سورة المائدة | حـ 868 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ 868 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • تتحدث الآية الكريمة "يئس الذين كفروا من دينكم" عن تميز المسلمين بالالتزام بما حرمه الله كالخنزير والميتة.
  • يجب على المسلم التمسك بهذه المحرمات وإعلانها في أي مكان وجد، إلا إذا خاف على نفسه القتل والفتنة.
  • هذه المحرمات علامة على الإيمان وسبب ليأس الكافرين من تبديل الدين أو تحريفه.
  • اتفق المسلمون عبر العصور على هذه المحرمات دون نقاش، وبالتمسك بها يتجدد الإيمان.
  • يأس الكافرين يدفع بعضهم للاعتداء وبعضهم للإعراض عن المسلمين.
  • أمر الله المؤمنين بعدم الخوف من الكافرين وخشية الله وحده.
  • الخشية من الله تمنع الكبر وتعزز الثقة بالنفس.
  • اعتبر النبي والصحابة نزول آية "اليوم أكملت لكم دينكم" في يوم عرفة بيوم الجمعة بشارة عظيمة للمسلمين.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة في تعداد المحرمات من سورة المائدة ويأس الكفار من دين المسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وفي الآية التي يعدد الله علينا ما حرَّم علينا أن نأكله، يقول سبحانه وتعالى بعد ذلك:

﴿ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: 3]

إذن فهذه الأمور التي تميز جماعة المسلمين يجب على كل المسلمين في كل مكان في العالم، سواء كان في مجتمع مسلم يراعي أحكام الله ويقدس شريعته ويطبقها، أو في مجتمع يقدس الشريعة ويتهاون فيها، أو في مجتمع غير مسلم لا يقدس الشريعة بل قد لا يعرفها.

وجوب تمسك المسلم بتحريم الخنزير والميتة وإعلان ذلك في كل مكان

فإن المسلم عليه أن يتمسك بتحريم الخنزير والميتة وما شابهها، وأن يعلن ذلك واضحًا جليًا: ديني يأبى هذا وخلاصي في الابتعاد عنه. فهي علامة المسلمين، لا يتخلى عنها إلا إذا خاف على نفسه الفتنة.

[كأن] قالوا له: والله هذا مسلم، سنقتلك. نعم، في هذه الحالة يجوز لنا [التقية]، كما قال تعالى:

﴿إِلَّآ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَىٰةً﴾ [آل عمران: 28]

وكما قال تعالى:

﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلْإِيمَـٰنِ﴾ [النحل: 106]

في هذه الحالة نرتكب أخف الضررين، ولكن هناك مجتمعات تعرف الحرية، فلا بد على المسلم أن يعلن ذلك وليس له أن يجادل ولا يداري في هذا.

حرمة أكل الخنزير وشرب الخمر من علامات الإيمان ومفاصلة جماعة المسلمين

ويأكل لحم الخنزير حتى لا يُقال [عنه شيء]، ويشرب الخمر حتى لا يُقال [عنه شيء]، أبدًا! لأن هذه من علامات الإيمان ومن مفاصلة جماعة المسلمين، وليس فيها أي إضرار بالغير، بل فيها إعلان بوضوح عن العقيدة.

﴿ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: 3]

أن يُبدِّلوه أو يُحرِّفوه أو يدخلوا من خلال هذه العلامات. ولذلك ترى أن هذه العلامات وقد نُصَّ عليها في القرآن أصبحت متفقًا عليها بين المسلمين، لا نقاش فيما بينهم، ولا يقول أحد منهم أبدًا كائنًا من كان، في أي عصر كان، وفي أي مكان كان، وعلى أي حال كان، ومن أي شخص كان من المسلمين، لا يقول بغير ذلك.

معنى اليوم في الآية ودوام التحريم وتجديد الإيمان به

اليوم، يعني هذا اليوم الذي نزلت فيه [الآية] الآن، ويعني أيضًا هذا اليوم الذي تتمسكون فيه بما حُرِّم عليكم، وهو يوم دائم أبدًا.

فنحن نُديم هذا التحريم، فنجدد بهذا التحريم إيماننا.

