سورة المائدة | حـ 874 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

سورة المائدة | حـ 874 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى: " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [المائدة: ٣]، فالله سبحانه وتعالى قد سمّى ما أرسله للبشرية من دينِِ وهدايةِِ: سمّاه إسلاماً، ولذلك فالإسلام عند المسلمين هو دين كل الأنبياء والمرسلين، فكل
الأنبياء في طريق واحد؛ هو طريق التبليغ عن رب العالمين، وكلهم أعلن الإسلام؛ قال الله تعالى في شأن إبراهيم: "هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " [الحج: ٧٨]، فالإسلام دين الأنبياء، فكل الأنبياء أسلموا وجههم لله، فالإسلام معناه الإخلاص لرب العالمين، معناه الطاعة، فالرب رب والعبد عبد، الله يأمر والعبد يطيع، وهذا فيه إعلاء للإنسانية، وفيه تكريم
لبني آدم، ولذلك قال تعالى: " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ " [الإسراء: ٧٠]، فعندما يسجد ابن آدم لرب العالمين، مخلصاً له، خاضعاً لأوامره. طالباً منه الرحمة، فإنه يكون قد تحقق تماماً في إنسانيته. بعض المذاهب والأديان لا ترى هذا، فبعضهم يريد أن يقول إن الإنسان إنما هو سيد ذلك الكون، وسيد ذلك الكون في اعتقاد المسلمين هو الله سبحانه وتعالى، وبعضهم يرى أن الإنسان ما هو إلا جزء لا يتجزأ من الكون، فشأنه هو شأن البقرة والشجرة والحجر، وعند المسلمين
أن هذا الكون، وإن كان يسبح بحمد ربه، وإن كان يسجد لله رب العالمين، وإن كان: " قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " [فصلت: ١١]، إلا أنه قد سُخّر للإنسان، فسخر الله لنا ما في السماوات وما في الأرض، وذلك من تمام الإكرام لابن آدم، حتى إنه قد أشار لذلك باسجاد الملائكة إليه (سيدنا آدم)، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. قمة في الإنسانية أن تسجد لرب العالمين، قمة في الإنسانية أن تعتبر أن الوحي الصحيح من عند رب العالمين لعباده المرسلين عبر القرون إنما هو جزء من إيمانك، فأنت لست في عداء مع أحد من البشر، لست
في عداء مع أحد من الأديان، كل دينٍ يحملُ مشكلةً في نفسهِ مع الذي بعدَه، إلا الإسلامَ، فإنَّه يؤمنُ بكلِّ الأنبياءِ والمرسلينَ؛ ليسَ هناك مشكلةٌ عندي، ولا تؤرقني، أنْ أقولَ بملءِ فمي، ومن كلِّ قلبي: سيدُنا عيسى، سيدتُنا مريمُ، سيدُنا موسى. أقولُها، بل إنني إذا لم أقلْها فإنني أتشككُ في إسلامي، فإنَّ اسمَ المسلم الذي ينكر مثلاً نبوة سيدنا عيسى، أو ينكر عظمة شأنه، أو ينكر على العذراء عليها السلام حالها عند الله، من كونها قد اصطفاها الله سبحانه وتعالى وجعلها سيدة نساء العالمين،
أو ينكر أن سيدنا موسى إنما هو كليم رب العالمين، فإن ذلك الشخص يخرج من الإسلام. قد يكون عند بعض الأديان مشكلات، فإنهم يكذبون محمداً صلى الله عليه وسلم، والذي بيننا وبين العالمين هو ذلك النبي الكريم، والذي بين أهل السُنَّة والجماعة وسائر الفرق والمذاهب هو النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم. فنحن نؤمن أنه رسول من رب العالمين، وأنه قد تنزل عليه الروح الأمين، وأنه سيد الخلق أجمعين، وأنه قد حَافظَ اللهُ سبحانه وتعالى على قبرَهِ الشريف، وأنه قد أحياه
فيه، يردَّ الله عليه روحَه، حتى يرد على الناس السلام، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم بخلاف سائر الأنبياء، قد عُلِمَ قبرُه وظهر، وأنه قد حُفِظَ من عند الله، فلم يعبده أحدٌ أبداً من المسلمين، بالرغم من أن عبادة البشر ليست بعيدة عن ضُلَّالِهم، ولا عن مَن كَفَرَ بدينهم، فهناك من عَبَدَ عليَّ بن أبي طالب من السبئية، وهناك من عَبَدَ الحاكم بأمر الله الفاطمي، وهناك من عَبَدَ البهاء، وهناك من عَبَدَ هذا أو ذاك، ولكن أحداً لم يعبد محمداً أبداً، صلى الله عليه وسلم، وكان
أجدر بضُلَّالِ أولئك الكفار، الذين خرجوا عن مِلَّةَ المسلمين، وأنكروا المعلوم من الدين بالضرورة، إذا ما أرادوا أن يضلوا أن يعبدوا محمداً صلى الله عليه وسلم، لكن الله سبحانه وتعالى قد حفظه، وحفظ أبناءه، وحفظ كتابه، وحفظ قِبلَتَهُ، حفظه صلى الله عليه وسلم، ورضي لنا الإسلام ديناً، فالحمد لله الذي جعلنا من أتباع من أيَّدَهُ ربه بالمعونة، فإن هذا ليس بيد أحدٍِ: لا بِيَّدِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا بِيَّدِ أهله الكرام، ولا بيَّدِ أُمَتِهِ، من لدن صحابته إلى أتباعه،
بإحسان إلى يوم الدين. كذلك فإنه ما كان لأحد مِنَّا، في أفرادنا ولا جماعاتنا، أن يمسك بقلوب الخلق أجمعين، فيحرر العبادة لله رب العالمين، دون الوقوع في الشِركِ به بعبادة النبي المصطفى، صلى الله عليه وسلم. ولما يضرب الله لنا الأمثال؛ فيجعل بعض الناس يعبدون علياً، وقد بادوا، أو يعبدون الحاكم بأمر الله، ومن هو الحاكم بأمر الله حتى يُعبد، أو يعبدون بهاء الله، ومن هذا حتى يُعبد، وكل أولئك من عباءة الإسلام قد خرجوا، فيضرب الله لنا المثل بهم على أنه كان من الممكن أن يحدث، فلما لم يحدث، دَلَّ ذلك على التأييد، والتأييد
أتى من استجابة الله للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي دعا وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد". "وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" ‎[المائدة: ٣]؛ فمن المُحَرَّم سجدنا إلى الكعبة وأمامها، كما سجدت الملائكة لآدم واتجاهه، ولكننا لم نعبد الكعبة، ولم يقل أحد من المسلمين أبداً، ولم يقع في هذه الورطة الوثنية أن عَبَدَ الكعبة أو عَبَدَ الحجر الأسود الأسعد الذي هو يمين الله في أرضه، والذي تقبيله يدل على مغفرة الله، لما أنه محل نظر الله سبحانه وتعالى. وبالرغم من ذلك وهذا التقديس، إلا أن المسلمين حماهم الله سبحانه وتعالى من كل
طرف من الوثنية يكون، فالحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينًا، والحمد لله الذي جعلنا مسلمين. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.