سورة المائدة | حـ 885 | 6 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ 885 | 6 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • أمر الله المؤمنين بالتطهر قبل الصلاة، حيث خاطبهم في سورة المائدة بقوله: "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم".
  • النية ركن أساسي في الوضوء، ويشترط الإسلام لقبولها، فلا تصح العبادات من غير المسلم حتى لو أداها كما يؤديها المسلم.
  • جعل الله الخلاص إليه عن طريق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يقبل شيء إلا من هذا الباب، ولذلك كانت الشهادتان من أركان الإسلام.
  • أهل السنة والجماعة تميزوا بمنهجهم المعتدل، فآمنوا بحسن اختيار النبي لأصحابه وزوجاته، وبحفظ القرآن، وبأنه خاتم الأنبياء ووسيلتهم إلى الله.
  • قوله تعالى "إذا قمتم" لا يعني بعد الصلاة، بل معناه "إذا أردتم القيام إلى الصلاة" بإجماع العلماء.
  • التفكير في الدين يجب أن يؤسس على العلم واللغة الصحيحة والإجماع، ولا يصح الخروج عن سبيل المؤمنين.
  • التجديد الحقيقي هو العيش بالموروث مع مواكبة العصر، وليس هدم الماضي وبناء شيء جديد.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة في آية الوضوء من سورة المائدة وأمر الله بالتطهر قبل الصلاة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يأمرنا ربنا سبحانه وتعالى بالتطهر قبل الصلاة، ويصف لنا حال الوضوء الذي فرضه علينا قبل أن نناجيه وأن ندعوه وأن نعبده في الصلاة التي قد افترضها علينا.

قال تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا﴾ [المائدة: 6]

فالخطاب لخصوص المؤمنين، ولذلك أخذ العلماء من هذا أن النية في العبادات يُشترط فيها الإسلام، وأنها إذا وقعت من غير المسلم لا تقع صحيحة. فشرط النية وشرط قبولها عند الله أن تكون مع الإيمان به سبحانه وتعالى.

اشتراط الإسلام لصحة النية وقبول العبادات عند الله تعالى

فلو أن أحدًا على سبيل المثال من غير المسلمين غسل وجهه ويديه ورجليه بعد ما مسح رأسه، فإنه لا يكون مستعدًا للصلاة؛ وذلك أن النية ركن في الوضوء، وأن النية تحتاج إلى الإسلام كشرط للقبول.

فإذا لم يكن مسلمًا لا تُقبل منه الأفعال حتى لو أتى بها كما يأتي بها المسلم. وكذلك الشأن في الصيام وفي الصلاة وفي الحج وفي سائر العبادات؛ إذا أتى بها غير المسلم على ما هي عليه كما أتى بها المسلم.

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»

والأمر في ذلك متعلق برضا الله وبقبوله سبحانه وتعالى، وهو الذي جعل الإسلام شرطًا للقبول وللنية التي يتقبلها عنده سبحانه وتعالى.

الخلاص عند المسلمين بالإيمان بالنبي المصطفى والشهادتين

فقد جعل [الله تعالى] الخلاص إليه عن طريق النبي المصطفى والحبيب المجتبى والإيمان به، ولا يُقبل شيء عنده إلا من هذا الباب. ولذلك جعل الشهادتين من أركان الإسلام؛ أشهد أن لا إله إلا الله لا تكفي حتى تقول وتشهد صادقًا من قلبك: وأشهد أن محمدًا رسول الله.

فكل الأبواب سُدَّت سوى باب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم. هذا هو الخلاص عند المسلمين: أن يؤمن البشر بالنبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

مكانة النبي المصطفى عند أهل السنة والجماعة وما يميزهم عن غيرهم

وكما ذكرنا مرات، فإن الذي بيننا وبين الناس في [باب] العقيدة والدين هو النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم. وأهل السنة والجماعة على اعتدالهم، فالفرق بينهم وبين كل سائر البشر حتى من المذاهب الإسلامية المرعية المعمول بها إنما هو المصطفى صلى الله عليه وسلم.

آمنّا بأنه نجح في اختيار أصحابه الكرام وفي اختيار زوجاته عليهن السلام، وقال بعضهم أنه لم ينجح في ذلك.

آمنّا بأن الله قد حفظ عليه كتابه من بعده كما وعد وقال:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

وبعضهم لا يرى ذلك.

إيمان أهل السنة بخاتمية النبي ووساطته وحياته في قبره الشريف

آمنا بأنه [صلى الله عليه وسلم] مصطفى من عند الله، وأنه نبي خاتم، وأنه هو الذي بشرت به الأديان كلها، وغيرنا لم يؤمن بذلك.

آمنا بأنه وسيلتنا إلى الله سبحانه وتعالى، وأنه هو حجتنا عند الله، وغيرنا لم يرَ ذلك.

آمنا بأنه حي في قبره، وأنه يرد الله عليه روحه كلما صلى عليه مصلٍّ أو سلَّم عليه مسلمٌ فيرد عليه السلام، وغيرنا أنكر ذلك.

