سورة المائدة | حـ907 | 8 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ907 | 8 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

8 دقائق
  • الآية الكريمة "كونوا قوامين لله شهداء بالقسط" تدعو المؤمنين للشهادة بمعناها العميق.
  • كلمة "شهيد" صيغة مبالغة تصلح للدلالة على اسم الفاعل والمفعول معاً.
  • المسلم مطالب بأن يكون شاهداً على العصر ومشهوداً من العالم كله.
  • الشهادة تنهى عن الاعتزال وتدعو للحضور والمشاركة الفاعلة في الحياة.
  • الانسحاب أو الغياب عن المشاركة يعد تقصيراً في أمر الله.
  • لم يستخدم القرآن لفظ "الشهيد" بمعنى المجاهد المقتول، بل استعمله للدلالة على شهادة الحضور.
  • الرسول صلى الله عليه وسلم هو من سمى من قُتل في سبيل الله شهيداً.
  • شهادة القرآن حضارية تحب الحياة والعلم والمشاركة والبناء.
  • الشهيد حسن العلاقة مع مخلوقات الله كلها، يتعامل معها برفق ورحمة.
  • الشهادة الحقيقية مبنية على التعمير لا التدمير، وإبقاء الحياة لا إزهاقها.
  • الشهيد يتعمق في فهم الكون المسبح لله، فيتعامل معه بعلم ورحمة.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة تفسير آية الشهادة بالقسط من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ﴾ [المائدة: 8]

معنى كلمة شهداء وصيغة فعيل بين اسم الفاعل واسم المفعول

وشهداء جمع شهيد، كعلماء جمع عليم، وفقهاء جمع فقيه، وليست جمع شاهد. وشهيد صيغة مبالغة تصلح للدلالة على اسم الفاعل، وتصلح للدلالة على اسم المفعول، كما ذكرنا ذلك مرات.

فشهيد معناها: شاهد أو مشهود أو شاهد ومشهود. نعم، فهذه الصيغة مرة تُستعمل في اسم الفاعل، ومرة تُستعمل في اسم المفعول، ومرة تُستعمل لاسم الفاعل والمفعول معًا.

أمثلة توضيحية على صيغة فعيل بين الفاعل والمفعول

شهيد [كما ذُكر تصلح للفاعل والمفعول معًا]، أما قتيل فيعني مقتولًا فقط، وليس قاتلًا ولا قاتلًا ومقتولًا أبدًا؛ هي مفعول فقط.

وجُبير يعني جابرًا [وهو اسم]، ما هو [إلا] الفاعل؟ لكنها لا تصلح أن تكون مجبورًا. لكن بديل يعني مُبدِلًا ومُبدَلًا، وتصلح الاثنتان معًا.

فإذن هناك هذه الصيغة غريبة قليلًا؛ لأنها تصلح للدلالة على اسم الفاعل وحده، أو للدلالة على اسم المفعول وحده، أو للدلالة عليهما مفترقين، أو للدلالة عليهما مجتمعين.

معنى الأمر الإلهي بأن نكون شهداء شاهدين ومشهودين

وشهيد من ضمن النوع الأخير، هذا هو الذي يدل على اسم الفاعل واسم المفعول ولو مجتمعين. فإذا أمرني ربي بأن أكون شهيدًا، فقد أمرني بأن أكون شاهدًا ومشهودًا؛ شاهدًا على العصر ومشهودًا من العالم كله.

شاهدًا ومشهودًا، إذن أنا مكلف بأن أظهر للناس حتى أشاهدهم، وأن أظهر للناس حتى يشاهدوني.

الشهادة لله تنهى عن العزلة وتأمر بالحضور والمشاركة

وكأن شهداء لله قد نهتنا عن الاعتزال والعزلة، وكأن العزلة هي خلاف الأصل، كأنها عملية جراحية نلجأ إليها عند الحاجات إليها.

لكن الأصل أن نكون حاضرين عالمين مطلعين متصلين بالعصر الواحد، وأن نكون في حضور ومشهودية ومشاركين لبني الإنسان. وإذا لم نفعل ذلك فقد قصرنا في أمر ربنا بشأننا.

مصيبة الانسحاب والغياب عن الشاهدية والمشهودية والشهيدية

فالانسحاب أو التجاهل أو الغياب وعدم المشاركة مصيبة. وكذلك أنني لا أُظهر نفسي للعالم كمثال صالح وأسوة حسنة مصيبة أخرى.

هذه مصيبة الغياب عن الشاهدية، وهذه مصيبة الغياب عن المشهودية، والوقوع فيهما مصيبة بالغياب عن الشهيدية. يبقى في شاهدية ومشهودية وشهيدية.

أو أن ترتكب جريمةً أولى، جريمةً ثانيةً، جريمةً ثالثةً للجمع بينهم. إما أن تقوم بتنفيذ الأمر الأول أو الثاني أو هما معًا، فتكون قد استكملت عبوديتك لله.

القرآن لم يستعمل كلمة الشهيد بمعنى المجاهد المقتول في سبيل الله

لم يستعمل القرآن كلمة الشهيد بمعنى المجاهد في سبيل الله سبحانه وتعالى، وكل ما في القرآن من ذكر للشهيد إنما يتكلم عن شهادة الحضور.

ولكن سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيدنا وحبيبنا، المجاهدَ في سبيل الله [الذي] يُقتل في سبيل الله شهيدًا. وكأنه استعار شهادة الحضارة القرآنية لشهادة حضارة إنسانية، يبين فيها أن من قُتل في سبيل الله إنما قُتل من أجل أن يكون للناس وجودًا في هذه الحياة شاهدين ومشهودين.

الشهادة في سبيل الله قائمة على التعمير والبناء لا التدمير

وأن يكون لهم [للناس] مساهمة في هذه الحضارة، وأنهم إنما يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وإنما يجعلون تصرفاتهم في سبيل الله، وأن الأمر قائم على التعمير لا التدمير، على إبقاء الحياة لا حب الوفاة.

ولذلك سُمي هؤلاء الذين قُتلوا في سبيل الله كما وصفهم القرآن:

﴿بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]

سماهم بما سماهم الله به أنهم أحياء وما زالوا كذلك مفارقة الدنيا أحياء. والحياة هي التي أعطتهم لفظ الشهيد على لسان سيدنا صلى الله عليه وآله وسلم.

الشهادة القرآنية شهادة حضارية تحب الحياة والعلم والبناء

فالشهادة القرآنية شهادة حضارية تحب الحياة والعلم والمشاركة والبناء والتعمير، تحب ما أحبه الله وتكره ما كرهه من سرف وفساد وطغيان، تحب هذه الحياة وتفتح قلبها له.

ولا يكون الشهيد شهيدًا إلا بهذا؛ لأن الشهيد حَسَن العلاقة مع مخلوقات الله كلها، مع الإنسان والحيوان، بل وكل الأكوان.

الشهيد يتعمق في فهم الكون ويتعامل معه بالرفق والرحمة والتعمير

فالشهيد سيتعمق في عقل المسلم حتى يتبين له أن هذا الكون يسبح ويسجد، وأنه مسخرٌ بإذن الله له، فتعامله معه دائمًا رفيقًا رقيقًا رحيمًا عليمًا، مبنيٌ على التعمير لا التدمير.

شهادة لله، شهداء لله. فاللهم اجعلنا من الشهداء لك يا أرحم الراحمين. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.