﴿ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: 3]

واليأس هو عدم الأمل. والذين كفروا عندما يستيئسون من المؤمنين، فمنهم من يعتدي عليهم.

ردود فعل الكفار بعد يأسهم من المسلمين بين الاعتداء والتجاهل

ما هو ذلك اليأس؟ أصبح [الكافر] يائسًا، فماذا سيفعل؟ يقوم بضربك. ومنهم من يتركك في شأنك، ولا يقترب منك ولا شيء، يتركك هكذا في حالك.

فهم ليسوا على عقيدة واحدة وليسوا على قلبٍ واحدٍ ولا بتصرفٍ واحدٍ. فهذه الكلمة:

﴿ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: 3]

قد تكون إنذارًا لك بالحذر من مكرهم، وأنهم قد يعتدون عليك، أو [إنذارًا] من مكرهم وأنهم قد يُحجمون عنك.

معنى فلا تخشوهم واخشوني وإخراج خشية غير الله من القلب

ولذلك قال [الله تعالى]:

﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ﴾ [المائدة: 3]

سواء اعتدوا عليكم فلا تخافوا فالله ناصركم، أو كفوا عنكم أذاهم فلا تخافوا من مكرهم.

فإذا ما أخرج المؤمن المسلم خشية غير الله من قلبه، فإنه يتعامل مع العالمين باستواء. يتعامل مع العالم بقلب مفتوح، ليس خائفًا.

ماذا ستفعل بي؟ أستضربني؟ الله سينصرني عليك. أستتركني؟ الله سيقيني أي مكر تكون فيه. ياااه، عندما أخرجت خشية غير الله من قلبي أصبحت هناك ثقة في الله، ثقة في النفس، وعندئذ قلبي مفتوح للجميع.

التوازن بين عدم الخشية من الناس وعدم التكبر عليهم بخشية الله

﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ﴾ [المائدة: 3]

حسنًا، لو قال "فلا تخشوهم" فقط دون "واخشوني"، لتكبرت عليهم، فأنا لست خائفًا منهم. لكنه [سبحانه] منع الكبر وقال: "واخشوني". والنبي يقول صلى الله عليه وسلم:

«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر» رواه مسلم

يصبح كما قال بعض المفسرين [في قصة إبراهيم عليه السلام]:

﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الأنبياء: 69]

قالوا: لو قال الله لها "كوني بردًا" وسكت، أي انتهى الأمر عند هذا الحد "بردًا"، لكانت قتلت سيدنا إبراهيم من شدة البرد. لكنه قال "بردًا وسلامًا"، أي بردًا حتى لا يحترق من النار، لكن إلى أي درجة؟ إلى درجة حرارة السلامة.

التوازن بين الاعتزاز بالنفس وعدم التكبر في ضوء خشية الله

كما في قوله تعالى:

﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ [المائدة: 3]

حسنًا، لا خوف منهم، فيكون هناك اعتزاز بالنفس. نعم، ولكن يقف الاعتزاز بالنفس عند حد عدم التكبر:

﴿وَٱخْشَوْنِ﴾ [المائدة: 3]

نزول آية إكمال الدين وقصة عمر بن الخطاب مع اليهودي وبشرى يوم الجمعة

﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]

وعندما سمع هذه الآية أحد اليهود، قال لعمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه: والله لو نزلت فينا لاتخذنا يوم نزولها عيدًا لهذه الكلمة. إنها كلمة بليغة جدًا.

من أين أتيت بها؟ هكذا يريد أن يقول له: إن الله هو الذي أنزل [هذه الآية].

فسيدنا عمر سُرَّ جدًا بكلام هذا اليهودي وقال: والله إني أعلم متى نزلت، في حجة الوداع في عرفة، وكان يوم جمعة.

يعني المسلمون يتخذون يوم الجمعة عيدًا لهم. قال رسول الله ﷺ: هو عيد في السماء، فهم يتخذونه عيدًا. ولذلك تجدهم ذاهبين إلى المسجد ويصلون الجمعة ركعتين التي هي بديل صلاة الظهر، ويخطبون ويقومون بالشعائر وهكذا.

فكان هذا بشرى للمسلمين، وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.