سورة المائدة | حـ 875 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •تشير الآية "فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم" إلى قاعدة عامة في الشريعة الإسلامية تدل على يسرها ومرونتها.
- •كلمة "من" في الآية تفيد العموم، فتشمل جميع الناس بمختلف فئاتهم وأحوالهم.
- •يسر الشريعة يجعلها صالحة لكل زمان ومكان، وهذا يتسق مع ختم النبوة وكون الإسلام هو الدين الخاتم.
- •الاضطرار في الشريعة هو ما إذا لم يتناوله الإنسان هلك أو قارب على الهلاك.
- •تناول المحرمات حال الاضطرار مشروط بعدة شروط: الإخلاص في النية، وتقدير الضرورة بقدرها، وعدم التوسع.
- •من يقع في الاضطرار ويتناول المحرم لا يُحاسب عليه بشرط توافر النية الصادقة والخوف من الله وحبه.
- •التجانف للإثم يعني الميل إليه والسرور به، أما غير المتجانف فهو من لا يريد الظلم ولا يقصده.
- •المحرمات كالميتة والدم ولحم الخنزير حُرمت لمصلحة الإنسان، لكن الضرورات تبيح المحظورات بشروطها.
مقدمة تفسير آية الاضطرار في سورة المائدة وعموم حكمها
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 3]
فـ "مَن" في لغة العرب للعموم، أي أيُّ شخصٍ كان؛ فدخل فيها القوي ودخل فيها بالتالي الضعيف، ودخل فيها الصحيح ودخل فيها المريض، ودخل فيها الرجال، ودخلت فيها النساء، ودخل فيها الكبار، ودخل فيها الصغار، ودخل فيها الحكام، ودخل فيها المحكومون.
فأصبحت قاعدةً عامة من قواعد الشريعة، دالةً على يُسر هذه الشريعة.
يسر الشريعة ومرونتها وصلاحيتها لكل زمان ومكان وعلاقتها بختم النبوة
ويُسر الشريعة يؤدي إلى مرونتها عبر القرون، ويُسر الشريعة يجعلها صالحةً لكل زمانٍ ومكان وفي كل حالٍ لجميع الناس. وهذا يتسق مع الإيمان بختم النبوة وأن الدين الخاتم هو دين الإسلام:
﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]
فمن اضطر في مخمصة، يعني لأن الإسلام هو الذي ارتضاه الله في صيغته المحمدية الخاتمية التي جعلها الله سبحانه وتعالى ختامًا للرسل وختامًا للنبوة وختامًا للوحي وختامًا للتشريع؛ فلا بد من قاعدة تجعل هذه الشريعة مرنة.
﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 3]
فـ "مَن" للعموم والقاعدة عامة.
شرح صرفي لكلمة اضطر وتحول تاء الافتعال إلى طاء بعد حروف الإطباق
"اضطُرَّ" وزنها افتُعِل من باب الافتعال. لمّا تقع تاء الافتعال بعد حروف الإطباق الأربعة: الضاد والصاد والطاء والظاء — هذه الحروف يسمونها حروف الإطباق؛ لأن لساننا يُطبِق على سقف الحلق: اض، اط، اظ، اش — هناك شدة هكذا، قوة إطباق.
تتحول التاء في اللغة العربية إلى طاء. التاء والطاء، كما أن هذه الشدة الخاصة بتلك التاء فيها شيء رقيق، والطاء فيها شيء قوي. فعندما جاءت التاء بعد شيء من الأربعة — أي الأربعة [حروف] الإطباق وهي الصاد والضاد والطاء والظاء — انقلبت إلى الشدة الخاصة بها وهي الطاء.
يعني كان أصل هذه الكلمة ماذا؟ اضتَرَّ، ولكن صعُب وأنت أصبح كل الفم يتجه في اتجاه النطق بالضاد.
بيان كيفية نطق الحروف المرققة وسبب قلب التاء طاءً في اضطر
وبعد ذلك تسحب منها فجأةً وتُحضِر التاء — تر — أنت لكي تنطق الحروف المرققة ماذا تفعل؟ تجعل فمك بجانب أذنك، تجعله بجانب أذنك هكذا مثل الابتسامة، تبتسم. فعندما تبتسم يخرج الحرف مرققًا.
ثم نريد أن نُخرج الميم برقة، ماذا نفعل؟ ثمّ، لكن تُنطق على الفور: اجعل فمك بجانب أذنك، اجعل فمك بجانب أذنك، فيخرج الحرف مرققًا وحده هكذا: ثمّ، على الفور.
