سورة المائدة | حـ908 | 8 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ908 | 8 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • الآية الكريمة "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط" تدعونا لإقامة العدل والشهادة لله.
  • كلمة "شهداء" مشتقة من الرؤية التي تأتي بمعنيين: رؤية بصرية عينية، ورؤية ذهنية أو منامية.
  • الرؤية مرتبطة بالعلم، والعلم إما تصور أو تصديق، فمن رأى علم، ومن شاهد رأى.
  • الشهادة مرتبطة لغوياً بالشهد (العسل) الذي يجمع بين حلاوة الطعم وفائدة المضمون.
  • الشهد مثال على ما يكون ظاهره وباطنه مطلوباً، بخلاف البصل والثوم اللذين فائدتهما عالية لكن رائحتهما كريهة.
  • الشهيد الحضاري والشهيد في سبيل الله يمثلان خلاصة الخلاصة كالشهد.
  • القسط هو العدل وهو النصيب، فالعدل جزء أساسي من الملك والحياة والاجتماع البشري.
  • افتقاد العدل يعني افتقاد شرعية الحياة، فالظلم ظلمات يوم القيامة.
  • يعلمنا الله في هذه الآية كيف نحيا بأن نكون قوامين لله شهداء بالقسط.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية الشهادة بالقسط من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ﴾ [المائدة: 8]

وكلمة «شهداء» مكونة من هذه الحروف التي لها دلالة في الاشتقاق الكبير بل والصغير في المعجم العربي.

دلالة مادة شهد على الرؤية بأنواعها البصرية والذهنية والمنامية

فـ**«شَهِدَ»** منها الرؤية، والرؤية فيها وجهان: بالتاء مرة وبالألف مرة. أما التي بالتاء فهي الإبصار العيني، وأما التي بالألف فتأتي من المنام أو من الرأي الذهني.

والرؤية أو الرؤيا — سواء كانت البصرية العينية أو الذهنية الحاضرة أو المنامية — كلها متعلقة بالعلم؛ فإن من رأى عَلِمَ، لأن العلم أوله تصوُّر، والتصور هو إدراك المفرد في الذهن، وثانيه تصديق، والتصديق إدراك النسبة على جهة الإذعان واليقين، وكلاهما علم.

فـالعلم إما أن يكون تصوُّرًا أو تصديقًا، فمن رأى عَلِمَ، فمن شاهد رأى. وعلى ذلك فهناك مشاهدات ظاهرية وباطنية، وكلها متعلقة بالعلم.

العلاقة بين حروف الشين والهاء والدال وعسل النحل والشهد

وهذه الحروف التي اختارها الله سبحانه وتعالى لذلك الأمر — الشين والهاء والدال — تعبر أيضًا عن أمر آخر عجيب غريب خلقه الله لنا مثالًا ومدحه وجذب قلوب الناس إليه، وهو عسل النحل.

جعله [الله] حلوًا وجعل فيه شفاءً للناس، وأقام عليه مملكة النحل، وفيها من سنن الله الكونية ما الله به عليم وما يتعلم منه الإنسان. وسمّى العرب العسل «شَهْدًا»، فـ«شَهِدَ» نفس الحروف.

كيف كان العربي يربط بين معاني الشهادة والشهيد والشهد عند سماع القرآن

وكان العربي إذا ما استمع إلى القرآن فإنه يستمع إليه بهذه الروح؛ يربط ولو في نفسه من الداخل، ولو في ذهنه في باطنه، بين الشهادة والشهيد والشهد.

ويرى في ذلك شيئًا مرهوبًا فيه، تتوجه إليه النفوس، تريده، تحبه، تتعلق به، ترى الفائدة فيه كامنة؛ فهو لذيذ الطعم وهو مفيد المضمون.

الفرق بين ما هو لذيذ الظاهر ومفيد الباطن وضرب المثل بالبصل والشهد

هناك أمثلة يكون فيها الأمر لذيذًا في ظاهره غير مفيد في باطنه، أو مفيدًا في باطنه غير مطلوب في ظاهره، لكن هذا [الشهد] جمع بين الاثنين: الظاهر والباطن، فهو خير كله.

البصل مفيد جدًا، قيمته الغذائية عالية جدًا، خاصة إذا ما أُكِل نيئًا — يعني الطبخ يُذهِب بعض فائدته — وبالرغم من ذلك إلا إنه كريه الرائحة، بمعنى إنه يسبب لنا مشاكل اجتماعية. وإن كانت هناك فائدة صحية، إنما رائحته الكريهة استوجبت قول النبي صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «لا يقرب مسجدنا من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين»

أي [خبيثتين] في رائحة، ولكن الثوم والبصل هما شيء مفيد جدًا وفائدتهما عالية، والله [أعلم].

الشهد جمع بين لذة الظاهر وفائدة الباطن وعلاقته بمعنى الشهيد

أما الشهد فهو ظاهر باطن مطلوب.

هل الشهد هو عين العسل أو أنه نوع مخصوص من العسل؟ يقول لك: هذا الشهد يُطلق على غذاء الملكات، فيه أيضًا معنى آخر أشد؛ فكأنه خلاصة الخلاصة.

فـالشهيد الحضاري، ومثله الشهيد الذي قُتل في سبيل الله وهو يدافع عن البشريات عبر القرون، هي خلاصة الخلاصة. هكذا يفهم العرب؛ يربطون بين المعاني المعجمية.

حرص اللغويين على جمع المعاني المعجمية لفهم جو القرآن الكريم

ولذلك كان اللغويون حريصين على جمع هذه المعاني كلها في مادة واحدة؛ عندما تفتح صفحة في القاموس أو في لسان العرب أو غيره، تجد كل المعاني تحت بعضها هكذا، وذلك لكي تعيش في جو القرآن.

معنى القسط في القرآن وعلاقته بالعدل والنصيب والجزء

شهداء بالقسط، والقسط هو العدل، والقسط هو النصيب. فلما كان العدل كأنه جزء — لأنه جزء لا يتجزأ من المُلك ومن النجاح ومن مسيرة الحياة — فإن:

قال رسول الله ﷺ: «الظلم ظلمات يوم القيامة»

والعدل أساس المُلك، فهو جزء منه. فإذا خلا المُلك من العدل وكان الملك ظالمًا فقد شرعيته، فقد جزءًا مهمًا منه وركنًا ركينًا فيه لا يتجزأ عنه، فهو قسط.

فـالقسط النصيب، والنصيب الجزء، والجزء أُطلق على العدل. لماذا؟ [لأن] العدل جزء بأي شيء [يتعلق به]؛ فلا بد أن يكون جزءًا منك هذا العدل، ولابد أن يكون جزءًا من المُلك هذا العدل، ولابد أن يكون جزءًا من الحياة هذا العدل، ولابد أن يكون جزءًا من الاجتماع البشري هذا العدل.

افتقاد العدل سخافة تفقد الحياة شرعيتها والآية تعلمنا كيف نحيا

ولذلك فإن السخافة التي نعيشها في عالمنا اليوم عندما نفتقد العدل، سخافة ما بعدها سخافة؛ لأننا إذا افتقدنا العدل افتقدنا شرعية الحياة.

وربنا في هذه الآية يعلمنا كيف نحيا: أن نكون قوامين لله شهداء بالقسط.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.