سورة المائدة | حـ 859 | 2 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يشرح النص معنى قوله تعالى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا" من سورة المائدة.
- •هذا التعبير القرآني يُفهم كوحدة متكاملة كما في التعبيرات العربية مثل "مات حتف أنفه" و"كثير الرماد".
- •المعنى أن كراهية الآخرين لا ينبغي أن تكون دافعاً للعدوان عليهم، حتى لو كان سبب هذه الكراهية مشروعاً.
- •الله سبحانه يحذر المؤمنين من الاعتداء على من منعوهم من المسجد الحرام، فالظلم الواقع عليهم ليس مبرراً للعدوان.
- •يستخلص من الآية مبدأ الإنصاف وضبط النفس، وعدم السماح للمشاعر السلبية بالتأثير على السلوك.
- •يرتبط هذا بصفات "الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس" التي تحلى بها الصحابة.
- •ختم بقصة عن الحسن أو الحسين عندما عفا وأعتق خادمه الذي أخطأ، مطبقاً معاني الآية عملياً.
مقدمة الدرس وبيان معنى التعبيرات المتكاملة في اللغة العربية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى في وسط الآية الثانية:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 2]
«ولا يجرمنكم شنآن قوم» يعني هذا تركيب من التراكيب في اللغة العربية تُفهم مع بعضها، تُسمى العبارة تعبيرًا متكاملًا هكذا. مثل قولنا: «والله عليم بذات الصدور»، ليست بحاجة لتفكيكها واحدة واحدة؛ «والله عليم بنفس»، «ذات» يعني نفس، «الصدور» جمع صدر، لا، هي معناها: الله عليم بذات الصدور، معناها أن الله سبحانه وتعالى عليم بكل شيء، بباطنك وظاهرك، بما يدور في نفسك وبما تفعله سرًّا وما تفعله جهرًا، بما أخفيته أو أسررته أو أعلنته. معناها هكذا كتعبير متكامل.
أمثلة على التعبيرات الكنائية في اللغة العربية كمات حتف أنفه وكثير الرماد
كما يقول سيدنا رسول الله ﷺ - مثلًا -:
«مات حتف أنفه»
هذه الكلمة تعبير معناه أن الشخص مات في الفراش من غير سبب معتاد، مثل القتل؛ فعندما يقتل شخصٌ شخصًا فيموت المقتول، أو مثل المرض بسبب المرض، تقول إنه مات بسبب المرض. أما «حتف أنفه» فيعني أنه لم يقترب منه أحد ولا أي شيء، نام فمات، نام وأثناء النوم مات حتف أنفه. لا تسأل ما معنى حتف وما معنى أنف؛ لأن التعبير يُفهم هكذا متكاملًا.
ومن ضمن التعبيرات الكنائية تقول: فلان كثير الرماد. ماذا يعني كثير الرماد؟ يعني أن عنده رمادًا كثيرًا، الرماد الذي يأتي من الجمرة التي أتت من النار، نعم؛ لأنه رجل كريم. «كثير الرماد» يعني كريم.
والرماد الكثير هذا، فبافتراض أننا لا يوجد عندنا الآن رماد، أيضًا تقول: فلان كثير الرماد؛ لأن معناها أصبح ليس أنه عنده رماد كثير فهو يُضيف أناسًا كثيرين فهو كريم، لا، هي أصبح معناها مباشرة: هو كريم. معناها هكذا: طويل النجاد (طويل السيف الخاص به)، حاضر للنجدة. حسنًا، ليس هناك سيوف الآن، لكن يوجد شخص شهم تراه يسارع لنجدة أخيه، سيكون هذا كريمًا طويل النجاد، كثير الرماد.