طيب، والتاء لكي أنطقها فمي إلى الأمام وأعود للخلف، صعب وهو يتحرك هكذا للأمام نرجعه إلى الخلف مرة واحدة. والعرب نزيهها في كلامها فقال لك: لا، طالما [الفم] إلى الأمام دعها مع التي هي إلى الأمام أيضًا — الضاد — بدلًا من أن ترجع وتأتي بالتاء الضاد، دعها طاءً معها هكذا، واقلب التاء ماذا؟ طاءً: اضطَرَّ.
قاعدة بقاء تاء الافتعال إذا لم تأتِ بعد حروف الإطباق مع أمثلة
هذه الطاء إنها بجانب الضاد: اضطَرَّ. نعم، عندما تأتي لتزنها قم بتحويلها إلى التاء التي هي الأصلية فتقول: افتعل.
لا، طيب، افترض أن التاء هذه جاءت في غير الحروف الأربعة [حروف الإطباق]؛ لا، تظل التاء كما هي. فتقول: احتكر من الاحتكار، احتقر من الاحتقار. لماذا؟ لأن التاء جاءت بعد الحاء: احتكر واحتقر، أيضًا تبقى التاء كما هي: افتعل، اقتتل؛ فاء قاف وحاء، ما هي ليست من الأربعة [حروف الإطباق]، تفضل كما هي.
تعريف الاضطرار الشرعي وبيان أنه ما يهلك الإنسان بتركه أو يقارب الهلاك
حسنًا، "اضطُرَّ": ما معنى الاضطرار؟ عرَّفه العلماء بأنه: ما إذا لم يتناوله الإنسان هلك أو قارب على الهلاك. إما هلك — يعني سيموت — هذا "هلك" ماذا تعني؟ مات، أو قارب على الهلاك. هذا هو تعريف الاضطرار.
بعض الناس يفهمون الاضطرار مثلًا: خجلتُ، ويعتبرون هذا اضطرارًا، أو مثلًا ضُيِّق عليَّ قليلًا، ويعتبرون هذا اضطرارًا. هذا لا يصح؛ فالاضطرار هو ما إذا لم يتناوله الإنسان هلك.
معنى المقاربة على الهلاك وحكم تناول المحرم عند الاضطرار هل هو حلال أم حرام
حسنًا، فإذا هلك إذا انتهى الأمر، أو قارب على الهلاك، يعني لو قيل لك: ما لم يتناوله الإنسان هلك، فعليك أن تنتظر حتى تهلك ثم تتصرف، فتكون قد مُتَّ. ولكي يجعلها [التعريف] صحيحة يقول ماذا؟ أو قارب على الهلاك، أي اختنق تمامًا وها هو سيموت، فيأتي مباشرةً ويتناول هذا الشيء الممنوع.
حسنًا، هذا الشيء ممنوع وأنا وقعت في الاضطرار فبدأت أتناوله، فهل تناولي له حلالٌ أم حرام؟ هو أصلًا حرام، لكن الآن أصبح حلًّا [مباحًا]. يعني قال: لا، هو أيضًا حرام لكن لن تُحاسَب عليه، أنت لن تُحاسَب عليه.
شروط رفع المؤاخذة عن المضطر من إخلاص النية وتقدير الضرورة بقدرها
قال: لن تُحاسَب عليه عندما تكون نيتك صافية لله، عندما تكون ترتكب أخف الضررين به، عندما تكون قدَّرته بقدره؛ فـ الضرورة تُقدَّر بقدرها.
فتوافرت الشروط هذه فيك: واحدٌ عامِلُه وهو متضايقٌ وهو يعلم أن هذا حرامٌ أصلًا، لكن سيقترب منه بقدر الحاجة فقط.
إذن، إذا كان هناك إخلاصٌ للنية وبقدر الضرورة، فأنا لا أتوسع فيه ولا أجعله فرصةً أستغلها ولا أتخذه حجة. كل ذلك من أين؟ من خوفك من الله؛ لا بد أن تكون خائفًا من ربنا. كل هذا أيضًا من أين؟ من حبك لله.
حكمة تحريم المحرمات وعفو الله عن المضطر غير المتجانف لإثم
فالله عندما حرَّم عليك الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِلَّ به لغير الله والمنخنقة والموقوذة والمتردية إلى آخر هذه المحرمات، إنما حرَّمها لمصلحتك. فأنت من حبك لله تبتعد عن هذا.
ماذا سيحدث إذن وأنت لا تريد الإثم ولست مسرورًا منه؟ وغير قاصدٍ له وغير فرحان به؟
﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 3]
فإن ربنا سيعفو عنك ويسامحك وكأنك فعلت شيئًا مباحًا؛ هو حرام لكن ربنا يعلم نيتك ومطلعٌ على ما في قلبك.
وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
