سورة المائدة | حـ914 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يشرح النص مفهوم القوة الرادعة في الإسلام من خلال قوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم".
- •القوة في الإسلام ليست للعدوان أو الطغيان، بل هي لردع العدو ومنعه من الاعتداء، وهي مشابهة لمفهوم توازن القوى في العلوم العسكرية الحديثة.
- •تتميز قوة المسلمين بأنها في سبيل الله، هدفها إصلاح الأرض وعبادة الله، بينما قوة أعدائهم تهدف للفساد والكفر.
- •المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، لكن القوة المطلوبة هي التي تخضع لأوامر الله.
- •يذكر الله المؤمنين بنعمته عليهم حين كف أيدي أعدائهم عنهم بعدما هموا بالاعتداء عليهم.
- •تقوى الله تصرف البلاء، ولا ينبغي الإيغال في المادية والبعد عن الدعاء والالتجاء إلى الله.
- •الله يقلب القلوب كيف يشاء، وهو وحده القادر على صرف الأعداء وكف أيديهم.
مقدمة تلاوة آية سورة المائدة عن تذكر نعمة الله على المؤمنين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة وعند قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 11]
فهناك قوم همّوا بمعنى أنهم قد حدّثوا أنفسهم بالقضاء على المسلمين وترددوا في ذلك، فمنهم من قال: لا يمكن أن تصلوا إلى هذا وهم أصحاب شوكة وقوة.
مفهوم القوة الرادعة في الإسلام وتوازن القوى بين الأمم
وهنا علّمنا ربنا سبحانه وتعالى القوة الرادعة عن الشر:
﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]
فعندما يسمع العدو أنني قوي، يمتنع عن شر الاعتداء؛ فقوتي ليست قوة عدوان ولا طغيان ولا اعتداء، إنما قوتي من أجل أن يرهب وأن يمتنع وألا يعتدي عليّ.
تُسمى قوة الردع في العلوم الحديثة العسكرية، يسمونها قوة الردع ويسمونها توازن القوى. قوم يسمحون لباكستان أن يكون لديها قنبلة ذرية لأن الهند لديها قنبلة ذرية. قوم ماذا يحدث؟ توازن وردع، لا أحد يضرب الآخر؛ لأن الذي سيضرب الآخر سيضربه فيحسبُ ألفَ مرةٍ، وإذا لم يكن لديه [ما يردعه]، فيضربه ولا يهتم به.
نظرية الردع القرآنية والفرق بين عداوتنا وعداوة الآخرين
ولذلك لا بد من قوة الردع حتى يحدث توازن. هذه نظرية ربنا هو الذي أخبرنا بها:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]
ولكن انظر كيف أن العدو الخاص بنا قبل كل شيء، الأمر الذي بيننا وبينه هو الله، أي أننا لا توجد بيننا وبينه مصالح نتنازع عليها.
إن ما بيننا وبينه هو أنه يريد أن يُفسد في الأرض ونحن نريد صلاح الأرض، وأننا نريد الناس أن تعبد رب العباد وهو يريد أن يكفر برب العباد، وأننا نريد حماية الإنسان وهو يريد القضاء على الإنسان. الذي بيننا وبينه مسألة في سبيل الله.
الفرق بين قوة المؤمنين وقوة غيرهم وأهمية القوة المؤمنة
هذا هو الفرق بين قوتنا وبين قوة الآخرين؛ نحن نعتز بقوتنا، والمؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، حتى المؤمن الضعيف خير من الكافر.
لكنه مع هذا، ربنا يحب منا القوة، لكنها القوة المؤمنة التي ترعى وجه الله، أوامر الله وفقًا لما يريد الله، وألا تنحرف عن ذلك وإلا صارت كأي قوة غاشمة فاجرة طاغية تريد الفساد في الأرض.
ما الذي يميزنا عن غيرنا؟ إنه الله. فإذا انسحب الله من حياتنا كنا نحن وهم سواء، ولنرَ بعد ذلك من الذي سيغلب. اللهم لا تَكِلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك.
أهمية نصرة الله وتفسير معنى همّ القوم بالبطش بالمسلمين
أنه لو سُحِب الله من حياتنا لأصبحت الحكاية بلا معنى، ولأصبحنا نرى مَن هو القوي ويغلب القوي الضعيفَ وانتهى الأمر. لكن:
﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 11]
يعني حيث، يعني في الوقت الذي، إذ حيث أن همّ قوم حدّثوا أنفسهم أن يبيدوكم وأن يبسطوا أيديهم ويستأصلوا أصلكم ويحطموكم تحطيمًا.
