سورة المائدة | حـ 889 | 6 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ 889 | 6 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • ذكر الله في سورة المائدة أركان الوضوء التي اختلف العلماء في عددها، فهي عند الإمام الشافعي ستة، وعند الإمام أبي حنيفة أربعة.
  • استدل الشافعي على وجوب النية من قوله تعالى "إذا قمتم إلى الصلاة"، وعلى وجوب الترتيب من الفصل بين المتجانسات في الآية حيث ذُكر المسح بين الأغسال.
  • عند الحنفية يصح الوضوء بدون نية أو ترتيب، بينما عند الشافعية لا يصح إلا بهما.
  • كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء، ثم يسمي الله، ويتمضمض ويستنشق ثلاثاً.
  • المضمضة تطهير للفم قبل تلاوة كلام الله ومناجاته، وكذلك يستحب التمضمض بعد شرب اللبن لأن فيه دسماً.
  • من سنن استقبال المولود الأذان في أذنه اليمنى والإقامة في اليسرى، وتحنيكه بالتمر، وفي ذلك إشارات ومعانٍ رقيقة تُذكر بقصر الحياة الدنيا.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة في أركان الوضوء في سورة المائدة عند الشافعية والحنفية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يذكر لنا الله سبحانه وتعالى الوضوء بأركانه، وهناك أركان مذكورة وهناك أركان يُلمح إليها.

ولذلك فأركان الوضوء عند الإمام الشافعي ستة، وأركان الوضوء عند الإمام أبي حنيفة أربعة؛ وهي التي ذكرها الله بنصها في القرآن من غير زيادة.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 6]

هنا أربعة أركان [غسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرافق، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين].

استدلال الإمام الشافعي على ركن النية من آية الوضوء

لكن الإمام الشافعي يقول: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ﴾ [المائدة: 6]، إذن هناك نية لإزالة الحدث، فهذا ركن [خامس عند الشافعية].

استدلال الإمام الشافعي على ركن الترتيب من قاعدة لغوية عربية

ولما أن ذكر [الله سبحانه وتعالى] المسح بين الأغسال، دلّ ذلك على وجوب الترتيب؛ لأن العرب لا تفرّق بين المتجانسات إلا لسبب.

فهنا أين المتجانسات؟ اغسل [الوجه]، امسح [الرأس]، اغسل [الرجلين]، فالمسح ليس من جنس الغسل. فيكون عندما قال [الله تعالى]: اغسل، امسح، اغسل، قد فرّق بين المتجانسات.

لو لم يكن قد فرّق لقال: اغسل وجهك، اغسل يديك، اغسل رجلك، امسح رأسك، وكان في ذلك الوقت الترتيب لا يُعتبر ركنًا ولا شيئًا، ويمكن للمرء أن يبدأ برجله أو يبدأ بيده أو يبدأ برأسه أو يبدأ بالمسح أو يبدأ بالغسل كما يشاء.

قاعدة العرب في التفريق بين المتجانسات وأثرها في ركن الترتيب

لكن العرب لا تفرّق بين المتجانسات إلا لسبب. السبب هنا ما هو يا ترى؟ اغسل [ثم امسح ثم اغسل]، أصبح الترتيب هو [السبب].

فكر الإمام الشافعي المبني على قاعدة في اللغة العربية أن العرب لا تفرّق بين المتجانسات إلا لعلة أو سبب، وقد فرّق الله هنا، وقد أنزل القرآن بلغة العرب، بين المتجانسات، فلا بد أن يكون ذلك لسبب وعلة.

ابحث إذن عن السبب والعلة، ماذا يكون يا ترى؟ فقالها: الترتيب. فجعل الترتيب ركنًا من أركان الوضوء [عند الشافعية، وهو الركن السادس].

الفرق بين الشافعية والحنفية في حكم الوضوء بدون ترتيب ونية

يعني ماذا؟ يعني إذا غسل الشخص يديه، ثم غسل وجهه، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجليه، فإن وضوءه بهذه الصورة عند الشافعية باطل، وعند الحنفية صحيح ولا يضره شيء.

وبدون نية أيضًا [يصح الوضوء عند الحنفية]؛ الله، واحد كان يمشي في الطريق فتعثّر ووقع في النهر، وقع في النهر، فيكون بذلك عند الأحناف متوضئًا، إذا لم يكن يلبس جوارب، فيكون عند الأحناف متوضئًا إذا وصلت المياه إلى أعضاء الوضوء فيكون متوضئًا.

هذا فقط إذا تعثّر أو دفعه أحد في النيل أو في الترعة، وقال لك: ليس لي دخل، سواء وصلت المياه أم لا إلى الأعضاء التي قال له ربنا [اغسلها]، وصلت الحقيقة. هكذا قال: حسنًا، إذن فهو متوضئ [عند الحنفية].

موقف الإمام الشافعي من اشتراط النية واللحظة اللطيفة في الترتيب

قال الشافعي: لا، وهو يأخذ هذا الغطس ينوي، وبدون نية لا يصح ذلك [عند الشافعية].

قال: حسنًا، وإذا كان مغطوسًا كله في الماء أو مغطوسًا كله في المغطس ونوى؟ قال: إذن يمكنه في لحظة لطيفة أن يستغني بها عن الترتيب، كأن الماء أخذ ما في الوجه وبعد ذلك أخذت ما في اليد وبعد ذلك ذهبت وأخذت ما في الرأس وبعد ذلك ذهبت وأخذت ما في الرجل بسرعة كبيرة.