فالحمد لله الذي جعلنا من هذه الطائفة المعتدلة الوسطية التي عظَّمت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه وفي نفسه وفي نبوته وفي أهل بيته الكرام، صلى الله عليه وسلم.

دلالة خطاب المؤمنين على اشتراط النية والإيمان في الوضوء

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 6]

فدل ذلك على أن الخطاب للمؤمنين، ودل ذلك على أن الإيمان إنما هو شرط لقبول النية، بل وفيه إشارة إلى أن النية ركن من أركان الوضوء.

التحذير من المفكرين الذين يتكلمون في الدين بغير علم ويخالفون الإجماع

قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ يشير إلى مسألة عجيبة غريبة قد يغفل عنها بعض المفكرين الذين ابتلينا بهم في عصرنا هذا.

يقول لك: ماذا تعمل؟ فيقول لك: مفكر إسلامي، يفكر. التفكير ليس عيبًا، بل إن التفكير قد أُمرنا به، إنما العيب أن يتكلم الإنسان منهم بغير علم، وأن يخالف ما أجمع عليه المسلمون شرقًا وغربًا، سلفًا وخلفًا.

وأن يظهر لنا كل جيل ببدع ما أنزل الله بها من سلطان، وهي على خلاف مراد الله ورسوله، تخالف الآيات والأحاديث وما أجمعت عليه الأمة. ثم بعد ذلك وتحت عنوان حرية الفكر، يقول من شاء ما شاء في دين الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وجوب تأسيس الفكر على العلم واللغة الصحيحة وعدم الخروج عن سبيل المؤمنين

الفكر يجب أن يؤسس على العلم وعلى المعرفة الصحيحة وعلى اللغة الصحيحة التي أنزل الله بها كتابه وجعل نبيه ينطق بها، فكان أفصح العرب.

الفكر واللغة وجهان لعملة واحدة. الفكر ينبغي ألا يخرج بنا عن سبيل المؤمنين.

﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]

إن هذه اللفتة التي سنذكرها يغفل عنها كثير من الناس، وهي أننا لا نستطيع أن نتفكر إلا في حدود ما أجمعت عليه الأمة.

إجماع الأمة على أن الوضوء قبل الصلاة ومعنى إذا قمتم إلى الصلاة

والأمة أجمعت على أن الوضوء قبل الصلاة.

هل سمعتم أحدًا يصلي ثم يتوضأ؟ ها، الشيخ هنا ضحك! لم نسمع ولن نسمع.

ولكن الله يقول:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا إِذَا قُمْتُمْ﴾ [المائدة: 6]

لا يأتي شخص يقول: "قمتم" فعل ماضٍ، فيكون معناه: صليتم! بل "قمتم" هنا تعني: إذا أردتم القيام إلى الصلاة. فاء، والفاء للتعقيب: فاغسلوا وجوهكم.

بعد أن نصلي نذهب نتوضأ؟ لا، لا! ولم يفهم هذا أحد من العرب ولا من المسلمين ولا من الفقهاء المجتهدين ولا من العلماء العاملين ولا من الأتقياء أهل الله أجمعين. لم يخطر في بال أحد هذا المعنى.

إجماع المفسرين على تقدير إذا أردتم وأهمية الإجماع في فهم النصوص

هل ممكن في اللغة تصلح [أن تكون قمتم بمعنى صليتم]؟ قد يصلح في اللغة، لكن أجمع المسلمون على أن المعنى ليس كذلك.

ولذلك أجمع المفسرون وأهل العلم أجمعين، أجمع أهل العلم جميعًا أن معناها: إذا أردتم القيام إلى الصلاة.

أين "أردتم" في النص؟ لا وجود له، لكن لا بد من إضافتها للإجماع.

خطورة إنكار الإجماع وادعاء فهم القرآن مستقلاً عن السنة واللغة

إذن هذا الذي يخرج لنا وينكر الإجماع لا يلتفت إلى أنه يغير معالم الشريعة. هذا الذي يدّعي أنه يفهم القرآن مستقلًا عن السنة، أو مستقلًا عن اللغة، أو مستقلًا عن الإجماع، فإنه يكون يريد دينًا جديدًا مغيرًا لدين الإسلام الذي ورثناه عن آبائنا.

هذا الذي يريد أن يجدد في الإسلام بمعنى أن يهدم الماضي وأن يبني شيئًا جديدًا، هذا معنى مرفوض.

المعنى الصحيح للتجديد في الإسلام والحفاظ على الهوية مع المشاركة الحضارية

إنما التجديد معناه أن نعيش بالموروث، وكيف [نتعامل مع] هذا مع عصر المتغير؟ لا نغيب عنه، ونضع أقدامنا في وسط الحضارة الإنسانية ونسهم فيها، مع عدم الذوبان بل والحفاظ على هويتنا.

هذا هو التجديد الذي لا يحسنه كل أحد. أما الهدم فيحسنه كل أحد، وأما الابتداع فهو سهل، وأما التفكير على غير قواعد علمية فهو أمر ميسور. وليس الأمر كذلك، والله أعلم بما هنالك.

فيا ربنا اشرح صدورنا لفهم كتابك ومرادك من كتابك يا أرحم الراحمين. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.