معنى لا يجرمنكم شنآن قوم والنهي عن الاعتداء بسبب الكراهية
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: 2]
يعني لا يدفعنّكم، لا يكون ذلك سببًا ومبررًا تبررون به لأنفسكم أن تعتدوا. لا يكن هذا الشنآن - وهو يعني الكراهية - أنا غاضب من هذا الشخص وأكرهه، غاضب منه وأكرهه، ولكن لا بد أن أكون عادلًا معه.
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]
«ولا يجرمنكم شنآن قوم» هنا، «أن صدوكم»، يعني الصفة التي سببت الكراهية والشنآن الذي يحذرك فيه ربنا أن تجعله مبررًا ودافعًا لك وحجة عندك لأن تعتدي.
العدوان غير مقبول حتى على من ظلمك ولو كان سبب الكراهية مشروعًا
العدوان ليس مقبولًا منك حتى على من تكره، حتى لو كان سبب هذه الكراهية أمرًا دينيًّا، حتى لو كان سبب هذه الكراهية أمرًا مشروعًا لك. صدّونا عن المسجد الحرام، ظلمونا، نعم هم ظلمونا، نعم وارتكبوا سيئة، نعم وهي سيئة تصلح لأن تكون مبررًا للعدوان، نعم، وإياك أن تعتدي مع كل هذا، احذر أن تعتدي.
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ﴾ [المائدة: 2]
يعني لأنهم صدّوكم، يعني يُبرر الشنآن. أنت لماذا متغاظ منهم يا أخي؟ لأنهم صدّوني عن المسجد الحرام. بعدل أو بظلم؟ بظلم وعدوان ليس لهما حق.
الظلم ليس مبررًا للعدوان عند الأتقياء وإن كان مبررًا عند العقلاء
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 2]
هذا ليس مبررًا، وإن كان في الظاهر عند العقلاء مبررًا، لكن عند الأتقياء ليس مبررًا. هو مبرر معقول المعنى، قد لا يلومني عليه كثير من الخلق، لكن الله لا يرضيه هذا ولا يرضى بهذا.
لماذا تعتدي؟ قلت له: يا رب ظلموني ومنعوني من العبادة بغير وجه حق، وأيضًا أنا أكرههم، أكرههم جدًّا. قال [الله سبحانه وتعالى]: الكراهية التي في قلبك وما فعلوه من هذا ليس مبررًا عند الله أن تعتدي عليهم.
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 2]
يعني هذه مسألة كبيرة جدًّا، نجلس ونكتبها هكذا بماء الذهب.
استخراج مبدأ الإنصاف وضبط النفس من الآية الكريمة
ونستخرج منها مبدأ الإنصاف. هذا مبدأ كبير جدًّا، مبدأ الإنصاف أمرنا وربّانا ربنا سبحانه وتعالى على الإنصاف.
ونستخرج منها مبدأ ضبط النفس؛ ليس كل شيء يحزننا ويجرح قلوبنا يؤثر في سلوكنا.
﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]
هي هي [نفس المعنى]، لم يقل لك لا يحدث الغيظ في قلبك، لم يقل لك هذا، قال لك: والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، اعفُ، والله يحب المحسنين.
قصة الحسن بن علي مع خادمه وتطبيق آية كظم الغيظ والعفو والإحسان
ولذلك تخلّق الصحابة رضي الله تعالى عنهم بهذه الأخلاق وعاشوها. فيُقال أن الحسن أو الحسين رضي الله تعالى عنهما وعن أبيهما [علي بن أبي طالب]، كان هناك واحد عبد يعني يساعده في الوضوء، فاختلّت يده فسقط الماء كله عليه.
فرأى [العبدُ] الغضب في وجهي الحسن، فبادره وقال له:
﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134]
رأى الغضب في وجهه، فأخذ [الحسن] نفسًا هكذا، قال: كظمت غيظي.
قال [العبد]:
﴿وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 134]
قال له: عفوت عنك.
قال [العبد]:
﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]
قال له: اذهب أنت حر.
وإلى اللقاء، نستودعكم الله. أخيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
