سورة المائدة | حـ 877 | 4 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

سورة المائدة | حـ 877 | 4 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى: "يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ" [المائدة: ٤]. وترى السؤال هنا، وهو أحد الأسئلة القليلة التي سألها الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، تميز بأنه سؤال عام. لا تفتيش فيه، يسألونك ماذا أُحِلَّ لهم، سوف يُجاب الصحابة
الكرام ويُحدد لهم ما الذي أُحِلَّ لهم، فينتهي الأمر عندما يسمعون، لا يشققون الأسئلة فيسألون على المستوى الثاني فالثالث فالرابع فالخامس، كما وقع في هذا بنو إسرائيل ونعى عليهم الله سبحانه وتعالى ذلك، وقال في شأنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو ذبحوا أيّ بقرة كانت لكفت، ولكنهم فتشوا، وكلما فتشوا كلما شُدد عليهم". إذن السؤال عام والسؤال في مستواه الأول من غير تفتيش ولا
بحث، يسألونك ماذا أُحِلَّ لهم؛ هو منهج موجه إلى المسلمين في كيفية السؤال، فعندما يريد أحدنا أن يتعلم الصلاة وكان يجهلها فيسأل كيف أصلي؟ فقلت له: إذا أردت أن تقوم إلى الصلاة، كما في الحديث، أو في حديث المسيء صلاته الذي علّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم كيفية الصلاة، إذا كبَّر، قُل: الله أكبر. يقول: هل أمدُّ بها صوتي "الله أكبر" أم لا أمدُّ
بها صوتي؟ هذا سؤال آخر فيه تكلُّف ويبدأ التفكير: الله أكبر، هل جاءت فيها واو ما بين لفظ الجلالة "الله" وبين "أكبر" أم لم تأتِ فيها واو؟ وهل هذه الضمة الخاصة بالهاء من لفظ الجلالة؟ كل شخص يسمعها حسب أذنه. ما سبب المد هنا؟ هل هذا المد يكون مد عارض للسكون أم يكون هناك سبب للمد أو... يكون هناك مثل الضالين الذي هو الكلمي المُثقَل. ما الذي في "الله أكبر" من دواعي المد؟ لا يوجد. طيب، وهل يجوز؟
طيب، لنتقدم واحدة تلو الأخرى. نقول: لا، يجوز. يقول لكم: لماذا يطيل المؤذنون؟ لماذا يقولون "الله أكبر الله أكبر"؟ لماذا؟ وندخل في مشكلة أخرى. يخرج أحدهم من هو أشد علما ويقول: ألا تنتبهون، هذا التجويد الذي فيه عدم المد عند عدم وجود ما يوجبه خاص بالقرآن الكريم. هذا معنى جديد، إنه خاص بالقرآن. هذا معنى جديد لكن ليس كل الناس تعرفه. إذن،
الأذان صحيح، نعم الأذان هكذا صحيح، والمد الخاص بلفظ الجلالة "الله" ثم أكبر بعد مد أربعة وعشرون حركة المد آخرنا كم؟ ست. هذا في القرآن، فهل يجوز أن للشيخ رفعت ما شاء الله يأتي بـ "حي على الصلاة"، وإن كانت يعني ستصبح عارضة للسكون اثنين وعشرين حركة، خمسة وعشرين حركة، هكذا، وكل المسلمين مسرورون ويحبون الشيخ رفعت يعني، وأصبح هناك اتصال بين صوت رفعت ورمضان يعني دائماً يكون رمضان ليس رمضان إذا لم نسمع الشيخ رفعت. انظر إلى التشققات، انظر إلى الحيرات، انظر إلى الاختلافات التي ستحدث إذا خرج من هدي الله. يسألونك
ماذا أُحل لهم، ولكن هكذا تكون الأسئلة. علمني الصلاة، تأتي وتقول الله أكبر، لا تسأل مرة أخرى، لا تسأل. في المد وتسأل في الكيفية، وبعد ذلك أيضاً تقول: حسناً، أين أضع يدي؟ أأرفعها هكذا أم هكذا أم هكذا أم هكذا أم هكذا؟ طيب، وبعد الفاتحة، هل أقرأ فيها البسملة أم لا أقرأ فيها البسملة؟ وهل آمين منها أم ليست منها؟ هل أقف عند "اهدنا الصراط المستقيم" صراط الذين أنعمت عليهم أم لا؟ لماذا هكذا؟ دعها سهلة. حسناً، لقد سمعت مرة شخصاً في المغرب يقول "ملكِ يوم الدين" وهذه "مالكِ يوم الدين"، وهكذا تفتيش وسهل. هي سهلة وجميلة جداً. وبعد ذلك أركع،
