سورة المائدة | حـ 893 | 6 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ 893 | 6 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • يتحدث النص عن أسباب التيمم بدلاً من الوضوء أو الغسل بالماء، وذلك في سياق شرح آية من سورة المائدة.
  • فقد الماء يكون على نوعين: فقد حسي حيث لا يوجد الماء أصلاً، وفقد شرعي حيث يوجد الماء لكن لا يستطيع المسلم استعماله.
  • من أسباب الفقد الشرعي للماء: الحاجة إلى الماء للشرب خشية الهلاك، أو الحاجة إليه لحيوان محترم كالناقة أو الكلب المستخدم للحراسة.
  • يجوز التيمم أيضاً إذا كان ثمن الماء مرتفعاً بشكل مبالغ فيه، أو كان صاحب الماء يعطيه بطريقة فيها منّة وإذلال.
  • كذلك يجوز التيمم إذا كان الماء مخصصاً للشرب فقط كالماء الموجود في السقايات العامة، أو كان المسلم مريضاً بمرض يمنعه من استعمال الماء.
  • تُظهر هذه الأحكام جمال الشريعة الإسلامية في مراعاة كرامة الإنسان وحفظ نفسه وتعليمه القيم الأخلاقية العالية.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان موضوع أسباب الحدث الموجبة للطهارة

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيدنا رسولِ اللهِ وآلهِ وصحبهِ ومن والاهُ.

مع كتابِ اللهِ وفي سورةِ المائدةِ، وبعدَ ما علَّمنا ربُّنا سبحانَهُ وتعالى كيفَ نتطهرُ من أجلِ الصلاةِ، سواءٌ من الحدثِ الأصغرِ أو من الحدثِ الأكبرِ؛ فإنَّهُ تكلَّمَ عن أسبابِ ذلكَ الحدثِ. ما الذي يجعلُ الإنسانَ مُحدِثًا وعنده أمرٌ يمنعه من الصلاةِ إلا بعدَ أن يُزيلَ [ذلك الحدث] أو يستبيحَ الصلاةَ [بالتيمم]؟

فتكلَّمَ [سبحانه وتعالى] عن أسبابِ الحدثِ، قال تعالى:

﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ [المائدة: 6]

هذه موانعُ استعمالِ الماءِ، والماءُ لا أستطيعُ أن أستعملَه إما حِسًّا وإما شرعًا.

الفقد الحسي والشرعي للماء وأثرهما في إباحة التيمم

فقدُ الماءِ قد يكون فقدًا حسيًا؛ كأن يكونَ الإنسانُ في سفرٍ في الصحراءِ وليس هناك ماءٌ، هذا يُعدُّ فقدًا حسيًا، فالماءُ لا وجودَ له.

الأمرُ الثاني: يكونُ معي ماءٌ ولكنه ماءٌ للشربِ، فإذا استهلكتُه في الوضوءِ أو في الاغتسالِ لم يبقَ معي ماءٌ للشربِ، وإذا لم يبقَ معي ماءٌ أهلكُ [أي أموت عطشًا].

ولذلك الفقدُ الحسيُّ ألّا تجدَ ماءً، والفقدُ الشرعيُّ أن تجدَ ماءً ولا تستطيعَ أن تستعملَه. فيكونُ فقدُ الماءِ على نوعين:

  1. فقدٌ حسيٌّ بفقدِ ذاتِ الماءِ، أي لا وجودَ للماءِ.
  2. فقدٌ شرعيٌّ حيث الماءُ موجودٌ أمامي، ولكن مع وجوده أمامي إلا أنني لا أستطيعُ أن أستعملَه.

والسؤالُ: لِمَ لا تستطيعُ أن تستعملَه؟ وتأتي أسبابٌ [عديدة لذلك].

مراعاة الإسلام لاحتياج الحيوان المحترم للماء وإباحة التيمم لأجله

انظر إلى جمالِ الإسلامِ في مراعاةِ احتياجي للماءِ أو احتياجِ حيوانٍ محترمٍ للماءِ، ليس أنا فقط بل الحيوانُ أيضًا يحتاجُه. فأتيممُ وأتركُ الماءَ للحيوانِ المحترمِ الذي معي، سواءٌ كان ناقةً أو جملًا أو معزةً أو قطةً أو بقرةً أو كلبًا رافقني للحراسةِ.

لذلك لا تتوضأ [بالماء وتتركه للحيوان]. لا تتوضأُ من أجلِ قطةٍ؟ انظر إلى أين وصلَ بنا الكلامُ، إلى أنَّ هذا الحيوانَ المحترمَ يُبيحُ لي أن أتيممَ. قال [السائل] له: نعم.

حكم شراء الماء بثمن مغالى فيه وإباحة التيمم عند الاستغلال

قال له: ماذا أيضًا؟ قال له: افترض أننا في قافلةٍ وهذه القافلةُ تسيرُ، وهناك شخصٌ رفيقي معه مياهٌ، فذهبتُ إليه وقلتُ له: ألا تعطيني ماءً لأتوضأ؟ فأنت معك مياهٌ كثيرةٌ، خمسةُ جمالٍ محمَّلين ماءً.

