سورة المائدة | حـ 872 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ 872 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • القرآن الكريم هو النبي المقيم بين ظهرانينا بعد ختم النبوة، استمراراً لقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾.
  • تجري في القرآن المعجزات في كل عصر بأوجه متعددة كالإعجاز العلمي والبياني والتشريعي والعددي.
  • آمن الصحابة بالنبي محمد ﷺ بطرق متنوعة: أبو بكر آمن لمعرفته بصدق النبي، وسلمان بحث عن علامات النبوة المذكورة في الكتب السابقة.
  • القرآن لا تنتهي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد، وكلما قرأه المؤمن كأنه يقرؤه لأول مرة.
  • استخدم القرآن حوالي 2.5% فقط من مفردات اللغة العربية، ومع ذلك أتى بهذا الإعجاز العظيم.
  • يحتوي القرآن على أربعمائة ألف وستمائة وعشر كلمات لم تتكرر، بينما اعتُبر تولستوي من كبار الأدباء لأربع كلمات فقط لم تتكرر في روايته.
  • هذا يثبت أن القرآن ليس من تأليف محمد ﷺ بل هو كلام الله تعالى.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

اكتمال الدين وختم النبوة واقتضاء وجود نبي دائم في الأمة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة نرى قوله تعالى:

﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]

واقتضى ذلك [اكتمال الدين] ختم النبوة حتى تتوحد الأمة، فاقتضى ذلك أن يُقيم نبيٌّ دائمٌ في أوساطنا، فكان القرآن هو النبي المقيم.

القرآن نبي مقيم تجري فيه المعجزات في كل عصر وزمان

من صفات النبي أنه تجري على يده المعجزات، ومن صفات القرآن أنه تجري فيه المعجزات في كل عصر. في كل عصرٍ يظهر وجه إعجاز جديد لم يكن من قبل، تجري المعجزات.

يقول لك: الإعجاز العلمي، الإعجاز البياني، الإعجاز التشريعي، الإعجاز العددي، الإعجاز وما إلى ذلك. كل حينٍ يكتشف فيه المكتشفون ما يُهدئ بالَهم ويُصلح حالَهم ويُثبِّت إيمانَهم، حتى لو لم يرَ هذا الآخرون.

إيمان أبي بكر الصديق بالنبي بسبب معرفته السابقة بصدقه وأمانته

لو ذهبنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لوجدنا أن بعضهم قد آمن به لعشرته السابقة. أبو بكر [الصديق رضي الله عنه] آمن بالنبي لأنه يعرف صديقه أنه أمين، أنه صادق، أنه لا يريد الدنيا ولا يريد الدعوة بغير حق، رجلٌ محترم، فآمن به.

إيمان سلمان الفارسي بالنبي بعد رحلة بحث طويلة عن صفات النبي المنتظر

سلمان [الفارسي رضي الله عنه] آمن من قضية ثانية؛ سلمان له رحلة في البحث عن الحقيقة وفي التفتيش في الكتب ومعرفة صفات النبي المنتظر الماسية المحترم صلى الله عليه وسلم.

ولما جاءه بحث عن تلك الصفات، فجعله بشيءٍ في البداية وقال: هذا التمر هدية، وجلس يراقب، أكلَ منه [النبي ﷺ]. فجاءه في اليوم الثاني وقال: هذا التمر صدقة، وجلس يراقب، فلم يأكل منه [لأن النبي ﷺ لا يأكل الصدقة].

تحقق سلمان الفارسي من خاتم النبوة بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم

وجلس [سلمان] يحوم حول النبي صلى الله عليه وسلم وهو مع أصحابه، وعرف النبي بذكائه وفطنته، بالوحي، وبالشفافية، وبأنه مكشوفٌ عنه صلى الله عليه وسلم أنه [سلمان] يبحث عن خاتم النبوة بين كتفيه، فوضع الرداء من على كتفيه حتى يرى الخاتمة.

وكان خاتم النبوة هو عبارة عن غُدّة بين كتفيه، تصغر حتى تصبح مثل النَّبِقة وتزداد حتى تصبح مثل البرتقالة الصغيرة وفيها شعرات. وهذا هو الوصف الذي هو مكتوب في الكتب الذي عرفه سلمان، فلما فعل النبي هذا ورآه [سلمان] انكبّ عليه وهو يُقبّله ويبكي. إيمانٌ آخر ليس هو إيمان أبي بكر.

تنوع أسباب إيمان الصحابة بالنبي بين من شعر بالنور ومن رأى المصلحة

وبعضهم آمن به لأنه رأى فيه شيئًا جديدًا، شعر أنه قد أخرجه من الظلمات إلى النور، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن الظلم إلى العدل، ومن الحيوانية إلى الإنسانية، ومن الكفر إلى الإيمان، فشُرح صدره لذلك.