كيف أركع؟ وكم تسبيحة؟ وأين أضع يدي؟ وهل يكون ظهري مستقيماً هكذا أم منحنياً؟ أضع يدي على ركبتي. أم تحت ركبتي ولا فوق ركبتي، ولا، إذن هي تشقيقات لن تنتهي. فإذن، كان الهدي، لماذا يذكر الله تعالى هذا. "يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ" [المائدة: ٤]. علمنا أن السؤال عام، وأن السؤال في مستواه الأول، وأنه لا تشقيق فيه، وأنه عند الحاجة إليه. انظر إلى الأدب، وهكذا يكون منهاج السؤال. أما هذه الأسئلة التي تصل إلى المستوى العاشر من التشقيق، فكلما تعمقت في التشقيق كلما شُدد عليك، وفي
النهاية لا تفعله، لا تفعله. "يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ" [المائده: ٤]. ولم يقل ماذا أحلَّ الله لهم، قلنا قبل ذلك أن الفعل المبني للمجهول يؤذن في أحد أغراضه وفوائده الاتفاق والعلم التام بفاعله، فمن الذي يحكم ومن الذي يشرع؟ أن الحكم إلا لله، وحذف ما يُعلم جائز. أحل الله لنا، أحل لكم، أحل لهم، أحل
لنا. من الذي حلل ومن الذي حرم؟ هذا معروف وليس محل نزاع ولا خصام. ولذا اتفق المسلمون على أن الحاكم هو الله. "يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ" [المائدة: ٤]، كلمة "لهم" تدل على الجماعة، والجماعة في ضمنها أفرادها القاعدة هكذا: ماذا أحل لهم؟ يكون أحل لهم على سبيل الجماعة وأحل لهم على سبيل الأفراد. وتمسك بهذه القاعدة لتفهم مراد الله سبحانه وتعالى. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد
لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى موجهاً كلامه إلى نبيه: "يسألونك" يا من تنزل عليه القرآن -وهو السيد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم- ماذا أُحِلَّ لهم، وكلمة "أُحِلَّ لهم" تشمل المخاطبين أيام النبي صلى الله عليه وسلم والمخاطبين بالقرآن إلى يوم الدين، فكل... خطاب وجَّهه الله إلى الصحابة الكرام فهو موجَّه إلى الأمة من بعدهم
إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فالخطاب إذاً موجَّه للموجود ولمن هو بالقوة في الوجود، موجَّه أي للموجود الذي هو الموجود بالفعل الذي هو جيل الصحابة، ولمن هو بالقوة في الوجود، وهم الناس الذين لم يأتوا بعد أحفاد أحفاد أحفاد أحفاد الصحابة، ولم يُخلقوا بعد، سيُخلقون بعد مائة سنة ومائتي سنة، وبعد ألف سنة وألفي سنة، ويكون القرآن موجهاً إلينا، فنحن الآن موجودون. وماذا عن أولاد أحفاد أحفاد أحفاد
أحفادنا الذين لم يأتوا بعد ولن نراهم على العادة، لن نراهم، فهل هم في الوجود بالقوة من سيُخلقون بإذن الله أن يُخلقوا، فيكونون إذاً مخلوقين بالقوة حينئذٍ. وأنا لن أراهم. إذاً هناك من هو موجود وهناك من هو بالقوة في الوجود، والخطاب يشمل الجميع. بعض الناس يريد أن يجعل الخطاب للموجود دون أن يكون لمن هم بالقوة في الوجود. بعض الناس يريدون ذلك، وحينئذ ماذا يترتب على هذه المسألة؟ يترتب عليها أن
القرآن إنما كان لجيل الصحابة فقط. فتجد أحدهم نقول له: ألست مؤمناً بالله؟" فيقول: "لا، أستغفر الله، أنا مؤمن بالله، مؤمن بالله، لكنني متلاعب قليلاً. وألست مؤمن برسوله." قال: "أستغفر الله، أعوذ بالله، أنا مؤمن برسوله، وأن هذا النبي هذا من عند ربنا، قال: نعم، وماذا غير ذلك؟ من عند ربنا تماماً. قلنا له: طيب والقرآن؟ قال: لا، هو من عند ربنا أيضاً. قلنا له: هذا القرآن الذي من عند ربنا أيضاً، هل فيه تحريف؟ قال: لا، أعوذ بالله، لم يُحرَّف، هو هو، طيب، الحمد لله، إذن القرآن هو حاكمنا فقال: أما هذا، فلا، توقف هنا،
