سورة المائدة | حـ 873 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ 873 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • تحدث المتحدث عن "الكتب العظمى" التي بنيت عليها الحضارة والتي بلغت خمسمائة وستين كتاباً، واحتوت على مائة واثنتين فكرة.
  • أشار إلى أن رواية "الحرب والسلام" لتولستوي تضمنت ستة وتسعين فكرة من أصل مائة واثنتين.
  • ندم المشرف على مجموعة الكتب العظمى لعدم إدراج القرآن ضمنها.
  • أكد أن القرآن يحتوي على أفكار ذات نسق مفتوح تفوق المائة واثنين ألف فكرة.
  • بين أن غير المسلمين يستغربون تعلق المسلمين بالقرآن لأنهم يقرؤون ترجمات محرفة لمعانيه.
  • أوضح أن القرآن محفوظ في الصدور لا يمكن تحريفه، وأن محاولات تقليده باءت بالفشل.
  • استعرض سبع محاولات عبر التاريخ لتقليد القرآن، منها محاولات مسيلمة الكذاب وابن المقفع وأبي العلاء المعري.
  • ختم بأن القرآن رغم الهجمات عليه يبقى طاهراً نقياً هادياً للناس.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

افتتاح الحلقة مع آية إكمال الدين والحديث عن كتاب الحرب والسلام

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، ومع قوله تعالى:

﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]

وعدنا في حلقة سابقة أن نتكلم عن كتاب لتولستوي اسمه الحرب والسلام.

الكتب العظمى التي بُنيت عليها الحضارات ومائة واثنتان فكرة

هناك ما يُسمى بالكتب العظمى، والكتب العظمى التي بُنيت عليها الحضارات أصدرتها جهة تختص بـدائرة المعارف البريطانية. عدد هذه الكتب فاق خمسمائة وستين كتابًا، قالوا إن هذه الكتب هي التي بنت الحضارة؛ فإذا قرأتها كلها تكون قد عرفت سر هذه الحضارة ومن أين جاءت.

وقالوا: حسنًا، وهذه الحضارة مبنية على كم فكرة يعني؟ فجلسوا يجمعون الأفكار التي بُنيت عليها الحضارة، فوجدوها مائة واثنتين فكرة. مائة واثنتان فكرة.

رواية الحرب والسلام تحتوي على ستة وتسعين فكرة من مائة واثنتين

قالوا: طيب، نحن عندنا خمسمائة كتاب وبعض الكتب المهمة، وفيها مائة واثنتان فكرة. الكتاب الأول هذا فيه كم فكرة من المائة واثنتين؟ قال: فيه عشرة. طيب، الكتاب الثاني قال فيه عشرين. طيب، والكتاب الثالث قال فيه خمسة عشر. وهكذا أقاموا جدلًا.

قالوا: طيب، ورواية الحرب والسلام لتولستوي، كم فكرة فيها؟ قال: فيها ستة وتسعون فكرة. هذه الرواية تحتوي على ستة وتسعين من كم؟ من مائة واثنين. يا الله! هذا يعني أن من يقرأ الحرب والسلام سيصبح شخصًا مختلفًا.

اعتراف مُحرر الكتب العظمى بخطئه في عدم إدراج القرآن الكريم

الرجل الذي فعل ذلك [أي جمع الكتب العظمى] مات، وجاء بعده مساعده وأصدر طبعة جديدة لهذه المجموعة المعروفة بـالكتب العظيمة، حذف منها ثلثين، أي بعضًا منها، وأضاف إليها بعضًا آخر، ونظم الأمر هكذا قليلًا.

وبعد ذلك عندما تقدم به العمر كتب مقالة وقال: أنا مخطئ خطأً كبيرًا جدًا أنني لم أضع القرآن في هذه الكتب. إذا كان فيه [القرآن] مائة واثنتان فكرة، فقد انتهى كلامه وندمه، انتهى الكلام.

القرآن الكريم يحتوي على أفكار ذات نسق مفتوح لا حدود لها

أنا أقول لك: إذا كانت هناك مائة واثنتان فكرة بُنيت عليها الحضارة وكُتبت عليها الكتب العظيمة، ويوجد منها ستة وتسعون في كتاب الحرب والسلام، فإننا نملك في هذا القرآن أفكارًا ذات نسق مفتوح.

