سورة المائدة | حـ 890 | 6 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وربنا سبحانه وتعالى يعلمنا الوضوح ويذكره محدداً صريحاً واضحاً فيقول: "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَاغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ" [المائدة: ٦] ورسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي فيفسر ويوضح ويشرح هذا بفعله وهديه ويدلنا على كمال الوضوء الذي يرضي الرب ويحقق رموزه وأحكامه وفوائده وما
يريده ربنا منا، فترى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يقوم إلى الوضوء يحضر الماء ويجهز السواك ويقول بسم الله، وكان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم دائمًا يقول: حديث: "كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع أبتر أجزم"، وكل هذه روايات مختلفة لهذا الحديث، فمرة يقول أبتر، ومرة يقول أقطع، ومرة يقول أجزم، وكلها بمعنى واحد. ولأن الوضوء ذو بال وذو شأن في الشريعة، فإنه كان يبدأ ببسم الله ويعلمنا أن كل شيء له بال وله شأن في الشريعة
نبدأ فيه أيضاً ببسم الله، طلباً للبركة، ويغسل يديه قبل أن يضعها في الإناء، خارج الإناء، ثم بعد ذلك يستاك. وكان يقول عن السواك: إنه مطهرة للفم، مرضاة للرب. والسواك يزيل القلح، الذي يسمونه اليوم "البلاك"، وهم يعلنون ذلك على معجون الأسنان وفرشاة الأسنان. ولابد من الاعتناء بأسنانك إذن الاعتناء بهذا الفم لأنه يخرج منه الذكر، ويخرج منه الصلاة، ويخرج منه الطيب من الكلام، ويخرج منه الدعاء، ويخرج منه تلاوة القرآن.
فهو [الاعتناء بالفم] مأمور به، وقد أرشدنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. والسواك محله الوضوء، خاصة عند الإمام مالك، فالإمام مالك كان يرى أن السواك يكون قبل الوضوء، حتى في قوله صلى الله عليه وسلم حديث: "السواك عند كل صلاة"، فكان يفسرها بأنه عند كل وضوء لصلاة. لماذا؟ لأنه رأى أن إزالة القلح في المسجد لا تجوز، وغير مناسبة، وفيها كراهة أن يكون المسجد محلاً لإزالة المستقذر. والقلح هذا شيء غير مرغوب فيه، لا نريده. فكان من نزاهته ووضوح
حاله، رضي الله تعالى عنه يرى أن السواك عند كل صلاة معناها عند كل وضوء، بخلاف الإمام الشافعي الذي كان يرى أنه عند كل صلاة، حتى لو كان عند كل وضوء. والجمع بينهما ليس متعذراً، وهذا شيء بسيط لا يوصف بأنه إزالة قذارات في المسجد، خاصة إذا كان الإنسان قد سبق وأن توضأ واستعمل السواك. فإن استعماله عند الصلاة يكون تأكيداً وتعبداً لمرضاة الرب ولطهارة الفم. بعد ذلك، يتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، وكان يحب أن يثلث أفعاله، حتى إنه كان عندما يتكلم في الدرس يعيد الكلام ثلاث مرات، حتى يسمع
