سورة المائدة | حـ 870 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ 870 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • ذكر الله تعالى في سورة المائدة: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا"، وهذه الآية تبين علاقة الخالق بالمخلوق.
  • أرسل الله الأنبياء والرسل لهداية البشر، والنبي عند جمهور أهل السنة أعم من الرسول.
  • سمح الله للإنسان بالتطور في عمارة الأرض، فاكتشف النار والمعادن وطور صناعاته.
  • كلما تغير وجه العالم، أرسل الله نبياً يعلم الناس كيفية استيعاب هذه التغييرات.
  • ختم النبوة ضروري لتوحيد الأمة، إذ لو استمرت النبوة لتفرقت الأمة وانقسمت.
  • يقتضي ختم النبوة وجود نبي مقيم، وهو القرآن الكريم الذي يسكن في قلوب المؤمنين.
  • القرآن الكريم له خاصية فريدة في إمكانية حفظه، فقد حفظه مئات الملايين عبر العصور.
  • حفظ القرآن ظاهرة فريدة لا مثيل لها في التاريخ، فالأطفال والكبار والأميون والأعاجم حفظوه بلغته العربية.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

افتتاح الدرس بآية إكمال الدين من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

ربنا سبحانه وتعالى يقول في كتابه في سورة المائدة:

﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]

هذه الكلمات الطيبات في سورة المائدة بيّنت لنا قصة العلاقة بين الخالق والمخلوق؛ فإن الله سبحانه وتعالى خلق آدم وأمره ونهاه، حتى في دار التشريف التي لم تكن دار تكليف في الجنة.

نزول آدم إلى الأرض وإرسال الأنبياء والرسل تترى

فنهاه [الله سبحانه وتعالى] عن أن يأكل هو وزوجته من الشجرة، فأزلّهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه.

﴿وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ [البقرة: 36]

نزل [آدم عليه السلام إلى الأرض] وأرسل الله إليهم الرسل تترى والأنبياء. والنبي عند أهل السنة في جمهورهم أعمّ من الرسول؛ لحديث ضعيف في ذلك عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه:

«كم من الأنبياء؟ قال: مائة وأربعة وعشرون ألف نبي. قال: فكم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر»

يعني الرسول نبي، لكن النبي من الممكن ألا يكون رسولًا. وفي خلاف بين العلماء في هذا. كل نبي كان يأتي لقومه يعلّمهم ويرشدهم الطريق إلى الله.

تطور الإنسان في عمارة الأرض من اكتشاف النار إلى المعادن

ربنا سبحانه وتعالى أذِنَ للإنسان أن يتطور في عمارة الأرض. عندما نزل سيدنا آدم كان يرى النار فقط، والنار تحدث بذاتها؛ فالبرق يشتعل في اليابس من الشجر ويُحدِث نارًا. فيعرف الإنسان أن النار هذه ما هي؟ إنه يتدفّأ عليها، ولكنه لا يعرف كيف يصنع النار.

تتكوّن [النار] في الطبيعة من تلقاء نفسها هكذا من برق السماء، هذه الصواعق. لكنه اكتشف النار، اكتشف كيف يصنعها، فتغيّرت الدنيا.

هو يريد أن يأكل عنزة أو بقرة أو شيئًا ما، فذهب وأحضر قطعة حجر وظلّ يسنّها لتصبح سكينًا. بعد ذلك اكتشف الحديد واكتشف أنه عندما يضعه في النار ينتج سكينًا، ما هو؟ معدن أحدّ وأسرع وأنظف وأجمل وأقوى من الحجر الذي يمكن أن ينكسر ويتحطّم ويتفتّت.

حالما اكتشف النار، فتح الله عليه بمعلومات كثيرة، فاكتشف المعادن، ثم دخل في وضع آخر، وهكذا أبدًا.

اكتشاف صناعة السفن وإدخال الحديد فيها وتغيّر وجه العالم

رمى [الإنسان] خشبة هكذا فطافت، فصنع منها السفينة. جلس في السفينة ولم يكن يعرف كيف يُدخل الحديد في صناعة السفينة؛ إذ كانت السفن تُصنع من الخشب.

وبعد ذلك، في سنة ألف وثمانمائة وثلاثين، فتح الله على الإنجليز فأدخلوا الحديد في صناعة السفن، واكتشفوا أن الحديد يمكن أن يطفو على الماء، واستطاعوا إيجاد المعادلة الخاصة بذلك. كان ذلك عام ألف وثمانمائة وثلاثين، أي منذ قريب جدًّا.

من دخول الحديد في السفينة تغيّر وجه العالم. كلما يتغيّر وجه العالم يقوم ربنا سبحانه وتعالى بإرسال نبي يعلّمهم كيف يستوعبون هذه الحكاية [أي التطورات الجديدة في حياتهم].