ليس مائة واثنين، ربما مائة واثنين ألف، ذات نسق مفتوح يفتح الله به على من يشاء من عباده.

هذا الكلام ما فائدته؟ هم [الغربيون] مستغربون من مدى تعلقكم بالقرآن، أي أنكم متمسكون به جدًا ومتعلقون به؛ لأنهم يقرأون ترجمات لمعانيه محرفة فيها تحريف وتخريف.

لو قرأ الغربيون القرآن بصدق لعرفوا سر تمسك المسلمين به

لكن لو أنهم قرأوه من غير أن يلعبوا معه، بل طالبين له الهداية، لعرفوا لماذا يتمكن هذا الكتاب من قلوب المسلمين، ولا يسمعون قول قائل ولا يستجيبون لمكر ماكر.

مستغربين: لماذا تفعلون هكذا؟ لماذا لا تتركونه؟ لماذا لا تغيرونه؟ ماذا نغير؟ لقد غيرنا [أي غيّر غيرنا من الأمم كتبهم] جميعنا. حسنًا، وماذا نفعل؟ حسنًا، أنا لا أعرف البديل، ولو غيرت سأفسد كل شيء.

وعلى فكرة لا يهمني، ألست رجل دين، ألست مفتي الدار، لِمَ لا تغير شيئًا؟

القرآن محفوظ بحفظ الله لا يستطيع أحد تغيير حرف فيه

أما أنا لو غيرت فأضفت حرفًا أو أنقصت حرفًا سيرد عليّ الأطفال الصغار. هكذا، هل أنت منتبه؟

هكذا هم لا ينتبهون أن هذا الكتاب محفوظ، لا ينتبهون أنه في الصدور وأنه لا يبلّه الماء. إنهم ليسوا منتبهين.

ماذا سنفعل؟ كيف سنفهم؟ لا، هذا كتاب فريد ومعجز وهادٍ ومحفوظ، وفيه كل ما يخص النبي المقيم [أي القرآن الكريم الباقي بين الناس].

القرآن النبي المقيم تعرض لجهالة الجاهلين وكفاية الله لنبيه

هذا النبي المقيم [القرآن الكريم]، هل تعرض لجهالة الجاهلين أم لا؟ نعم تعرض وما زال يتعرض، والقرآن تعرض وما زال يتعرض.

حسنًا، مع هذا الهجوم والتعرض والمحاولات الخائبة، ماذا يقول [الله تعالى]؟

﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 137]

﴿إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ﴾ [الحجر: 95]

﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ﴾ [فاطر: 8]

﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]

﴿مَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الغاشية: 22]

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

صفات القرآن الكريم وإمكانية حفظه مع ضعف الالتزام ومحاولات التحريف

الله يتحدث عن القرآن، هذا القرآن فيه كل هذه الصفات، هذه الصفات كلها موجودة في القرآن.

من الممكن أن تجد شخصًا يحفظ القرآن، وهو ليس على هذا القدر في دينه. من الممكن أن يهاجموا القرآن ويحرّفوه؛ مرةً حرّفوه في طبعة في إحدى الدول الأفريقية، وبدّلوا:

﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: 64]

وجعلوها «آمنوا بما قالوا»، أزالوا الكأس الخاصة باللام [أي حرف اللام]، فأصبحت بدلًا من «لُعِنوا» صارت «آمنوا». هم لم يفعلوا شيئًا معقدًا، فقط أحضر موسى [أي شفرة] وكشط.

محاولات تحريف القرآن باءت بالفشل لأنه محفوظ بحفظ الله

هل أحد التفت أو أحد عرف هذه القصة؟ لماذا لا تعرفونها؟ محفوظ بحفظ الله.

﴿إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ﴾ [الحجر: 95]

شخص ظهر وقال: حسنًا، أنتم تتحدونني؟ أنا أستطيع أن أفعل لكم مثل هذا [أي مثل القرآن]. هذه حكمة [أي ادّعاء]. قلنا له: ليس أنت فقط من قال هكذا، فهناك سبع محاولات عبر التاريخ حدثت.

