سورة المائدة | حـ911 | 10 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •الآية "والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم" يمكن تفسيرها ضمن سياقها أو كآية مستقلة.
- •ترتبط الآية بما قبلها من الأمر بالقيام لله والشهادة بالقسط والعدل، فمن لا يلتزم بالعدل والشهادة لله يدخل في زمرة من كفر وكذب.
- •يمكن اعتبار الآية بياناً عاماً عن مصير الكافرين المكذبين بآيات الله.
- •قضية الكون الأساسية هي أنه مخلوق لخالق، وهذا ما يفصل أهل الأديان عن أهل الإلحاد.
- •الإسلام يصرح بأن الخالق واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد.
- •وصف القرآن الله بأكثر من 150 صفة، ووصفه الرسول بأكثر من 160 صفة.
- •أسماء الله الحسنى تجاوزت 220 صفة تجيب على كل ما يخطر في ذهن الإنسان من تعبد.
- •أسماء الله صفات بلغت المنتهى، فإذا أطلقت انصرف الذهن إلى الله مباشرة.
- •معرفة الإنسان بأنه مخلوق تؤدي إلى معرفة الله الخالق.
مقدمة الحلقة وبيان موضوع الآية من سورة المائدة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى آية من الآيات التي تصلح أن تكون لها الدلالة الاستقلالية، وأن تُفسَّر في السياق والسباق. وهذا النوع من الآيات سبق في حلقة ماضية أن عالجنا واحدة منها، واليوم مع قوله تعالى:
﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِـَٔايَـٰتِنَآ أُولَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾ [المائدة: 86]
تفسير الآية في سياقها من باب الترغيب والترهيب والثواب والعقاب
فهذه الآية يجوز أن نفسرها مع ما قبلها في سياقها؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا بأن نقوم لله، وأن نكون شهداء بالقسط، وأن نعدل. ثم وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات مطلقًا من المسلمين وغير المسلمين بالمغفرة والأجر العظيم.
وهنا لو ربطنا هذه [الآية] بما سبقها فإنه أيضًا من باب الترغيب والترهيب، من باب بيان الثواب والعقاب، من باب الأمر والنهي. فإنه سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِـَٔايَـٰتِنَآ﴾ [المائدة: 10]
أي كفروا وأفسدوا، كفروا ورفضوا وعادوا كلام الله سبحانه وتعالى.
المقابلة بين الإيمان والكفر في آيات سورة المائدة وبيان جزاء الكافرين
هناك في آية:
﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ [المائدة: 9]
وهنا:
﴿كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِـَٔايَـٰتِنَآ﴾ [المائدة: 10]
﴿أُولَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾ [المائدة: 10]
نعوذ بالله من الجحيم. إذن هذه الآية يمكن أن تُفسَّر أن الذي لا يقوم بالعدل وبالقسط، والذي لا يقوم أيضًا بالشهادة لله، فإنه يكون قد كفر وقد كذَّب. والكفر والكذب كلاهما منهي عنه من عند الله سبحانه وتعالى.
استقلالية الآية في الحكم على كل من كفر بالله رب العالمين
ويمكن أن تكون [الآية] مستقلة عامة يتكلم فيها ربنا عن كل الذين كفروا، سواء أكانوا من أولئك الذين رفضوا ما تقدم [من الأوامر بالعدل والقسط]، أو كانوا لم يستمعوا إليه ولم يروه ولا يعرفون عنه شيئًا، لكنهم كفروا بالله رب العالمين.
فإن قضية هذا الكون هي أنه مخلوق لخالق، وهذا هو الفاصل بين أهل الأديان وأهل الإلحاد.
الفرق بين أهل الإلحاد وأهل الأديان وموقف الإسلام من وحدانية الخالق
أهل الإلحاد قالوا: اتركونا وشأننا نفعل ما نشاء بعقولنا، لا علاقة لنا بأننا مخلوقون لخالق، بل إننا لا نؤمن بهذا الخالق. وأهل الأديان قالوا إن هناك خالقًا.
الإسلام أعلنها صريحة مدوية؛ أن هذا الخالق واحد أحد، فرد صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. وأنه هو الرزاق، وأنه هو العليم، وأنه هو المريد، لا رادَّ لإرادته سبحانه وتعالى.
وصف القرآن والسنة لله تعالى بأكثر من مائتين وعشرين صفة
وجلس القرآن يصف ربنا سبحانه وتعالى بما لم يصفه كتاب قط، فوصفه بأكثر من مائة وخمسين صفة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصف ربنا بأكثر من مائة وستين صفة.