مجيء خاتم النبيين وإرادة الله توحيد الأمة في أمة واحدة

إلى أن جاء سيد المرسلين وخاتم النبيين [محمد ﷺ]. عندما كان يُرسَل النبي هنا أو هناك، فإن الأقوام الآخرين لا يسمعون به. ولماذا يسمعون به؟ إنه نازل ليعلّم الناس الذين حوله في الثقافة وفي إمكاناتهم.

ثم أراد الله أن تكون هناك أمة واحدة، أمة واحدة. ولذلك وحّدها [الله سبحانه وتعالى]، وأول شيء لكي تكون الأمة واحدة هو ختم النبوة.

لماذا يستلزم توحيد الأمة ختم النبوة وعدم إرسال أنبياء جدد

تخيّل لو أن النبوة لم تُختم وكنّا في نسق مفتوح، نعم، لو لم تُختم النبوة فستتفرّق الأمة مباشرة.

وبعد مائة سنة سيأتي نبي آخر، ونصف الأمة يؤمن به ونصف الأمة لا تؤمن. فيكون النصف الذي لم يؤمن مؤمنًا بسيدنا محمد ﷺ وغير مؤمن بالنبي الجديد، فيكون كافرًا أم لا؟ كافر بالطبع.

وبعد مائة سنة يأتي نبي ثانٍ، فالنصف الذي آمن بالأول يؤمن به ونصف لا يؤمن، فنكون قد أصبحنا ثلاثة أرباع الأمة كفّارًا. مع النبي الثالث نصف سيؤمن به ونصف لن يؤمن، فأصبحنا والحمد لله ثُمن الأمة مؤمنون وسبعة أثمان كفّار.

وكلما جاء نبي تتشتّت الأمة. انظر، هذا من عند الله، هذه فكرة عجيبة غريبة.

ختم النبوة يقتضي ترك نبي مقيم وهو القرآن الكريم

هذا [ختم النبوة] يستلزم ختم النبوة، وختم النبوة هذا يقتضي ماذا؟ يقتضي أمرين: أن يترك النبي الخاتم ﷺ نبيًّا مقيمًا.

نبي مقيم أين؟ نبي مقيم، الله! يعني هل لابد أن يترك واحدًا يعيش على الدوام؟ نعم، لابد أن يترك واحدًا يعيش على الدوام ما دام لن يرسل أحدًا آخر.

وأين يسكن هذا [النبي المقيم]؟ قال: هذا يسكن في قلوب المؤمنين.

حسنًا، ما هو؟ القرآن الكريم، نبي مقيم.

القرآن الكريم محفوظ في الصدور عبر القرون والأجيال المختلفة

وهل القرآن الكريم هذا قابل للحفظ في الصدور أم ليس قابلًا؟ علينا أن نرى ما الذي حدث في الأربعة عشر قرنًا: الأطفال الصغار حفظوا، والذين لا يعرفون العربية من الأتراك والملاويين ومن بنجلاديش حفظوا، والكبار حفظوا عندما أحبّوا.

وفي ليبيا [حدث] أن يُذهِبوا النساء العجائز الأميّات جعلوهنّ يحفظن القرآن، فحفظوه. هذا شيء غريب جدًّا.

تفرّد القرآن الكريم بالحفظ دون أي نص آخر في التاريخ البشري

يعني تجد من يحفظ [القرآن] الآن كأنه مائة مليون من البشر؟ قليلٌ. تقول مئتي مليون؟ حسنًا.

أيّ شيء مثله؟ أيّ قصيدة حفظها مئتا مليون؟ لا يوجد. أيّ نص أدبي حفظه مئتا مليون؟ لا يوجد. أيّ رواية حفظها مئتا مليون؟ لا يوجد.

حسنًا، أيّ كتاب مقدّس حفظه مئتا مليون؟ هل حفظ الفيدا مثلًا مئتا مليون؟ لا يوجد. الله! شريد وحيد هكذا، لا يوجد إلا هو.

حفظ القرآن بالعربية حتى لغير الناطقين بها دليل على تفرّده كنبي مقيم

قال [أحد الحاضرين]: هو هذا فقط. قال [المتحدث]: طيب، أنت تركي؟ قال: نعم. قلت له: هل حفظت القرآن باللغة التركية؟ قال: لا، ولم أفكّر أبدًا أن أحفظه باللغة التركية. أنا ترجمت معانيه إلى التركية، لكنني لا أتذكّر ما ترجمته. أنا أحفظه بماذا؟ باللغة العربية.

الله! إذن هل أصبح عمى قلب؟ هذا حالته فريدة وحيدة شريدة لا مثيل لها في التاريخ. لماذا؟ لأنه نبي مقيم [أي القرآن الكريم].

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.