سورة المائدة | حـ911 | 10 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى آية من الآيات التي تصلح أن تكون لها الدلالة الاستقلالية وأن تُفسَّر في السياق والسباق، وهذا النوع من الآيات سبق في حلقة ماضية أن عالجنا واحدة منها، واليوم مع قوله تعالى: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ"[المائدة: ٨٦] فهذه الآية يجوز أن نفسرها
مع ما قبلها في سياقها، لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا بأن نقوم لله، وأن نكون شهداء بالقسط، وأن نعدل، ثم وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات مطلقاً من المسلمين وغير المسلمين بالمغفرة والأجر العظيم، وهنا لو ربطنا هذه بما سبقها فإنه أيضاً من باب الترغيب والترهيب، من باب بيان الثواب والعقاب، من باب الأمر والنهي، فإنه سبحانه وتعالى يقول: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا"[المائدة: ١٠]. أى كفروا وأفسدوا، كفروا
ورفضوا وعادوا كلام الله سبحانه وتعالى. هناك فى آية "الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ"[المائدة: ٩] وهنا: "كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا"[المائدة:١٠]. "أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ"[المائدة:١٠]. نعوذ بالله من الجحيم، إذّن هذه الآية [المائدة: ٨] يمكن أن تُفسَّر أن الذي لا يقوم بالعدل وبالقسط، والذي لا يقوم أيضًا بالشهادة لله، فإنه يكون قد كفر وقد كذَّب، والكفر والكذب كلاهما منهي عنه من عند الله سبحانه وتعالى. ويمكن أن تكون مستقلة
عامة يتكلم فيها ربنا عن كل الذين كفروا، سواء أكانوا من أولئك الذين رفضوا ما تقدم، أو كانوا لم يستمعوا إليه ولم يروه ولا يعرفون عنه شيئاً لكنهم كفروا بالله رب العالمين. فإن قضية هذا الكون هي أنه مخلوق لخالق، وهذا هو الفاصل بين أهل الأديان وأهل الإلحاد. أهل الإلحاد قالوا: اتركونا وشأننا نفعل ما نشاء بعقولنا، لا علاقة لنا بأننا مخلوقون لخالق، بل إننا لا نؤمن بهذا الخالق. وأهل الأديان قالوا إن هناك خالقاً.
الإسلام أعلنها صريحة مدوية؛ أن هذا الخالق واحد أحد، فرد صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وأنه هو الرزاق، وأنه هو العليم، وأنه هو المريد، لا راد لإرادته سبحانه وتعالى. وجلس القرآن يصف ربنا سبحانه وتعالى بما لم يصفه كتاب قط، فوصفه بأكثر من مائة وخمسين صفة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصف ربنا بأكثر من مائة وستين صفة، وما ورد في الكتاب والسُنَّة من أسماء الله الحسنى أكثر من مائتين وعشرين صفة، تبين لك،
وتجيب على كل ما يخطر في ذهن الإنسان: من تعبُّد، نعم نحن نعرف من نعبد، ومن عرف ربه عرف نفسه، ومن عرف نفسه عرف ربه. فلو عرفنا أنفسنا بأننا مخلوقين، بأننا من المخلوقين، عرفنا ربنا بأنه هو الخالق. لنا بداية فهو (الله) الأول لا بداية له، ولنا نهاية، فهو الآخر لا نهاية له، علمنا محدود محصور لكنه هو (الله، سبحانه وتعالى) العليم، إرادتنا قاصرة على اختيارنا وقدرتنا، لكن قدرته وإرادته (الله، سبحانه وتعالى) لا نهاية
لها. والفرق بين الاسم والصفة: أن الاسم عَلَمٌ على الذات، والصفة معنى قائم بالذات، فَلِمَ أسمينا صفاته سبحانه وتعالى أسماءً: عليم، حليم، حكيم، عظيم؟، فهذه كلها صفات، فلماذا نسميها أسماء الله الحسنى؟، قال لأنها بلغت إلى الغاية والمنتهى الذي لا مزيد عليه بحيث لو أُطلقت انصرف الذهن إليه سبحانه. مَن الرحمن؟ "الله" جل جلاله، نعرفها هكذا مباشرةََ. والرحيم مَن؟ "الله"، والعليم مَن؟ "الله"، اذن فهي أسماء، فما هو الاسم؟ الاسم "علمً على الذات"، هذا تعريف "الإسم". ولكن
هذه معانٍ قائمة في الذات وهذه صفات، صحيح هي بالفعل صفات لكنها بلغت إلى المنتهى، إلى النهاية، إلى ما لا شيء وراءها، فلما أُطلقت انصرف الذهن إليه سبحانه. وبناءََ على ذلك كأن اسمه تعالى"الله"، ولذلك فإن بعض الناس يسأل: ما هو اسم الله الأعظم؟: إنه "الله"، حتى هذه الصفات: مُريد أو قدير أو عظيم، يمكن أن نَصِف بها بعض المخلوقات، ولكن يجب أن تكون مقيدة، ولا بد ألا يذهب ذهنك إليها. عندما أقول لك "كريم"، هل أقصد بذلك الله سبحانه وتعالى، لا، بل نقصد بها ولد اسمه "كريم"، وقد سميناه كريم، أو أقصد بها هذا الفرس نسميه كريم، نعم، ولكن هذا شيء
مختلف، يعني مثلما نحن نوصف بأننا "مؤمنون"، مؤمن والله تعالى قد وُصِفَ بأنه "مؤمن" بنص القرآن، " كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ" [الشعراء:٦٣] هنا فى الآية يصف البحر بأنه عظيم، ولكن هذا يلزمه التقييد، أى ذهنك لا يذهب بعيداً. نعم نحن خارجون من المسجد هكذا ونقول: "يا كريم"، يعني: "يا رب". وكان السادة النقشبندية عندهم إذا سمعوا أحداً يقول: "يا كريم" أعطوه شيئاً فوراً، يُخرج ما في جيبه ويعطيه له، بمعنى أنه حين يقول أحدا كأنه يا كريم أى كأنه يطلب رزقاََ، ففى أحد المرات كان هناك شيخ وتلميذه صاعدين الدرج، فقال التلميذ: "يا كريم" هكذا، أي ذكَرَ الله، فأخرج
له الشيخ نقوداً من جيبه وأعطاها إياه، فقال له التلميذ: "ما هذا؟" فأجابه الشيخ: "إن الذي يقول عندنا (السادة النقشبندية) 'يا كريم' فلا بد أنه محتاج إلى نقود، فنعطيها له حتى يكون الله تعالى بذلك قد استجاب دعوته. الشيخ داعياََ: "يا كريم". لا بد علينا أن نعيش مع أسماء الله، لأن الله تعالى قد وصف نفسه بما فيه الكفاية. "وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ" [المائدة: ١٠]. وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.