سورة المائدة | حـ 873 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

سورة المائدة | حـ 873 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله وفي سورة المائدة ومع قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾. وعدنا في حلقة سابقة أن نتكلم عن كتاب لتولستوي اسمه "الحرب والسلام"، هناك ما يُسمى بالكتب العظمى، والكتب العظمى التي بُنيت عليها الحضارات أصدرتها جهة تختص بدائرة المعارف البريطانية. عدد
هذه الكتب فاق خمسمائة وستين كتاباً. قالوا إن هذه الكتب هي التي بنت الحضارة، فإذا قرأتها كلها تكون قد عرفت سر هذه الحضارة ومن أين جاءت. وقالوا حسناً، وهذه الحضارة مبنية... على كم فكرة يعني، فجلسوا يجمعون الأفكار التي بُنيت عليها الحضارة، فوجدوها مائة واثنتين فكرة. مائة واثنتان فكرة. قالوا: طيب، نحن عندنا خمسمائة كتاب وبعض الكتب المهمة، وفيها مائة واثنتان فكرة. الكتاب الأول هذا فيه كم فكرة من المائة واثنتين؟ قال: فيه عشرة. طيب، الكتاب الثاني قال... فيه عشرين طيب والكتاب الثالث
قال في خمسة عشر وهكذا أقاموا جدلاً. قالوا طيب، ورواية "الحرب والسلام" لتولستوي، كم فكرة فيها؟ قال: فيها ستة وتسعون فكرة. هذه الرواية تحتوي على ستة وتسعين من كم؟ من مائة واثنين. يا الله! هذا يعني أن من يقرأ "الحرب والسلام" سيصبح شخصاً مختلفاً. مائة واثنين. الرجل الذي فعل ذلك مات، وجاء بعده مساعده وأصدر طبعة جديدة لهذه المجموعة المعروفة بالكتب العظيمة، حذف منها ثلثين، أي بعضاً منها، وأضاف إليها بعضاً آخر، ونظم الأمر هكذا قليلاً. وبعد ذلك عندما تقدم
به العمر كتب مقالة وقال: أنا مخطئ خطأً كبيراً جداً أنني لم أضع القرآن في هذه الكتب إذا كان فيه مائة واثنتان فكرة، فقد انتهى كلامه وندمه، انتهى الكلام. أنا أقول لك: إذا كانت هناك مائة واثنتان فكرة بُنيت عليها الحضارة وكُتبت عليها الكتب العظيمة، ويوجد منها ستة وتسعون في كتاب "الحرب والسلام"، فإننا نملك في هذا القرآن أفكاراً ذات نسق مفتوح. ليس مائة واثنين، ربما مائة واثنين ألف ذات نسق مفتوح يفتح الله به على من يشاء من عباده. هذا الكلام ما فائدته؟ هم مستغربون
من مدى تعلقكم بالقرآن، أي أنكم متمسكون به جداً ومتعلقون به، لأنهم يقرأون ترجمات لمعانيه محرفة فيها تحريف وتخريف، لكن لو أنهم قرأوه من... غير أن يلعبوا معه بل طالبين له الهداية لعرفوا لماذا يتمكن هذا الكتاب من قلوب المسلمين ولا يسمعون قول قائل ولا يستجيبون لمكر ماكر مستغربين لماذا تفعلون هكذا؟ لماذا لا تتركونه؟ لماذا لا تغيرونه؟ ماذا نغير؟ لقد غيرنا جميعنا. حسناً، وماذا نفعل؟ حسناً، أنا لا أعرف البديل، ولو غيرت سأفسد كل شيء وعلى فكرة لا يهمني، ألست رجل دين، ألست مفتي الدار، لم لا تغير
شيئاً، أما أخذت بالك؟ أما أنا لو غيرت فأضفت حرفاً أو أنقصت حرفاً سيرد علي الأطفال الصغار هكذا. هل أنت منتبه؟ هكذا هم لا ينتبهون أن هذا الكتاب محفوظ، لا ينتبهون أنه في الصدور وأنه لا. يبلّه الماء، إنهم ليسوا منتبهين. ماذا سنفعل؟ كيف سنفهم؟ لا، هذا كتاب فريد ومعجز وهادي ومحفوظ، وفيه كل ما يخص النبي المقيم. هذا النبي المقيم، هل تعرض لجهالة الجاهلين أم لا؟ نعم تعرض وما زال يتعرض، والقرآن تعرض وما زال
يتعرض. حسناً، مع هذا الهجوم والتعرض والمحاولات الخائبة، ماذا يقول فسيكفيكهم الله إنا كفيناك المستهزئين لا تذهب نفسك عليهم حسرات ما على الرسول إلا البلاغ ما أنت عليهم بمسيطر إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء. الله يتحدث عن القرآن، هذا القرآن فيه كل هذه الصفات، هذه الصفات كلها موجودة في القرآن، من الممكن أن تجد شخصاً يحفظ القرآن، وهو ليس على هذا القدر في دينه، من الممكن أن يهاجموا القرآن
ويحرّفوه. مرةً حرّفوه في طبعة في إحدى الدول الأفريقية، وبدّلوا "لُعِنوا بما قالوا" وجعلوها "آمنوا بما قالوا". أزالوا الكأس الخاصة باللام، فأصبحت بدلاً من "لُعِنوا" صارت "آمنوا". هم لم يفعلوا شيئاً معقداً، فقط أحضر موسى وكشط هل أحد التفت أو أحد عرف هذه القصة؟ لماذا لا تعرفونها؟ محفوظ بحفظ الله، "إنا كفيناك المستهزئين". شخص ظهر وقال: "حسناً، أنتم تتحدونني؟ أنا أستطيع أن أفعل لكم مثل هذا". هذه حكمة. قلنا له: ليس أنت فقط من قال هكذا، فهناك سبع محاولات عبر التاريخ حدثت وفي...