ومنهم من آمن به لأنه رأى مصالح الدنيا والآخرة لا تكون إلا من جهته، وأن هذا الرجل أحمق، أحمقُ من كفر به، فآمن به؛ هو رؤيته هكذا. وبعضهم آمن به لأنه تحقق فيه القوة والجمع بين الدنيا والآخرة، أصنافٌ مختلفة.

القرآن النبي المقيم لا تنتهي عجائبه ولا يَخلَق من كثرة الرد

والنبي يُوصف، القرآن الكريم يُوصف [بأنه] النبي المقيم بأنه لا تنتهي عجائبه، عجائبه يعني معجزاته.

جزءٌ آخر: ولا يَخلَق من كثرة الرد. ويقول [الإمام] عليٌّ [رضي الله عنه]: لم يترك لنا إلا هذا الكتاب وفهمًا يؤتيه الله سبحانه وتعالى لأحدنا.

فحينما تقرأ القرآن كأنك قرأته أول مرة، تقرأ هذه الآية وأنت لا تعرف أين سيأخذك الله بها، وهكذا لا يَخلَق من كثرة الرد ولا يصبح باليًا قديمًا تملّ منه.

من أسماء النبي الهادي ومن صفات القرآن أنه هدى للمتقين

النبي اسمه، من أسمائه الهادي؛ سيدنا محمد له أسماء كثيرة، ألّف فيها ابن دحية في [كتاب] أسماء النبي، منها الهادي.

والقرآن يقول ربنا سبحانه وتعالى في شأنه:

﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]

صِفَهٌ [مشتركة بين النبي ﷺ والقرآن الكريم].

خاصية القرآن العجيبة في استعمال نسبة ضئيلة من جذور اللغة العربية

ولذلك ففي هذا القرآن خاصية عجيبة غريبة، وهي من الخصائص أنه لم يستعمل أكثر من ثلاثة في المائة من اللغة. عندنا في اللغة [العربية] كم جِذر؟ ثمانون ألف جِذر: ضَرَبَ، أَكَلَ، شَرِبَ، نامَ... ثمانون ألف.

القرآن فيه كم جِذر؟ ألفٌ وثمانمائة وعشرون جذرًا. تقسم ألفًا وثمانمائة على ثمانين، أي واحد وثمانية من عشرة على ثمانين، يُعطي اثنين ونصف في المائة.

إذن أين ذهبت السبعة وتسعون ونصف في المائة التي لم ينطق بها القرآن؟ اثنان ونصف في المئة جاء بهذا الإعجاز كله!

إعجاز القرآن في عدم تكرار الكلمات مقارنة بأعظم الأعمال الأدبية البشرية

لا بل هناك إعجاز أكثر من ذلك: إذا كتب كاتبٌ كلامًا لنفسه مؤلَّفًا، كائنًا ما كان المؤلف، فإنه يكرر الكلام في شيء اسمه لوازم الكلام؛ هذا من شأن البشر.

تولستوي عمل كتابًا اسمه «الحرب والسلام». أحكي لكم عن الحرب والسلام: هذه رواية اسمها هكذا «الحرب والسلام»، مترجمة إلى العربية، وتولستوي هذا أديب روسي. أربع كلمات فيها لم تتكرر، اعتبروه من كبار الأدباء لأن في أربع كلمات في «الحرب والسلام» لم تتكرر.

القرآن فيه كم كلمة لم تتكرر؟ يمكن مثلًا أربعين؟ فيصبح إذن لا يوجد فارق؟ أربعمائة ألف وستمائة وعشر كلمات لم تتكرر يومًا!

أمثلة على الكلمات التي لم تتكرر في القرآن الكريم ودلالتها على مصدره الإلهي

تُبيِّضُ وجوهًا وتُسوِّدُ وجوهًا، أو تُبيِّضُ مرة واحدة في القرآن وتُسوِّدُ مرة واحدة في القرآن.

﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: 51]

قَسْوَرَة مرة واحدة في القرآن.

﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰٓ﴾ [النجم: 22]

ضِيزَى مرة واحدة في القرآن. ما هذا! هذا الكتاب ليس من عند محمد ولا يعرف محمدٌ أن يكتبه صلى الله على سيدنا وسلم تسليمًا كثيرًا، لا يعرف كتابته، لا يعرف تأليفه.

المقارنة النهائية بين القرآن وأعمال البشر الأدبية والختام بالوعد بالحلقة القادمة

لماذا [لا يعرف محمد ﷺ تأليف مثل هذا الكتاب]؟ لأنه هذا ما نخبرك به: الرجل الذي هو الأديب الكبير الذي حصل على جوائز [تولستوي] ألّف أربعة آلاف كلمة [لم تتكرر]، وهذا [القرآن] ألفٌ وستمائة [ألف كلمة لم تتكرر]، لا يصلح [أن يكون من صنع بشر].

في الحلقة القادمة سأحدثكم عن «الحرب والسلام»، فإلى لقاءٍ آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.