشهر الحرام إلا بما أحلَّه هو.

﴿لَا تُحِلُّوا﴾ [المائدة: 2]

أنتم، لكنه هو سبحانه وتعالى الذي يُحِلّ. الزمن زمنه، والخلق خلقه، والنهي نهيه، لا حاكم إلا الله سبحانه وتعالى.

﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40]

حكم الهدي وعدم جواز ذبحه قبل بلوغ محله في مكة المكرمة

وكذلك الهدي أيضًا لا يُحَلّ، فالهدي قبل أن يبلغ محلَّه لا يُحَلّ فهو آتٍ، فلا تُحِلَّه. متى تُحِلُّه وتذبحه؟ عندما يصل إلى محلِّه، ومحلُّه هو مكة.

ولذلك لا يجوز أن يكون الهدي خارج مكة. شخص عليه هدي، يأتي يسأل: أذبحه في مصر لأن الفقراء هنا أكثر؟ لا يصح، ولكن أذبحه هناك [في مكة] وأُحضِر لحمه إلى هنا. منظمة المؤتمر الإسلامي تفعل ذلك، والبنك الإسلامي وغيرهما يفعلون ذلك؛ يذبحون الهدايا ثم يوزعونها على المسلمين بفتوى العلماء، لكن لا تذبحوها هنا [خارج مكة].

الفرق بين الإسلام كدين إلهي وبين الفكر البشري والمذاهب الأخلاقية

حسنًا، ما الفرق؟ عوضًا عن النقل، نعم، هذا أمر يخصُّ ربنا [سبحانه وتعالى]؛ جعل هذا المكان [مكة المكرمة] تتنزَّل فيه الرحمات. نحن لا نتَّبع فكرًا، فالإسلام ليس فكرًا وليس مذهبًا أخلاقيًا، بل الإسلام دين.

وماذا يعني الدين؟ يعني أن نرى ما أراده الله تعالى ونطبِّقه، فالله يحكم بما يريد، لا بما نريد نحن. فهذا دين تتنزَّل فيه الرحمات.

حكمة الذبح في مكة وأن العبرة بالتقوى لا بالمادة

فعندما يحدث هناك [في مكة] الذبح وأنه يعني:

﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ [الحج: 37]

يا أخي، فيه تقوى! الأمر ليس ماديًا فقط هكذا، مصاريف نقل وغير مصاريف نقل، لا. هذه القضية لو كان الإسلام فكرًا يسمُّونها إيديولوجيا، حسنًا، أنا يكون لي فكر وأنت لك فكر وهو له فكر، لكن الإسلام دين.

نفكِّر في كيفية التطبيق، نفكِّر في كيفية الفهم، نفكِّر في كيفية المساهمة في بناء الحضارة الإنسانية، لا نفكِّر في تغيير ملامح الدين، لا يصح.

تحريم التعدي على الهدي والقلائد وقاصدي البيت الحرام

تغيير الهدي ولا القلائد [لا يصح]، التي تكون مثل العقد يضعونه على الهدي وهو مساقٌ إلى بيت الله الحرام. احذروا أن تُحِلُّوها، احذروا أن تعتدوا عليها [في] الطريق؛ يقطع الطريق ولا كذا إلى آخره.

ولا أيضًا تعتدوا وتستحلُّوا آمِّين البيت الحرام، فيكون "آمِّين" هنا ماذا؟ مفعول به، فتكونوا تستحلُّون الآمِّين البيت الحرام وتعتدوا عليهم، أو وهم ذاهبون في الطريق تهجمون عليهم وتسلبونهم وتنهبونهم.

إعراب آمين البيت الحرام وبيان معنى الأمّ وهو القصد

ولا آمِّين البيت الحرام، فيكون: لا تُحِلَّ الشعائر ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمِّين البيت الحرام منصوبة، فيكون إذا تسلَّطت عليها النهي عن الحلِّ هذا: لا تُحِلَّ آمِّين البيت الحرام، واحذر أن تستحلَّه.

الذين يذهبون إلى البيت الحرام قاصدين إياه، والأَمُّ هو القصد؛ آمِّين البيت الحرام، ومنه الإمام؛ لأنه يتوجَّه إلى القبلة والناس تنظر إليه في حركاته، فإن قام قاموا وإن ركع ركعوا وإن رفع رفعوا إلى آخره، فهو إمام لأنهم يقصدونه في حركاته.

الاعتداء على الحجاج صدٌّ عن سبيل الله وأمن الطريق من شروط الاستطاعة

﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًا﴾ [المائدة: 2]

إذن فعندما تعتدون عليهم فقد صددتم عن سبيل الله ومنعتم هؤلاء الناس من الدعاء، ومنعتم غيرهم [أيضًا من الحج].

وذلك عندما يكون من ضمن الأمور التي ذكرها الفقهاء أن الطريق إلى الحج إذا كان غير آمن وفيه قُطَّاع الطريق والحرامية فلا يذهب له [الحاج]، ومن ضمن الاستطاعة أمن الطريق؛ لا بدَّ أن يكون الطريق آمنًا.

فعندما تجعل الطريق غير آمن فقد صددت عن سبيل الله ومنعت العبادة، ومنعت غيرهم أيضًا غير المعتدى عليهم؛ هذا تأخذ [به] سمعة سيئة.

حكم الصيد بعد التحلل من الإحرام وقاعدة قلب التاء طاءً في افتعال

﴿وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2]

يعني إذا نهانا [الله] عن الصيد ونحن مُحرِمون، وأمرنا ألَّا نتعدَّى حدود الله وألَّا نُحِلَّ شعائر الله، هذا النهي له وقت محدد إلى أن نتحلَّل؛ أدَّينا العبادة والمناسك والشعائر، إذن فعلينا أن نعود مرة أخرى حلالًا فنصطاد.

"فاصطادوا": كلمة "اصطاد" على وزن افتعل. ما الذي جعل التاء طاءً؟ أنتَ تنطق طاءً، قال لك: أربعة حروف، عندما تأتي التاء بعدهم تتحوَّل إلى طاء: الصاد والضاد والطاء والظاء.

حروف الإطباق الأربعة وسبب تسميتها وأثرها في قلب التاء طاءً

وهذه الأربعة يسمُّونها ماذا؟ يسمُّونها حروف الإطباق. لماذا سمَّوها إطباقًا؟ لأن اللسان يُطبِق على سقف حلقك (فمك) من الأعلى، فيُطبِق هكذا. هذه الحروف الأربعة شديدة جدًا والتاء رقيقة.

فدائمًا من جَوْر السعيد يَسعَد، فتأتي [التاء] وقد أخذت القوة من الأحرف الأربعة هذه، وتتقلَّب إلى ماذا؟ إلى القوة الخاصة بها التي هي الطاء.

وهكذا دائمًا: تاء افتعال تُرَدُّ طاءً إثر مُطبَق. إذا التاء في افتعال تُردُّها طاءً إذا جاء بعدها واحد من الحروف الأربعة هذه.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.