سورة المائدة | حـ912 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يأمرنا الله تعالى في سورة المائدة بذكر نعمه علينا، خاصة في حمايتنا ممن يريدون بسط أيديهم إلينا.
- •الإيمان يتضمن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، مع معرفة الله بأسمائه وصفاته.
- •الإسلام دين واضح وليس فيه أسرار محجوبة، فكتبه متاحة للجميع ومعلوماته واضحة للعالم والجاهل.
- •مقتضى الإيمان أن يقوم العبد حيثما أراده الله، وأن يحقق الغاية من خلقه وهي العبادة.
- •العبادة تشمل الذكر والشكر والفكر وتنفيذ الأوامر، وكلمة "الحمد لله" تتضمن نسبة كل الحمد لله.
- •ذكر النعم يقتضي شكر الله عليها، وهذه النعم محيطة بالإنسان من كل جانب.
- •القصد عند الإنسان له خمس مراتب هي: الهاجس، والخاطر، وحديث النفس، والهم، ثم العزم المؤكد.
افتتاح الدرس وتلاوة آية تذكير المؤمنين بنعمة الله من سورة المائدة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱذْكُرُوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: 11]
مقتضى الإيمان وأركانه الستة كما جاء في حديث جبريل المشهور
هنا يأمرنا ربنا سبحانه وتعالى بمقتضى الإيمان: يا أيها الذين آمنوا، ومعنى أنك مؤمن أنك آمنت بالله وبكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وكتب الله ووحيه إلى أنبيائه.
ولذلك فـأركان الإيمان ستة، وفي حديث جبريل المشهور الذي تعرفونه أنه دخل فسأل رسول الله ﷺ:
ما الإيمان؟ ما الإسلام؟ ما الإحسان؟
فلما سأله ما الإيمان قال:
«أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره»
معرفة الله بأسمائه الحسنى وصفاته دون التفكر في ذاته سبحانه
الإيمان يا أيها الذين آمنوا، أنت آمنت بالله، ولما آمنت بالله آمنت به معروفًا معلومًا مدلولًا عندك في ذهنك بما وصف الله به نفسه. أسماء الله الحسنى تعرفه جيدًا جدًّا، حتى لو لم تطَّلع على ذاته؛ فإن التفكر في ذات الله إشراك.
والله كل ما خطر على بالك فالله بخلاف ذلك؛ فـالرب رب والعبد عبد، وهناك فارق بين المخلوق والخالق، مسألة واضحة.
﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]
إله خالق رازق محيي مميت، بيده الملك، بيده ملكوت كل شيء، الدنيا والآخرة، الظاهر والباطن، وهو على كل شيء قدير، وهو بكل شيء محيط، وهو بكل شيء عليم. واضح، لا أحد يستطيع أن يقول لنا إنكم تعبدون شيئًا غير واضح، لا.
وضوح العقيدة الإسلامية عند جميع المسلمين وعدم وجود أسرار في الدين
والغريب العجيب أنه [أي: معرفة الله تعالى] واضح في أذهان كل الناس من المسلمين: عالمهم وجاهلهم، صغيرهم وكبيرهم، رجالهم ونسائهم، البدوي والحضري، الكل.
ليس هناك سرٌّ في ديننا إلا ما كان بين العبد وربه من استجابة الدعاء، من النعم المتتالية؛ فهي سرٌّ بين العبد وربه. ولكن لا يوجد سرٌّ في المعلومات؛ فنحن نطبع المصحف ونضعه في كل مكان، ومن يريد أن يترجم معانيه فليترجمها.
واضح أن كتبنا موجودة في كل مكان، وليس عندنا كتب محظورة مخفية مغلق عليها. ليس لدينا أسرار يعرفها علماء الدين ولا يعرفها العامة أبدًا، لا يوجد.
توضيح أن بعض المسائل تُؤخَّر للشرح الوافي لا للإخفاء عن الناس
في بعض الأحيان يقول لك [العالم]: لا تخبر الناس بهذه المسألة حتى لا يرتبكوا. حسنًا، إذن لمن أقولها؟ لطلبة العلم، نقولها لطلبة العلم.
هل طلبة العلم تُقال لهم علنًا هكذا؟ نعم، علنًا؛ فهي ليست سرًّا. أنا خائف فقط ألّا يفهموها، من أن الوقت لا يسمح بأن أشرحها جيدًا. ولذلك أكتبها وأكتب فيها كتابًا وأنشره، فقد شرحتها جيدًا، ها هو. لا توجد أسرار، لا يوجد شيء خفي.
مقتضى الإيمان أن تقوم حيثما أرادك الله وتفهم حكمة الخلق للعبادة
وهنا يقول: يا أيها الذين آمنوا، فما مقتضى الإيمان؟ مقتضى الإيمان وقد آمنت بالله أن تقوم حيثما أرادك [الله سبحانه وتعالى]، هذا هو مقتضى الإيمان.
