سورة المائدة | حـ 883 | 5 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ 883 | 5 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • تبين سورة المائدة كيفية اتصال الأحكام الشرعية بالعقيدة وبالرؤية الكلية للمسلم.
  • أمرنا الله أن نواجه العالم بقلب مفتوح ونتعايش مع الناس جميعاً، وعلمنا الرسول ذلك عملياً عندما دخل المدينة وكتب صحيفة مع اليهود.
  • التعايش مع الآخر يبدأ بقبول الاختلاف وتحمل الأذى والصبر وسعة الصدر.
  • شرع الله أحكاماً تؤكد التعايش مثل إباحة طعام أهل الكتاب وطعامنا لهم، وإباحة الزواج من المحصنات من أهل الكتاب.
  • انتشر الإسلام في مصر بطريقة سلمية دون إكراه من خلال آليات خمس: الزواج من غير المسلمات، التكاثر، زواج البنات من المسلمين فقط، تعدد الزوجات، نسبة الأطفال للإسلام.
  • بهذه الطرق السلمية أصبح المسلمون أغلبية في مصر دون إراقة دماء أو إكراه.
  • لم يعامل المسلمون الآخرين بالإبادة كما حدث للمسلمين في الأندلس أو للهنود الحمر أو غيرهم.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة في سورة المائدة واتصال الأحكام الشرعية بالعقيدة والرؤية الكلية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يبيّن لنا الله سبحانه وتعالى أحكامه في بعض جزئيات الحياة، ونبيّن كيف اتصلت هذه الأحكام بالعقيدة، بالرؤية الكلية، بكيف ينظر المسلم إلى العالم.

دعاء الهداية والأمر بالانفتاح على العالمين والتعايش مع الناس

ربنا جعلنا هداةً مهديين، وأمرنا أن نطلب منه هذا [الهداية] في كل يوم في الدعاء:

﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7]

ربنا أمرنا أن نواجه العالمين بقلب مفتوح، نتعايش مع الناس أجمعين. وهكذا علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتعايش وبيّن لنا كيف التعايش.

ولمّا دخل [النبي ﷺ] المدينة كتب صحيفة ذكر فيها المعاهدة بينه وبين اليهود، وأسّس لمفهوم المواطنة، وكيف يعيش الناس جميعًا في نسق واحد مع حفاظنا على عقيدتنا.

الدعوة إلى كلمة سواء مع الآخر وكيفية العيش في مجتمع منفتح

﴿قُلْ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 64]

فكيف أعيش في مجتمع وأنا منفتح؟ أول شيء: تقبّل الخلاف. جنبك [بجوارك] واحد ليس مؤمنًا بمحمد عليه الصلاة والسلام وأنا مؤمن به، فأول شيء أقبل أنه يسكن بجانبي، أقبل الخلاف.

قبول الخلاف يقتضي الصبر وسعة الصدر وتحمل الأذى من المخالف

وقبول الخلاف هذا يقتضي منك ماذا؟ الصبر، فصبرٌ جميل، سعة الصدر، تحمّل الأذى.

هو يقول محمد ليس نبيًا، حسنًا هذا رأيه، هذا يؤذيني. وأنا نقول سيدنا عيسى نبي وسيدنا موسى نبي.

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أهل الكتاب تشمل حتى الكتب المُدَّعاة؛ إذا لم نعرف لها أصلًا فأيضًا يشمل [حكمهم حكم] أهل الكتاب.

قال [النبي ﷺ]: «سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب» على المجوس

لأن زرادشت له كتاب، والهندوس لهم كتاب، ولذلك المسلمون تركوا الهندوس يعيشون لأنهم أهل كتاب الله.

أحكام الطعام والتزاور بين المسلمين وأهل الكتاب لتثبيت العقيدة

حسنًا، وماذا نفعل هنا إذن؟ فربنا أعطانا أحكامًا لكي نثبّت هذه العقيدة، حتى لا تكون مجرد عقيدة، بل تكون أيضًا تصرفات يومية تؤكد هذه العقيدة.

فقال تعالى:

﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: 5]

حسنًا، سآكل منه، ولكن ليس [فقط] سأدعوه عندي، لا، عندما يدعوني سأدعوه. الأخلاق الطيبة تؤدي [إلى ذلك]. هكذا قال [الله تعالى]:

﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ [المائدة: 5]

الله تعالى يؤكد شيئًا مهمًا.