من لم يكن سامعاً ولا مستمعاً. والمستمع يعني: مركّز، أما السامع فهو الذي يسمع الكلام لكنه لا يعرف معناه. فيجذب الانتباه، والذي لم يفهم يفهم، والذي فاته بعض الشيء لأنه قد شرد بذهنه، يركز معه ثلاث مرات، كان يحب ذلك صلى الله عليه وسلم. فكان يتوضأ ثلاثاً، إلا أنه مرة توضأ ثلاثاً، وتوضأ اثنتين، وتوضأ مرةً واحدة، لبيان الجواز، وأخرج الترمذي أنه كان يفعل ذلك. وبعد المضمضة والاستنشاق، يغسل وجهه، وبعد ذلك يغسل يديه إلى المرفقين،
ويبدأ باليمنى. وكانت لحيته كثيفة، ولحيته الكثيفة كانت عظيمة، حتى أن من خلفه في الصلاة كان يراها وهي تتحرك عند تلاوته الشريفة في الصلاة. كان عظيم اللحية، وكانت سوداء، وكان يجعلها متساوية مهذبة، جميلة، وكان فخماً مفخماً صلى الله عليه وسلم، وكان من يراه يهابه، حتى أن الصحابة، لما استوصفه التابعون قائلين: "صِفْ لنا النبي، كيف كان شكله؟" تنبهوا إلى أنهم لم يديموا النظر إليه، غير قادرين على رفع أعينهم إليه هكذا ليصفوه، نحن نعرفه وكل
شيء، من بعيد، يعرفونه أنه سيدنا محمد، لكن الوصف الدقيق لم يكن سهلا، إذ لم يجلسوا يتفحصون فيه هكذا (فتح الشيخ عينيه واسعاً، وجال ببصره يميناً ويساراً متفحصاً). لماذا لا يُستطاع النظر إليه؟ من مهابته صلى الله عليه وسلم ومن جماله. وصفه اثنان فقط: هند بن أبي هالة بن خديجة، لأنه ربيبه وكان معه في البيت، والنبي تزوج أمه عليها السلام، والثاني: أم معبد، كانت مشركة، ومر عليها فتفاجأت من هو، فجلست تتفحصه، فوصفته. هذين الوصفين الواردين في كتب السيرة النبوية. وسيدنا أنس، خادمه، وكان صغيراً في السن، فكان يذكر كلمة. أما سيدنا الحسن وسيدنا الحسين، لم يصفه أحد منهما، لأنه هابوه
صلى الله عليه وسلم. بعد ذلك، اللحية الكثيفة هذه كان يمسحها، ولا تُخلل فاللحية الكثيفة لا تُخلَّل، وقد ذكرنا سابقًا الفرق بين اللحية الكثيفة والخفيفة (اللطيفة)؛ أن ترى البشرة، فإن رأيت البشرة فهي خفيفة، وإن لم تَرَ البشرة فهي كثيفة. ثم بعد ذلك يبدأ باليمنى تيامنًا، فيغسل يديه ويخلل أصابعه على هذه الهيئة، يشبك أصابعه هكذا ويخلل بينها، وبعد ذلك، يمسح رأسه فيُقبِل ويُدبِر، يُقبِل ويُدبِر. ولكنّ "يُقبِل ويُدبِر" هذه مقلوبة،
كان يجب أن نقول "يُدبِر ويُقبِل" لأنه عندما يُمسك هكذا، يرجع إلى الخلف فيُدبِر (أومأ الشيخ بيده ممررا كفيه من مقدمة راسه الى مؤخرة الراس)، ثم يرجع إلى الأمام فيُقبِل (أومأ الشيخ بيده ممررا كفيه من مؤخره رأسه الى مقدمة الرأس). لكنك تقول "يُقبِل ويُدبِر". ولكن العرب تقول هكذا، هناك شيء يُسمّى المُركّب عند العرب، مثل قولهم: "ليل نهار"، العرب لا تقول "نهار ليل"، وكذلك، تقول "يُقبِل ويُدبِر". لا تقل يدبر ويقبل، وهذا من المركبات عند العرب، وكذلك "صيف شتاء"، ولا يقولون "شتاء صيف"، العرب هكذا تحفظها هكذا، فهذه المركبات ثابتة، فلا أحد يأتي ويقول لي "يُقبل ويُدبر"، هذا يكون كان يضع يده من الخلف، لا بل كان يضع يده من الأمام إلى الخلف، ثم يمسح أذنيه، وبعد ذلك يغسلُ
رجليه إلى الكعبين صلى الله عليه وسلم، على هذا الترتيب، ولم يُخالفه أبداً. فهذه هي هيئة وسنن وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.