سورة المائدة | حـ 896 | 6 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يناقش النص خلاف العلماء حول تفسير آية "أو لامستم النساء" في سورة المائدة وعلاقتها بنقض الوضوء.
- •يشرح أن العلماء استعملوا قواعد استنباط المعاني من النصوص، ومنها قاعدة جواز استنباط معنى يخصص النص دون أن يبطله.
- •يبين أن من يعتبر اللمس مجرد التقاء البشرتين (كالشافعي) يُخصص النص باستثناء المحارم لأن الفطرة السليمة لا تشتهيهم.
- •يوضح أن هذا التخصيص مبني على فهم المعنى والواقع المعيش، إذ أن لمس الأجنبية قد يحرك الشهوة التي قد تؤدي لخروج شيء ينقض الوضوء.
- •يشرح خلاف الشافعي وأبي حنيفة حول تطبيق القاعدة في مسألة زكاة الغنم، وهل يجوز إخراج قيمة الشاة بدلاً من عينها.
- •يوضح أن العلماء متفقون على القاعدة لكنهم مختلفون في تطبيقها، مما يؤكد سعة العلم واختلاف الاجتهادات.
مقدمة الحلقة ومراجعة أحكام الطهارة والوضوء في سورة المائدة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وبعد أن علّمنا ربنا الطهارة والتطهر والتهيؤ للصلاة بالوضوء والاغتسال، وبعد أن علّمنا الطهارة الأصيلة [بالماء] والطهارة البديلة [بالتيمم]، وعلّمنا الأحوال التي بموجبها يكون الحدث، والأحوال التي بموجبها يكون فقد الماء حسًّا أو شرعًا.
اختلاف الأئمة في معنى الملامسة في آية سورة المائدة
فإن الله سبحانه وتعالى قال في سياق ذلك:
﴿أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ [المائدة: 6]
ووقف الأئمة الأعلام فيها -كما رأينا في حلقة سابقة- يتأملونها ويختلفون فيها، ويقيمون الأدلة من اللغة ومن القرآن ومن السنة على مدّعاهم، ويستعملون العقل في استنباط معانٍ وقواعد لفهم كتاب الله سبحانه وتعالى.
وكان مما ذكرنا قاعدة أنه يجوز استنباط معنى من النص يخصّصه، ولا يجوز استنباط معنى من النص يؤدي إلى بطلانه.
تخصيص لفظ النساء في الآية باستثناء المحارم من نقض الوضوء
وذلك عند قوله تعالى:
﴿أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ [المائدة: 6]
فـالنساء لفظ عام يشمل أمي وأختي وابنتي، وهؤلاء المحارم لا ينتقض بلمسهن الوضوء؛ لأن لمس المرأة الأجنبية قد يكون محلًّا للشهوة التي تتحرك بخلقة الله سبحانه [بين] الرجال والنساء، هذه الشهوة التي قد تكون سببًا في خروج شيء ينقض الوضوء.
ولكن لليأس من الزواج بالمحارم لا نرى الفِطَر السليمة تشتهي المحارم، الفِطَر السليمة.
الفطرة السليمة لا تشتهي المحارم وانقطاع الأمل فيهن شرعًا
أما الفِطَر المعوجّة المريضة التي تحتاج إلى علاج وإلى إحالة إلى الطبيب النفسي للعلاج، فهذا أمر خلاف العادة وما درج عليه البشر.
ولذلك فالأم والخالة والعمة وذوات المحارم انقطع الأمل فيهن؛ لأن الله حرّم هؤلاء النسوة على الإنسان، فمنذ صغره لا يفكر في الارتباط بهن، ولذلك لا تتحرك الشهوة تجاههن.
استنباط تخصيص النص بإخراج المحارم من حكم نقض الوضوء باللمس
هذا المعنى بعدما تفكّرنا في أن لمس النساء يمكن أن يحرّك الشهوة، وأن تحرّك الشهوة يمكن أن يصاحبه خروج شيء فينتقض الوضوء، هذا التسلسل والتداعي للأفكار نستنبط منه معنى يخصّص النص، فكأنه يقول:
﴿أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ [المائدة: 6] إلا المحارم.
ولكن ربنا في القرآن لم يقل إلا المحارم، وإنما الذي يجعلنا نقول إلا المحارم: المعنى والواقع؛ المعنى الذي فهمناه من الآية، والواقع المعيش الذي نراه في الخلق أجمعين، الذي هو أصل الفطرة.
فالفهم والواقع يجعلنا نستنبط معنىً من نصٍّ يخصّصه ويضيف إليه في أذهاننا -لا في تلاوتنا- قولنا: إلا المحارم.