أن تفهم عنه سبحانه وتعالى لِمَ خلق هذه الدنيا: خلقها لعبادته.
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
فينبغي عليك أن تقوم بهذا [أي: بالعبادة].
خطوات العبادة الأربع: الذكر ثم الشكر ثم الفكر ثم الأمر
أولُ العبادة الذكر:
﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
وثاني العبادة الشكر، وثالث العبادة الفكر، ورابع العبادة أن تكون حيثما أمر [الله تعالى].
الأمر عبادة لها خطوات، ها هي أوَّلُها: أن لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله. الذكر ثم بعد ذلك الشكر.
فقال: يا أيها الذين آمنوا اذكروا - هي «اذكروا» هنا لو سكتنا هكذا يكون الذكر - اذكروا نعمته فيكون الفكر.
أنت منتبه للتركيبة: ذكر فشكر ففكر فأمر. إذن أمامنا الذكر: اذكروا، اذكروا نعمة فتكون النعمة جلبت الشكر، واذكروا النعمة تجلب الفكر.
معنى الحمد لله ودلالة الألف واللام بين الاستغراق والجنس
اذكروا نعمة الله عليكم، لا بد من أن تقول الحمد لله تشكر. وكلمة «الحمد لله» كلمة عظيمة؛ الألف واللام فيها للاستغراق، ومعنى الاستغراق أن ترفع الألف واللام وتضع كلمة «كل»: كل حمد لله، هكذا هو، كل حمد لله.
وقد تكون الألف واللام للجنس، جنس الحمد، يعني الحمد على أي نوع من الأنواع، جنسه، المادة الخاصة به هي لله.
أي عندما يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«من لم يشكر الناس لا يشكر الله»
معناها أنك إذا قلت لأحد ممن قدم إليك معروفًا «شكرًا»، فأنت تشكر الله؛ لأن جنس الشكر والحمد هو مختص بالله.
فإما الاستغراق - كل أنواع الحمد لله - وإما للجنس أيضًا كل أنواع الحمد لله ولله.
معنى اللام في الحمد لله بين الاختصاص والملك وشمولية الكلمة
فـالحمد لله يعني مختص بالله أو هو مِلْك الله سبحانه وتعالى إذا كان من حادث. فاللام هنا إما أن تكون للاختصاص وإما أن تكون للمِلْك، أي في مكان الإضافة.
وفي كل الأنواع فإنها كلمة شاملة عجيبة غريبة خفيفة تجعلك ممتثلًا للأمر: تذكر نعمة الله عليك واشكره.
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]
ولذلك لا حول ولا قوة إلا بالله، على قدر المستطاع.
معنى عليكم في الآية وبيان أن المؤمنين غارقون في نعم الله تعالى
اذكروا نعمة الله عليكم، أي متلبسة بكم، أي فوقكم، أي أنتم غارقون فيها، غارقون في نعمة الله.
مراتب القصد الخمس عند الإنسان من الهاجس إلى العزم المؤكد
«إذ همَّ قوم»، «همَّ» هذه مرتبة من مراتب القصد عند الإنسان:
المرتبة الأولى أن يأتي في ذهني صورة شيء وتنصرف، أي شيء. افترض مثلًا أتتني صورة الكعبة مثلًا ومرت في ذهني هكذا وانصرفت، فهذا يسمونه الهاجس.
وافترض أن جاءت صورة الكعبة ووقفت هكذا في ذهني، لا يوجد أي شيء، ذهني لا يفعل شيئًا، لكنها وقفت هكذا، فهذا يكون خاطرًا.
فعندما وقفتُ فترة طويلة بدأت بالتفكير كثيرًا في عقلي: يا الله، لماذا أرى الكعبة؟ أريد أن أذهب إلى الكعبة يا رب، أتمنى أن أذهب إلى الكعبة، ولكن متى؟ هذا الشهر؟ لا، أنا مشغول هذا الشهر، ربما يكون الشهر القادم أفضل، أم أن هذا الشهر أفضل؟ ها! إنه حديث النفس، إذن المرتبة الثالثة حديث النفس.
ثم المرتبة الرابعة هي أن أميل إلى أن أذهب هذا الشهر، فيكون ذلك همًّا.
وبعد ذلك المرتبة الخامسة هي أن أنوي ذلك، ثم ذهبت وقطعت التذكرة وحصلت على التأشيرة، فيصبح هذا الأمر نية أي عزمًا مؤكدًا.
نظم مراتب القصد الخمس وبيان أن المؤاخذة في العزم فقط والختام
مراتب القصد خمس:
هاجس، ذكروا، فخاطر، فحديث النفس، فاستمعا، يليه همّ، فعزم. كلها رُفعت سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا [أي: لا مؤاخذة على شيء منها إلا العزم المؤكد].
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