إباحة التزاور والطعام المتبادل مع أهل الكتاب لحسن الجوار

طيب، أفرق [بين طعامي وطعامهم]؟ قال:

﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: 5]

خلاص، إذن نتزاور. لكنه يؤكد أن لا أحد يأتي ليتلاعب، ولا أحد يقول: لا، هذا يقول أنه سيدنا محمد ليس سيدنا، لا.

قال: وطعامكم حلال له، لأجل ماذا؟ لأجل التزاور وحسن الخلق وحسن الجوار.

إباحة زواج المسلم من الكتابيات وأثره في نشر الإسلام بالحب والمودة

﴿وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: 5]

إذن من الجائز أن أتزوج أيضًا من بناتهم. وعندما أتزوج من بناتهم، ألن ننجب؟ بلى سننجب، فيكونون أبناءنا الذين سترعاهم [أمهم] والتي تجلس معنا، والذين سيحدث فيهم حب الله.

هذا كل شيء، ها هو يؤكد المعنى الأول من قبول الآخر.

حكمة عدم تزويج المسلمة لغير المسلم ونشر الدعوة بلا إكراه

لماذا لم تجعلوا أيضًا زيادة في التأكيد [أن] يتزوج [غير المسلم] ابنتي؟ قال: لأجل أن تنتشر الدعوة من غير عنف، من غير إكراه، من غير سيف، من غير دماء.

كيف [حدث ذلك]؟ وهو هذا ما حدث: المسلمون عندما دخلوا مصر كانت مصر فيها أغلبها من المسيحيين، وفيها بعض المشركين ما زالوا يعبدون إيزيس وأوزيريس وحنتيس وحورس وبورس وهذا الكلام.

هناك أناس دخلوا في الإسلام أفواجًا، وأيضًا بعد مائة سنة أصبحنا [أي المسلمون] خمسة في المائة فقط.

نموذج التعايش في مصر بالزواج من المسيحيات وحرية الاعتقاد دون إكراه

فكان الرجل [المسلم] يذهب ويتزوج من الجيران البنت المسيحية، وتظل على دينها مسيحيتها.

﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]

ربنا سبحانه:

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]

هذا تنوع وحرية وقبول للآخر وحب. أنا وهي أنجبنا أحد عشر طفلًا قبل تنظيم النسل، فكان:

قال النبي ﷺ: «تكاثروا تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة»

يبقى في المرتبة الأولى: الزواج من المسيحية.

القواعد الخمس لانتشار الإسلام في مصر: التكاثر وتعدد الزوجات ونسبة الأطفال

رقم اثنان: التكاثر. ثالثًا: أن بناتي لا يتزوجن إلا من مسلمين. حسنًا، وأما الأبناء فيتزوجون من غير المسلمات. حسنًا.

رابعًا: تعدد الزوجات؛ أن الرجل المسلم يمكنه أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع.

خامسًا: نسبة الأطفال إلى الإسلام؛ فإذا تزوج مسلم من مسيحية أو يهودية أو هندوسية أو غيرها وأنجب منها، فإن هؤلاء هم المسلمون.

بعد سبعمائة سنة أصبحوا أربعة وتسعين في المائة من سكان مصر مسلمين، من غير سيف ولا إكراه ولا دم ولا نزاع ولا شيء من هذا القبيل.

نظافة التاريخ الإسلامي مقارنة بما فُعل في الأندلس وفلسطين وأمريكا وأستراليا وأفريقيا

وأصبح موجودًا في الشعب مسيحيون ويهود وهكذا. لكن المسلمين لم يفعلوا مثل ما فُعِل بهم في الأندلس؛ حيث أُبيدوا وطُردوا وشُرِّدوا وشُرِّد بهم.

ولم يفعلوا مثل ما فعلوا فيهم في فلسطين، ولم يفعلوا مثل ما فعلوا في الهنود الحمر في أمريكا، ولم يفعلوا مثل ما فعلوا في سكان أستراليا الأصليين، ولم يفعلوا مثل ما فعلوا في أواسط أفريقيا في الزولو والبوير.

ولم يفعلوا أبدًا، تاريخهم نظيف.

القواعد الست للتعايش الإسلامي: الحب والحرية وحسن الجوار والدعوة بالحسنى

بأي شيء [كان تاريخهم نظيفًا]؟ بهذه القواعد الخمسة أو الستة التي فيها:

  • حب وحفاظ على الهوية.
  • دعوة بالتي هي أحسن.
  • حرية في الاعتقاد.
  • ترك للآخر ليعيش كما يريد.
  • حسن الجوار.

فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين. اللهم ألهمنا رشدنا وبيّن لنا مرادك من كتابك، وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.