النهاية... ماذا حدث؟ حسناً، أحضروا أي واحد من طلبة العلم الجالسين إذا كان مستوعباً أو يتذكر شيئاً عن السبعة، فلكم الحق في الكلام. من هم هؤلاء السبعة الذين حاولوا تقليد القرآن؟ لو أجرينا هذا السؤال في مسابقة، لن يجيب أحد. هل أنت منتبه؟ أين هؤلاء السبعة؟ مسيلمة الكذاب حاول... فحاول. في سطرين أو ثلاثة أنه يحاول تقليد القرآن فأصبحت محاولته نكتة سخيفة. "إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر" كلام له معنى، ثلاث آيات صغيرة وفيها من الإعجاز
ما فيها. "إنا أعطيناك الكوثر"، كان مشايخنا يقولون أهل الكوثر الآن (آل بيت النبي) يزيدون عن أربعين مليون شخص وهو كان شخصا واحدا فقط فقط جاءت من نسل الحسن والحسين فقط وكانوا سيموتون وماتوا، هذا إعجاز إن شانئك هو الأبتر، فنحن لا نعرف من هو، لكننا نعرف سيدنا محمد، والاسم موجود في كل العالم. وبالفعل، كلمة "الأبتر" إذا ذهبت إلى التفسير فيها تسعة أقوال. "فصل لربك وانحر"، انظر إلى ما في الوسط: العبادة القاصرة هي الصلاة، العبادة المتعدية النحر. انظر هنا، عندما تجلس لتفسر فيها وتتعمق فيها، يقوم الآخر الخائب ويقول: "أنا أعطيناك التفاح فصلِّ لربك وارتاح،
أنا شانئك هو العجل النطاح". حسناً، أنت الآن، ماذا استفدنا من هذا؟ لا شيء. لم نستفد شيئاً إطلاقاً. محاولات، لقد حاول ابن المقفع، وحاول أبو العلاء المعري، وحاول الكندي. سجاح حاولت هذا الرجل الثاني الذي إلى أن حاول ذلك بيرم التونسي عمل له خمس أشياء يسخر فيها من القرآن حال أزمته النفسية التي كان فيها، ثم تاب إلى الله وحسن إسلامه وحج. وعندما حج عمل رائعة "ناداني لبيته" لحد باب بيته، وعندما تقرأ القصيدة يبكي فيها بكاءً حاراً. ويقول: "لا أجعل"، هو كان يقول: "لا أجعل في
حِلٍّ من يروي عنا هذه السفاهات". لكن للأسف عندما طبعوا الأعمال الكاملة له وضعوها فيه، وهو تاب وأناب وحَسُنَ إسلامُه. محاولات، أين هي؟ باءت بالفشل والذهاب. ولما قالوا لأبي العلاء: "ما لنا لا نرى في الفصول والغايات ما في القرآن إن عليه لطلاوة من قال: اقرأوه في المحاريب أربعمائة سنة حتى تكون له حلاوة وطلاوة. حسناً، ألم يكن منذ البداية عليه حلاوة وطلاوة؟ لكن القرآن من البداية له حلاوة وعليه طلاوة، لم ينتظر أربعمائة سنة. ولذلك هذا النبي المقيم، يُسيء إليه المسيئون، ويعتدي عليه المعتدون، ثم يخرج طاهراً نقياً، يسير في طريق الهداية إلى الله سبحانه وتعالى. فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.