سورة المائدة | حـ 882 | 5 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •تضمنت آية المائدة "اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم" علامة مهمة من علامات الدين الإسلامي.
- •ارتبطت قضية الطعام بإكمال الدين، وصارت علامة على هوية المسلم حتى في أحلك الظروف والأنظمة الشمولية.
- •ظل المسلمون محافظين على هويتهم بالامتناع عن الخمر والخنزير حتى مع بعدهم عن العلماء وجهلهم بأحكام الصلاة والصوم.
- •ميزت الأطعمة المحرمة الإسلام عن الديانات الأخرى، فالخنزير محرم عند اليهود والمسلمين، بينما الخمر محرم عند المسلمين فقط.
- •جاء الإسلام بنسق مفتوح يتجاوز الزمان والمكان، ويشمل العالمين إلى يوم الدين.
- •أتاحت الشريعة الإسلامية التعامل مع أهل الكتاب وحلت طعامهم، مما يعكس طبيعة الدعوة العالمية التي تقوم على حسن الجوار.
- •لا تمييز في الإسلام بين البشر على أساس اللون أو الجنس، فالكل في الإنسانية سواء.
افتتاح الدرس وتلاوة آية إحلال الطيبات من سورة المائدة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ [المائدة: 5]
ربنا سبحانه وتعالى أحلّ لنا الطيبات، وجعل هذا اليوم الذي أكمل فيه لنا الدين. وهذه الآيات من أواخر ما نزل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قضية الأكل والشرب علامة على هوية المسلمين عبر التاريخ
جعل [الله سبحانه وتعالى] من علامات هذا الدين قضية الأكل والشرب، وهي علامة إلى الآن. فعندما دخلت المذاهب الشيوعية في بلاد المسلمين، لم يميّز المسلمين عن غيرهم إلا الامتناع عن الخمر والخنزير.
وترى المسلم مسكينًا تحت الحكم الشيوعي، بعيدًا عن العلماء، تراه لا يُحسن الصلاة ولا يعرف الصوم، لكنه لا يأكل الخنزير ولا يشرب الخمر أبدًا.
فحتى أصبح هذا علامةً، وهو لا يعرف من الدين شيئًا، لكن هويته أنه لا يأكل الخنزير ولا يشرب الخمر.
حكمة تحريم الخمر والخنزير في حفظ هوية المسلمين تحت الأنظمة الملحدة
فهذه حكمة وعلامة تحافظ على المسلمين في أحلك الأوقات التي يمرون بها؛ نظام شمولي ملحد وقاسٍ يحكم بالحديد والنار، وتمر عليه عشرات السنين، وقد تمر مئات.
ويحافظ المسلمون على هويتهم بأسمائهم مثلًا، وبعبادتهم التي حُرموا منها؟ [لا، بل حافظوا عليها] بامتناعهم عن الخمر وعن الخنزير.
أهمية قضية الطعام وارتباطها بإكمال الدين في القرآن الكريم
إذن فقضية الطعام قضية مهمة جدًا، وهي علامة من علامات هوية الإنسان في دينه، قضية لا يُستهان بها ولا يُقلّل من شأنها وتكون كأي قضية أخرى.
لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى جعل هذه العلامة مرتبطة بإكمال الدين، فقال:
﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]
من آية [قبلها] بس فوق كده. وهنا يقول:
﴿ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ﴾ [المائدة: 5]
انظر أن كلمة "اليوم" هذه مهمة؛ لأنها هي التي تعطينا معنى أن هذا الذي أحلّ لنا صار علامةً علينا وعلى ديننا.
تفرّد المسلمين بتحريم الخمر والخنزير مقارنة باليهودية والمسيحية
وتحريم الخمر والخنزير والميتة انفرد به المسلمون على هذه الصفة. ففي الديانة اليهودية أُبيحت لهم الخمر، وفي الديانة المسيحية أباحوا الخمر والخنزير، في حين أن الخنزير حرام عند اليهود لا يأكلونه ولا يأكلون الميتة كالمسلمين.
وفي الديانة الإسلامية حُرّمت الخمر وحُرّم الخنزير. فالخنزير حرام عند اليهود والمسلمين، ولكن الخمر حرام عند المسلمين فقط.
هل انتبهت؟ فهذا يدل أيضًا على أنه علامة على هذا الدين.
الإسلام دين بنسق مفتوح يتجاوز الزمان والمكان ويشمل العالمين
﴿ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ﴾ [المائدة: 5]
هذا الدين جاء بنسق مفتوح، جاء يتجاوز الزمان والمكان، جاء ليبيّن أن الأمة الإسلامية ضاربة في جذور الزمان والتاريخ، من لدن آدم إلى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، وهي أمة تشمل كل الأرض.
ولذلك فأمة النبي [محمد ﷺ هي أمة] الأنبياء ومن اتبعهم، من لدن آدم إليه، وكل الأرض إلى يوم الدين. ولكن منهم أمة دعوة ومنهم أمة إجابة؛ فأمة الدعوة [هم] الستة مليار الذين موجودون الآن، كل هؤلاء من [ضمن] دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمة الإجابة ممن آمن به وصدّقه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
رسالة الإسلام العالمية ونبذ التمييز العنصري بين البشر
هكذا رَسم [النبي ﷺ] الحال بينك وبين العالمين:
قال رسول الله ﷺ: «بلّغوا عني ولو آية»
لا نحتقر أصحاب [أي لون]؛ أسود، أسمر، أحمر، أصفر، ولا يهم شكله. لا يوجد تمييز عنصري بين الرجال والنساء، الكل في الإنسانية سواء، الكل مكلّف أن يصلي ويصوم وهكذا.
الكل في معصية [آدم وحواء] سينالها الاثنان:
﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: 36]
نسق مفتوح يشمل العالمين إلى يوم الدين، ولذلك جاءت أحكامه على هذا الحد.
إباحة طعام أهل الكتاب والتعامل معهم كجزء من الدعوة العالمية
[عندما يفتح المسلمون] البلاد، دخلنا وصار لنا جار من أهل الكتاب.
ما علاقتي معه؟ كُل معه واشرب معه وتزوّج منه. الله [سبحانه وتعالى] لم يقل لي اعتزل؛ لأنه [لو قال] اعتزل لا تنفع مع الدعوة العالمية.
﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: 5]
دعوة عالمية يكون فيها جوار حسن. ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي في المدينة، أخرجه البخاري.
فإذن الأحكام [الشرعية] ستراعي أنك مصدر خير لكل من حولك في العالم. إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