حاجة الشافعية لتخصيص النص بناءً على تفسيرهم اللمس بالتقاء البشرتين
كل هذا الكلام من الذي يحتاج إليه؟ الشافعية الذين يقولون إن اللمس هنا معناه التقاء البشرتين.
أنت تقول إن اللمس معناه التقاء البشرتين هنا؟ قال: نعم. قال: حسنًا، لا توجد مشاكل ستترتب على هذا، كيف تحلّها؟ فحلّها بالتداعي هذا [أي بتخصيص النص باستثناء المحارم].
أبو حنيفة لا يحتاج إلى هذه المسألة [لأنه يفسّر الملامسة بالجماع لا بمجرد اللمس].
قاعدة عدم جواز استنباط معنى من النص يعود عليه بالبطلان مع مثال الزكاة
ولا يجوز استنباط معنى من النص -أيّ نص- يحكم عليه بالبطلان.
كيف [يكون ذلك]؟ في أربعين شاة زكاة شاة؛ عندما يكون لديك أربعون من الغنم، وهذه الغنم سائمة وليست معلوفة -فالتي معلوفة ليس عليها زكاة- في سائمة الغنم الزكاة، أما المعلوفة فلا زكاة فيها.
السائمة أتركها في المراعي ترعى، وفي آخر النهار ترجع عندي. تسعة وثلاثين لا تجب عليّ الزكاة، أصبحوا أربعين فتجب عليّ شاة واحدة من أربعين.
مسألة إخراج ثمن الشاة بدلًا من عينها في الزكاة والخلاف فيها
قالوا له: لا يريد إخراج الشاة، لا يريد إخراج الشاة.
قلتُ له: إذن ماذا [ستفعل]؟ قال: سأعطي الفقير ثمنها. الشاة اليوم بكم؟ قلتُ له: الشاة اليوم تساوي خمسمائة أو ستمائة جنيه. قال: سأعطي الفقير ستمائة جنيه ولم يُخرجها من الأربعين.
قام الإمام الشافعي وقال: لا ينفع، لا يجوز؛ استنبط معنى من النص وهو إغناء الفقير يكرّ على النص نفسه بالبطلان؛ لأنه [النص] يقول له: أخرج شاة.
رد أبي حنيفة على الشافعي في مسألة إخراج القيمة بدل العين في الزكاة
قال له [أبو حنيفة]: ليس كذلك، عندما استنبطنا معنى من النص وهو إغناء الفقير لا يُحكم عليه بالبطلان.
الإمام أبو حنيفة اختلف مع سيدنا الإمام الشافعي في ذلك. كل ما نفعله الآن هو تدريب أذهاننا، وتوسيع صدورنا، وقبول المخالف. نقول إن العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة، العلم مبني على البرهان.
الاتفاق على القاعدة والاختلاف في تطبيقها بين أبي حنيفة والشافعي
قال له [أبو حنيفة]: لكنني لا أرى يا إمام [الشافعي] أنني عندما آخذ ثمن الشاة وأعطيه للفقير أن ذلك يعود على النص بالإبطال.
قال له [الشافعي]: حسنًا، هل أنت متفق معي في القاعدة؟ قال: أنا متفق معك في القاعدة لكنني غير متفق معك في التطبيق. أنا متفق معك في القاعدة أنه يجوز استنباط معنى من النص يخصّصه، ولا يجوز استنباط معنى من النص يكرّ عليه بالبطلان، أنا معك.
لكن عندما تأتي وتمثّل وتفهمنا بحكاية الشاة هذه، فأنا لست معك.
حجة أبي حنيفة بأن إعطاء الثمن ليس إبطالًا للنص مع مثال بيع الشاة للفقير
لماذا [لست معه]؟ قالوا: لأن هذا ليس فيه إبطال [للنص]، على الناس بالبطلان.
حسنًا يا إمام [الشافعي]، سأقول لك: أنت أخرجت الشاة من الأربعين وأعطيتها الفقير، والفقير أراد أن يبيعها لك، هل فيها شيء؟ قال له: لا. قال له: يبيعها لك لأنه يريد النقود أفضل من الشاة، هل فيها شيء؟ قال له: لا.
قال له: حسنًا، فما الفرق إذن؟ الفقير أخذ النقود وأنت بقيت عندك الشاة، ما الفرق؟ قال له: التعبّد [أي أن النص أمر بإخراج الشاة عينًا فيُتعبّد به].
خاتمة الحلقة وموقف أبي حنيفة من عدم رؤية إبطال للنص في إخراج القيمة
قال له [أبو حنيفة]: أنا من هذا لا أرى معنى يُكرّ على النص بالبطلان.
رضي الله عنهم أجمعين، وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