وفي النهاية ماذا حدث؟ حسنًا، أحضروا أي واحد من طلبة العلم الجالسين إذا كان مستوعبًا أو يتذكر شيئًا عن السبعة، فلكم الحق في الكلام.

السبع محاولات لتقليد القرآن ومسيلمة الكذاب أولها وأسخفها

من هم هؤلاء السبعة الذين حاولوا تقليد القرآن؟ لو أجرينا هذا السؤال في مسابقة، لن يجيب أحد. هل أنت منتبه؟ أين هؤلاء السبعة؟

مسيلمة الكذاب حاول، فحاول في سطرين أو ثلاثة أنه يحاول تقليد القرآن، فأصبحت محاولته نكتة سخيفة.

﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 1-3]

كلام له معنى، ثلاث آيات صغيرة وفيها من الإعجاز ما فيها.

إعجاز سورة الكوثر في الكوثر والأبتر والعبادة القاصرة والمتعدية

﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]

كان مشايخنا يقولون: أهل الكوثر الآن (آل بيت النبي ﷺ) يزيدون عن أربعين مليون شخص، وهو [النبي ﷺ] كان شخصًا واحدًا فقط، فقط جاءت من نسل الحسن والحسين فقط وكانوا سيموتون وماتوا. هذا إعجاز.

﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 3]

فنحن لا نعرف من هو [الشانئ]، لكننا نعرف سيدنا محمدًا ﷺ، والاسم موجود في كل العالم. وبالفعل، كلمة الأبتر إذا ذهبت إلى التفسير فيها تسعة أقوال.

﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]

انظر إلى ما في الوسط: العبادة القاصرة هي الصلاة، والعبادة المتعدية هي النحر. انظر هنا، عندما تجلس لتفسر فيها وتتعمق فيها.

محاولة مسيلمة السخيفة لتقليد سورة الكوثر وفشلها التام

يقوم الآخر الخائب [مسيلمة الكذاب] ويقول: «أنا أعطيناك التفاح، فصلِّ لربك وارتاح، أنا شانئك هو العجل النطاح».

حسنًا، أنت الآن، ماذا استفدنا من هذا؟ لا شيء، لم نستفد شيئًا إطلاقًا.

محاولات تقليد القرآن عبر التاريخ من ابن المقفع إلى بيرم التونسي

محاولات [تقليد القرآن عبر التاريخ]، لقد حاول ابن المقفع، وحاول أبو العلاء المعري، وحاول الكندي، وسجاح حاولت.

هذا الرجل الثاني الذي إلى أن حاول ذلك، بيرم التونسي عمل له خمس أشياء يسخر فيها من القرآن حال أزمته النفسية التي كان فيها، ثم تاب إلى الله وحسن إسلامه وحج.

وعندما حج عمل رائعة «ناداني لبيته لحد باب بيته»، وعندما تقرأ القصيدة يبكي فيها بكاءً حارًا ويقول: لا أجعل في حِلٍّ من يروي عنا هذه السفاهات. لكن للأسف عندما طبعوا الأعمال الكاملة له وضعوها فيه، وهو تاب وأناب وحَسُنَ إسلامه.

فشل جميع محاولات تقليد القرآن ورد أبي العلاء المعري على منتقديه

محاولات، أين هي؟ باءت بالفشل والذهاب.

ولما قالوا لـأبي العلاء [المعري]: ما لنا لا نرى في «الفصول والغايات» ما في القرآن [من أنّ] إن عليه لطلاوة؟ قال: اقرأوه في المحاريب أربعمائة سنة حتى تكون له حلاوة وطلاوة.

حسنًا، ألم يكن [القرآن] منذ البداية عليه حلاوة وطلاوة؟ لكن القرآن من البداية له حلاوة وعليه طلاوة، لم ينتظر أربعمائة سنة.

القرآن النبي المقيم يخرج طاهرًا نقيًا رغم كل الاعتداءات والختام

ولذلك هذا النبي المقيم [القرآن الكريم]، يُسيء إليه المسيئون، ويعتدي عليه المعتدون، ثم يخرج طاهرًا نقيًا، يسير في طريق الهداية إلى الله سبحانه وتعالى.

فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.