قال: وما المانعُ، كم تريدُ؟ قلتُ له: صاعًا هكذا أو مُدًّا أو شيئًا من هذا القبيلِ؛ لأنَّ مُدَّ الماءِ يعادلُ كوبًا، يعني أتوضأُ به. قال لي: حسنًا، بعشرين جنيهًا! قلتُ له: كيف عشرين جنيهًا لكوبِ ماءٍ يا أخي؟ هذا لا يساوي ربعَ جنيهٍ! قال: واللهِ، لكنك محتاجٌ إليه.

ربُّنا جعلها سهلةً، وتوجَّه مباشرةً إلى التُّرابِ أو إلى الصعيدِ وتيمَّم. لماذا؟ بينما معك العشرون جنيهًا في جيبك! قال: لأنَّ هناك مغالاةً في ثمنِه، فعندما أشتريه سأشتريه بثمنِه المناسبِ.

التيمم عند المغالاة في ثمن الماء ليس مرتبطاً بالقدرة المالية بل بمنع الاستغلال

حسنًا، افترض أنه أغلى من ثمنِه، أتيممُ؟ بينما أنا رجلٌ غنيٌّ ومعي العشرون جنيهًا وزيادةٌ أيضًا.

قال: لا، ليست هذه القضيةَ، ليست قضيةَ القدرةِ. القضيةُ هي قضيةُ هذا الرجلِ الذي يريدُ استغلالَ الحاجةِ. أنا [أي الشرع] لم أُمكِّنك منه ولم أُمكِّنه منك. أنت على الفورِ تذهبُ وتتيممُ.

حكم التيمم عند تحمل المنة من المعطي وصون كرامة المسلم

نقول: حسنًا، وماذا أيضًا؟ قال لي: الصورةُ الرابعةُ: فذهبتُ إليه وقلتُ له: أعطني كوبَ ماءٍ. نظرَ إليَّ هكذا بمنَّةٍ، قلتُ: يعطيني الكوبَ ويناولني إياه بصورةٍ غيرِ لائقةٍ قائلًا لي: خُذ! فأقولُ له: متشكرٌ، وأذهبُ لأتيممَ.

لماذا تفعلُ ذلك؟ إنه لم يطلب منك عشرين جنيهًا ولا عشرين قرشًا! فقال: لكي لا تتحملَ المنَّةَ، يعني لا ينبغي لأحدٍ أن تكونَ له عليك أيُّ منَّةٍ.

فهو يدعوني ويقولُ لي: تفضَّل، لكي آخذَ أنا الثوابَ من أجلي. فقمتُ أقولُ له: حسنًا، لا عليك الآنَ، دعنا نتعادلُ ونُحسِّنُ، نوفِّرها لا عليك، أُقبِّلُ يدَك أن تأخذَها. لم يقل هذا [أي لم يعرضها بطيب نفس].

وشعرنا أنه سيحملُ عليَّ منَّةً، وكلما يراني يقولُ لي: ألستَ أنت الذي أخذتَ كوبَ الماءِ الذي توضأتَ به؟ فأقولُ له: نشكرُك.

الشريعة الإسلامية تعلم أتباعها الكرامة والجود وتنهى عن المنة والذل

هذه شريعةٌ تُعلِّمُ أتباعَها الكرامةَ، وتُعلِّمُ أتباعَها الجودَ والكرمَ. فهي تُعلِّمُ أتباعَها الكرامةَ وتقولُ لك: إياك أن تمُنَّ على أخيك، والكرامةَ وتقولُ لك: إياك أن تُذِلَّ نفسَك لأحدٍ.

إنها شريعةٌ تبني هذه النفسَ الإنسانيةَ المحترمةَ المعتبرةَ.

حكم التوضؤ من ماء موقوف للشرب وبيان الفقد الشرعي للماء

وماذا أيضًا؟ قال: كنا نسيرُ فوجدنا إناءً كبيرًا، كان يُسمى قديمًا في مصرَ هكذا، يوجدُ ماءٌ وهذا الإناءُ الذي فيه ماءٌ مثلُ الثلاجاتِ التي فيها الماءُ، ثلاجةُ ماءٍ أو زيرٌ في القريةِ، وقفٌ للهِ تعالى للشربِ. الناسُ وهي ماشيةٌ تشربُ من ثلاجاتِ الماءِ هذه.

فأنا أذهبُ لأتوضأَ [منه]. قال: حرامٌ؛ لأنَّ هذا ماءٌ للشربِ وليس للوضوءِ.

طيبٌ، ما المشكلةُ في ذلك؟ هذا الوضوءُ، أي قليلون [من العلماء] قالوا: أبدًا، تذهبُ تتيممُ والمياهُ موجودةٌ! والمياهُ موجودةٌ؛ لأنها قد فُقدت شرعًا. فالمياهُ قد تُفقدُ حِسًّا وقد تُفقدُ شرعًا.

التيمم عند المرض وعدم القدرة على استعمال الماء وخاتمة الدرس

ومن ضمنِ الأشياءِ [التي تُبيح التيمم] أن تكونَ يدي ملتهبةً فيها مرضٌ أيضًا، فتكونُ المياهُ موجودةً أمامي وملكي وبكثرةٍ ولا أستطيعُ استعمالَها، فأتيممُ.

إذن قد يُفقدُ الماءُ حِسًّا أو شرعًا، يعني موجودٌ لكنني لا أستطيعُ أن أستعملَه. فيكونُ ذلك سببًا من أسبابِ تركِ الوضوءِ والذهابِ إلى التيممِ.

وإلى لقاءٍ آخرَ، نستودعُكم اللهَ، والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.