كان ذلك في أيام الصحابة، أما الآن فنقرؤه ونتعبد به ونأخذ به ثواباً، شيء من هذا القبيل، لكن كونه هذا شرع الله الحاكم إلى يوم الدين، فلا. لماذا؟ يقول: لا، لأنه "يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ" [المائدة: ٤]، ليس لنا بل لهم، ليس لنا. حسناً يا أستاذ، هذا الذي تقوله هو ضد كل القرآن، كل القرآن من أوله لآخره "ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ" [البقرة: ٢]، فالألف واللام للاستغراق، وأنا يا أخي من المتقين، فيكون هدىً
لي، إلا إذا كنت أنت لست من المتقين بل من الفاجرين. يقول: انظر أصبحتم تشتموننا الآن، لا. لم أشتمكم أو أي شيء. أنت تصف نفسك، هل أنت من المتقين أم لا؟ قال: نعم. قلت له: حسناً، إذاً القرآن هدى لك، هدى لك، 'وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" [الأنبياء:١٠٧‎]، صلى الله عليه وسلم. قال: نعم، "رحمة للعالمين"، رحمة منذ وجود الناس وحتى يوم الدين. حسناً، قال: ومن سبقنا؟ كيف أنه رحمة لهم؟ قلت له: إنه رحمة لهم لأنه سيأتي يوم القيامة فيتشفع في الخلق أجمعين، فيكون بذلك
رحمة للعالمين، أليس كذلك؟ انظروا إلى خطورة إنكار الشفاعة. انتبهوا جيداً، فعندما ننكر ما هو شائع ومتفق عليه، لا ندرك أننا ننكر شيئاً آخر معه، وأن لا ننتبه إليها عندما يأتي ليقول لك: لا توجد شفاعة، النبي ليس شفيعاً يا بني. ثم يقولون أخرجه البخاري، فيردون: لا، البخاري ليس صحيحاً. حسناً، ولكن ربنا يقول: إلا لمن ارتضى، والنبي ممن ارتضى. يجلس يتحدث معك بكلام غير مفهوم، لكن إنكار الشفاعة هذا سيؤدي إلى ماذا؟ إلى أن النبي ليس رحمة للعالمين وهو رحمة للعالمين، ولا هو كافة الناس وهو ربنا وصفه بأنه كافةً للناس. وهكذا. فكل هذا اللعب هو مجرد لعب، لكن عقيدة
أهل السنة والجماعة واضحة جلية صافية، صافية المشرب. ولذلك سموها ماذا؟ أصحاب المشرب الصافي. أتعرف الماء العذب الصافي والماء الذي فيه تراب؟ وهذا التراب يمكن أن يزيد حتى يصبح طيناً ووحلاً. نحن ما نقول في سيدنا محمد؟ نقول إنه نجح في تربية أصحابه. ثم تأتي فرقة من الفرق وتقول: لا، فشل. انظر ما الفرق بيننا وبينهم! نحن نقول إنه نجح وهم يقولون: لا، لقد فشل. ياولاد اللذينا [تهكم وتعجب]، نحن نقول إن الله قد أكرمه بزوجاته أمهات المؤمنين،
هم يقولون: لا، بل، فشل في اختيار زوجاته. ياولاد الإيه [تهكم]، ما هذا؟ نحن نقول: إن ربنا أكرمه فحفظ كتابه، هم يقولون: لا، إن الكتاب غير محفوظ. نحن نقول: إنه ترك سنة هي خير هديِ، في العالمين، هو يقول: لا، لم يترك. هذا الذي بيننا وبين العالمين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. نحن نقول: إن الله يرد عليه روحه في قبره فيرد السلام. الآخرين يقولون: لا، لقد مات وانتهى، إنه لا يسمع. نحن نقول: حياته خير لنا ومماته خير لنا،
هو يقول: لا، فالذي بيننا وبين كل الطوائف والفرق والأديان والمذاهب. هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذن، "يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ" [المائدة: ٤] موجهة إلى الموجود والذي هو بالقوة في الوجود. فاحفظ هذا واعلم أنك تحمل مذهب أهل السنة والجماعة، وهو مذهب المشرب الصافي الذي يعظم شأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.