سورة المائدة | حـ910 | 9 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ910 | 9 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • يشرح النص آية {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} كنموذج للآيات المستقلة التي تصلح للفهم بذاتها مع ارتباطها بالسياق.
  • تفسير الآية ضمن سياقها يخص الذين كانوا قوامين لله شهداء بالقسط، عادلين حتى مع من يكرهونهم.
  • خارج السياق، تشمل الآية كل من آمن وعمل صالحاً عبر التاريخ من أتباع الأنبياء وغيرهم ممن لم تصلهم الرسالات.
  • جعل الله الإيمان والعمل الصالح مقياساً للرضا الإلهي ليس للمسلمين فقط بل للعالمين.
  • الإسلام يربي المسلمين على الانفتاح للجميع من خلال صيغ شاملة كـ "رب العالمين" لا "رب المسلمين".
  • الفاتحة مثال على النسق المفتوح الذي يشمل الجميع دون تمييز بين رجل وامرأة.
  • يربي الإسلام المسلم على الإيمان بالماضي والحاضر والمستقبل والتواصل مع العالم على أساس الإيمان والعمل الصالح.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة في آية من سورة المائدة تصلح أن تكون مستقلة بذاتها

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر قاعدة عامة في آية كريمة تصلح لأن تكون آية مستقلة، أي خارج السياق والسباق، بمعنى أنها وحدها قائمة بذاتها من غير نظر لما قبلها ودون النظر إلى ما بعدها.

وهذا لا يمنع مع استقلالية الآية أن يكون لها تعلق ولابد بما قبلها وما بعدها، إلا أنها مع ذلك فهي أيضًا تصلح لأن تكون مستقلة. قال تعالى:

﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 9]

فهم الآية في سياقها مع آية الأمر بالعدل والقسط

فإذا ما نظرنا إلى ما قبلها وفهمناها في السياق، فما قبلها يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 8]

وَعَدَ اللهُ إذن، فالله قد وعد هذا الصنف المخصوص الذي كان قائمًا لله شهيدًا بالقسط، عادلًا ولو على نفسه وأهله، ولا يجرمنه شنآن قوم أن يظلم، لكنه عادل في كل الأوقات حتى مع شنآن هؤلاء القوم وكراهيتهم. حينئذ وعد الله هذا الصنف المخصوص.

فهم الآية خارج السياق وشمول الوعد لكل مؤمن عامل بالصالحات

ولو فهمناها خارج السياق، فالله سبحانه وتعالى وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات مطلقًا، سواء أكانوا من أولئك الذين اختُبروا بالعدل أو لم يكونوا من أولئك الذين اختُبِروا بالعدل.

فالعدل بلاء وامتحان يمتحن الله به عباده؛ فمن عدل فقد أطاع الله، ومن ظلم فقد عصى الله سبحانه وتعالى. والبلاء قد يقيمه الله سبحانه وتعالى في طريقك في حياتك، وقد يعفيك من هذا ويبتليك ببلاء آخر كالصلاة والصيام والحج، يختبرك فإن نجحت في هذا فأنت ناجح، وإن لم تكن كذلك فالله سبحانه وتعالى يعفو عنك ويردك إليه ردًّا جميلًا.

نوع من الآيات يصلح تفسيره في السياق وفي الاستقلال معًا

إذا تعلمنا هذه الآية صنفًا من الآيات ونوعًا من التفسير يصلح لأن نفسره في السياق ويصلح أن نفسره في الاستقلال. وهذه واحدة من تلك الآيات التي يمكن أن نفهمها في سياق الآيات وسباقها، ويمكن أن نفهمها وحدها.

﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ [المائدة: 9]

ولم يقل "منكم"، وعلى ذلك فوعد الله هذا يشمل كل من آمن به وعمل صالحًا عبر التاريخ، من أتباع الأنبياء، وحتى من أولئك الذين آمنوا ولم تصلهم أخبار الأنبياء من أهل الفترة؛ فإن هنا جعل الله الأمر عامًّا ووعد كل من آمن به سبحانه وتعالى.

شمول الوعد الإلهي لكل مؤمن عامل بالصالحات عبر التاريخ

وقرن [الله سبحانه وتعالى] هذا الإيمان بالعمل الصالح، سواء أكان من أتباع الأنبياء وخاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أو لم يكن كذلك بأن كان مؤمنًا بالله يعمل صالحًا لم تصله أخبار الأنبياء عبر التاريخ.

ولقد رأينا في مؤلفات المصنفين وأدب الأدباء وشعر الشعراء هذا المعنى؛ رأينا إيمانًا بالله ورأينا عملًا صالحًا، ولكن رأيناه مع أتباع الأنبياء ورأيناه مع غير أتباع الأنبياء. هنا عندما يُطلَق يعني أن الله سبحانه وتعالى جعل هذين الأمرين مقياسًا لرضاه: الإيمان والعمل الصالح.

﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ [المائدة: 9]

الفاتحة تربي المسلم على الانفتاح للعالمين لا للمسلمين فقط

بعض الناس عندما ينظر إلى هذه الآية: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يتبادر إلى ذهنه المسلمون فقط، ودين المسلمين وهو يُربي المسلمين ويؤهلهم لأن ينفتح قلبهم للعالمين.

حتى من بداية الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم،

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]

لا، ليس رب المسلمين، الذي في الفاتحة رب العالمين، اليوم وبالأمس وغدًا، المسلم وغير المسلم. لقد كان من الممكن أن يجعلها رب المسلمين، أي الذين أسلموا له وخضعوا له وامتثلوا أوامره إلى آخره وآمنوا بسيد الكونين صلى الله عليه وسلم، لكنه يهيئ عقلك ووجدانك ويفتح قلبك لأن تكون مهيأً للتعامل مع العالمين.

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]

ومن هذا ومن غيره.

الفاتحة لا تميز بين الرجال والنساء بخلاف صلوات بعض الأديان

يعني لو تأملنا هذه الفاتحة التي يكررها المسلم، تجد أنها لم تميز بين الرجال والنساء. وفي صلوات بعض الأديان: "الحمد لله الذي خلقتني ذكرًا حسنًا".

وبعد ذلك، أريد أن أفهم: كيف تصلي المرأة عندهم؟ ليس لدينا مثل هذا؛ عندنا النساء والرجال يقفون في جماعة واحدة ويقولون: بسم الله الرحمن الرحيم،

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]

حسنًا، هذا وهو يقول له: "الحمد لله الذي خلقني ذكرًا"، إنها مشكلة تحتاج إلى تأويل، تحتاج لفهم الأمر.

فماذا تقول النساء؟ فإما أنهن لا يصلين، وهذا ما تقوله بعض المذاهب [عندهم]، يقولون إن النساء لا يصلين وإنما الرجال فقط هم الذين يصلون، وحتى الرجال لا يصلون إلا عند بلوغهم الأربعين فقط، وحتى عندما يبلغون الأربعين يجب أن يأذن لهم سيد الطائفة.

الفاتحة نسق مفتوح يشمل كل الناس ويربي على الإيمان بالماضي والحاضر والمستقبل

توجد مثل هذه الأفكار [في بعض الأديان]، إنما لا يوجد ذلك عند المسلمين. فأنت عندما تقرأ الفاتحة ستجد أنها نسق مفتوح وأنها تشمل كل الناس من الرجال ومن النساء.

بل إنها تربي عقل المسلم على أن يؤمن بالماضي وأن يؤمن بالحاضر وأن يؤمن بالمستقبل، وأنه ليس بيننا وبين العالمين إلا الإيمان والعمل الصالح وعمارة الأرض.

﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 9]

وإلى لقاءٍ آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.