ماذا يسميها؟ اللحظة اللطيفة، لحظة فقط لكنها لطيفة جدًا، أي صغيرة جدًا، لحظة لطيفة.

صفة وضوء النبي ﷺ وغسل اليدين والتسمية قبل الوضوء

حسنًا، إذا كان هذا الترتيب مهمًا عند الشافعي، فماذا نفعل الآن؟ نرتّب ما [في] الوضوء، قد اعتدنا عليه وأصبح من العبادات -سبحان الله- التي هي خفيفة على الإنسان.

والنبي صلى الله عليه وسلم كان له ذلك [الترتيب في الوضوء]. أما القرآن فقد شرح لنا القضية، ويأتي النبي ﷺ كالمذكرة التفسيرية للقرآن ليفسر لنا الأمور؛ لأن هذا هو الكمال.

فكان يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء، ثم بعد ذلك يتمضمض ثلاث مرات، يقول: بسم الله، ويتمضمض.

قال رسول الله ﷺ: «كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر»

وفي رواية ثانية: «الحمد لله»، وفي رواية ثالثة: «بذكر الله»، روايات متعددة.

التسمية والمضمضة والاستنشاق وحكمة الوضوء في الوقاية من الأمراض

فيقول: بسم الله، وبعد ذلك يتمضمض بعدما غسل يديه ثلاث مرات، كان يحب التثليث هكذا، هو ويستنشق في أنفه الشريف ثلاث مرات.

ولذلك تجد المسلمين لا يصيبهم بعض الأمراض المتعلقة بالأمور الأنفية وما شابهها، وهي نادرة فيهم. لماذا؟ من كثرة الوضوء والطهارة الجميلة هذه.

حكمة المضمضة في الوضوء وتطهير الفم لمناجاة الله وتلاوة كتابه

ثم دائمًا المضمضة، ما فكرة المضمضة؟ يقول لك: لأنك ستتكلم الآن بكلام ربنا، فأحيانًا ينسى الإنسان لماذا يفعل ذلك.

حسنًا، يتمضمض، ها هو يتمضمض لأنه رأى أباه يتمضمض، لكن فيها فكرة أنك الآن ستتحدث مع الله، فيجب أن يكون فمك طاهرًا هكذا.

ولذلك علّمنا النبي ﷺ حتى ونحن متوضئون أننا إذا شربنا شيئًا فيه دسم - وهذا ما يسمى مثل اللبن، فاللبن يوجد منه خالي الدسم، وكامل الدسم، ونصف دسم - في اللبن فيه دسم يُستخرج منه الزبدة، فيقوم بمضمضة الفم قبل الصلاة، أي لكي يكون الفم طاهرًا ليناجي ربه ويذكر ربه ويتلو كتابه، في شيء من التعظيم لهذا الفم الطاهر.

تحنيك الطفل والأذان في أذنه عند الولادة وحكمة ذلك

سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا علّمنا شيئًا، وهو أن الطفل الصغير أول ما يولد نؤذّن في أذنه اليسرى، حتى أول ما يدخل عقله: الله أكبر، الله أكبر.

فأذان المسلمين جميل أيضًا، كله تعظيم لله، وفيه الشهادتان اللتان تحملان حقيقة الدنيا، وفيهما الدعوة إلى الصلاة والدعوة إلى الفلاح. يسمعها الطفل، إنه طفل فقط، لكن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، هذا أنت تنقش في ذهنك الحكاية.

الأذان والإقامة إشارة إلى قصر بقاء الإنسان في الدنيا

قال: حسنًا، انتهى الأمر، فأذّنّا هنا [في الأذن اليمنى]، كنا نؤذّن هنا أيضًا أو لا نؤذّن. لماذا هنا الأذان وهنا الإقامة؟

فقال بعض أهل الله [من العلماء الربانيين]: إشارة إلى أن بقاءك يا أيها الإنسان في الدنيا قليل كما بين الأذان والإقامة. هل انتبهت؟

يعني يؤذّن هنا [عند الولادة] ويُقيم هنا [عند الوفاة]، يعني عندما أذّنا أقمنا، وعندما جئنا ذهبنا. يعني لا تفهم أنك ستبقى هنا طويلًا هكذا، لا، إنما هي بالكاد ما بين الأذان والإقامة.

وإذا عددتها تجد نفسك لو عشت مائة سنة تكون قد عشت عند ربنا ثلاث دقائق، فانتبه!

تحنيك الطفل وتبرك المسلمين بحفظة القرآن ورموز الإيمان الجميلة

فكان [النبي ﷺ] يُحنِّك الطفل، يُمضغ هكذا البلح؛ لأن فمه ﷺ طاهر، وبالتالي أيضًا يُحضرون الأطفال ويقولون: سيدنا الشيخ لأنه حافظ للقرآن، دعه هكذا يفعل ماذا؟ يعطي للطفل شيئًا ما ليلعقه، فيكون قد لعق شيئًا من القرآن الذي في جوفه.

نعم، إشارات كلها فيها رموز وفيها معانٍ وفيها رقة للقلب وفيها ذكر للرب وفيها أشياء جميلة، ومن أنكرها فقد حرم نفسه.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.