وما ورد في الكتاب والسُنَّة من أسماء الله الحسنى أكثر من مائتين وعشرين صفة، تبين لك وتجيب على كل ما يخطر في ذهن الإنسان من تعبُّد. نعم، نحن نعرف من نعبد، ومن عرف ربه عرف نفسه، ومن عرف نفسه عرف ربه.
معرفة النفس طريق لمعرفة صفات الله تعالى من خلال المقارنة
فلو عرفنا أنفسنا بأننا من المخلوقين، عرفنا ربنا بأنه هو الخالق لنا بداية؛ فهو الله الأول لا بداية له، ولنا نهاية فهو الآخر لا نهاية له.
علمنا محدود محصور، لكنه هو الله سبحانه وتعالى العليم. إرادتنا قاصرة على اختيارنا وقدرتنا، لكن قدرته وإرادته سبحانه وتعالى لا نهاية لها.
الفرق بين الاسم والصفة ولماذا سُميت صفات الله أسماءً حسنى
والفرق بين الاسم والصفة: أن الاسم عَلَمٌ على الذات، والصفة معنى قائم بالذات.
فَلِمَ أسمينا صفاته سبحانه وتعالى أسماءً: عليم، حليم، حكيم، عظيم؟ فهذه كلها صفات، فلماذا نسميها أسماء الله الحسنى؟ قال [العلماء]: لأنها بلغت إلى الغاية والمنتهى الذي لا مزيد عليه، بحيث لو أُطلقت انصرف الذهن إليه سبحانه.
مَن الرحمن؟ الله جل جلاله، نعرفها هكذا مباشرة. والرحيم مَن؟ الله. والعليم مَن؟ الله. إذن فهي أسماء.
فما هو الاسم؟ الاسم عَلَمٌ على الذات، هذا تعريف الاسم. ولكن هذه معانٍ قائمة في الذات وهذه صفات. صحيح هي بالفعل صفات، لكنها بلغت إلى المنتهى، إلى النهاية، إلى ما لا شيء وراءها، فلما أُطلقت انصرف الذهن إليه سبحانه.
اسم الله الأعظم وبيان أن الصفات المطلقة تنصرف إلى الله وحده
وبناءً على ذلك كأن اسمه تعالى الله. ولذلك فإن بعض الناس يسأل: ما هو اسم الله الأعظم؟ إنه الله.
حتى هذه الصفات: مُريد أو قدير أو عظيم، يمكن أن نَصِف بها بعض المخلوقات، ولكن يجب أن تكون مقيدة، ولا بد ألا يذهب ذهنك إليها [إلى الله] عندما أقول لك كريم.
هل أقصد بذلك الله سبحانه وتعالى؟ لا، بل نقصد بها ولدًا اسمه كريم وقد سميناه كريم، أو أقصد بها هذا الفرس نسميه كريم. نعم، ولكن هذا شيء مختلف.
يعني مثلما نحن نوصف بأننا مؤمنون، مؤمن، والله تعالى قد وُصِفَ بأنه مؤمن بنص القرآن.
﴿كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63]
هنا في الآية يصف البحر بأنه عظيم، ولكن هذا يلزمه التقييد، أي ذهنك لا يذهب بعيدًا.
قصة السادة النقشبندية مع من يقول يا كريم وأدب التعامل مع أسماء الله
نعم، نحن خارجون من المسجد هكذا ونقول: يا كريم، يعني: يا رب. وكان السادة النقشبندية عندهم إذا سمعوا أحدًا يقول: يا كريم، أعطوه شيئًا فورًا؛ يُخرج ما في جيبه ويعطيه له، بمعنى أنه حين يقول أحد [يا كريم] كأنه يطلب رزقًا.
ففي أحد المرات كان هناك شيخ وتلميذه صاعدين الدرج، فقال التلميذ: يا كريم هكذا، أي ذكَرَ الله. فأخرج له الشيخ نقودًا من جيبه وأعطاها إياه. فقال له التلميذ: ما هذا؟ فأجابه الشيخ: إن الذي يقول عندنا [السادة النقشبندية] 'يا كريم' فلا بد أنه محتاج إلى نقود، فنعطيها له حتى يكون الله تعالى بذلك قد استجاب دعوته.
وجوب العيش مع أسماء الله الحسنى والختام بالآية الكريمة
الشيخ داعيًا: يا كريم، لا بد علينا أن نعيش مع أسماء الله؛ لأن الله تعالى قد وصف نفسه بما فيه الكفاية.
﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِـَٔايَـٰتِنَآ أُولَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾ [المائدة: 10]
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