ثم بعد حديث النفس وصل الأمر إلى القرار وإلى الميل وإلى الهمّ، حتى وإنهم إن لم يعزموا عزمًا مؤكدًا بعد، إنما همّوا لما همّوا.
القلوب بين إصبعين من أصابع الله وتقلبها بمشيئته سبحانه
والقلوب بيد الله، قال [رسول الله ﷺ]:
«القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبهما كيف يشاء»
الليل والنهار فالقلوب، سُمي القلب قلبًا لأنه يتقلب بين إصبعين من أصابع الله، يقلبها كيف يشاء.
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
فإذا هؤلاء القوم مالت قلوبهم، أي مال فكرهم، أن يحاربوكم وأن يقضوا عليكم.
كيف كفّ الله أيدي الأعداء وصرف قلوبهم عن المسلمين
وبعد ذلك عندما حدث هكذا، ماذا حدث؟
﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: 11]
وجعلهم يغيرون رأيهم. فمن الذي قلب هذه القلوب؟ إنه الله. ولو كان الرب تركهم على ما هم عليه لكانوا قاموا قومة رجل واحد لكي يقتلوكم جميعًا.
ما الذي صرف قلوبهم؟ إنه الله. فلما صرف قلوبهم صرف أيديهم، وكفّ أيديهم، وأبطل أيديهم.
معنى اليد في لغة العرب بين الجارحة والقوة والسلطان
واليد تُطلق في لغة العرب على هذه اليد الجارحة وعلى القوة:
﴿وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْيدٍ﴾ [الذاريات: 47]
يعني بقوة،
﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47]
قادرون على أن نوسعها بالقوة. فاليد تُطلق ويُراد منها القوة، وتُطلق ويُراد منها البطش، وتُطلق ويُراد منها الجارحة التي لنا، اليد التي لنا.
فهو كفّ أيديهم يعني كفّ سلطانهم وقوتهم وليس أيديهم هذه [الجارحة]؛ لأننا لم نرَ هؤلاء الكفار وأيديهم شُلَّت، لا، ليس هكذا. فأيديهم هنا يجب أن نقول عنها إنها قوتهم، سطوتهم، سلطانهم، سلاحهم، فكرهم الذي كانوا قادمين به لكي يقضوا علينا.
وجوب شكر الله على صرف كيد الأعداء وأثر التقوى في دفع البلاء
فكفّ أيديهم عنكم يستوجب الشكر أم لا؟
ما الذي غيَّر رأيهم؟ يعني ما الذي جعل الهمَّ يتحول إلى نية فيتحول إلى سلوك؟ ما الذي جعلهم يقفون عند الهمّ فقط ثم ينسحبون وينسون؟ ما هنالك [إلا] الله.
إذن فالله صاحب الفضل أن صرفهم عنكم.
﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ﴾ [المائدة: 11]
فكلما اتقينا الله، كلما صرف ربنا سبحانه وتعالى عنا البلاء. وأنا لا أعرف لماذا الناس كلما نقول لهم إن تقوى الله تصرف البلاء، لا يقتنعون! لماذا الإيغال في المادية ولا أعرف لذلك سببًا؟
أهمية الدعاء والتقوى في مواجهة الأوبئة والبلاء والرد على المنكرين
يعني عندما يأتي وباء، وبعد ذلك نقول: لا، إن شاء الله، تقوى الله تحمينا، الدعاء إن شاء الله، ربنا يصدّ عنا هذا ولا يأتينا هذا الوباء.
ويقول [أحدهم]: ومال الدعاء ومال الوباء؟ حسنًا، ماذا تريد؟ ألست تريدنا أن ندعو أم تريد الوباء أن يأتي لكي تشتم الحكومة! هل كانت الحكومة هي التي أحضرته؟ أم ماذا تريد؟
قال: لا، تهتم بأي شيء مدني، لا تهتم بأي شيء مدني. ما هذا المدني؟ الصحة؟ فدع الناس من حولها وبقوتها تقاوم الوباء، لكن أنتم لا تذكروا هذا الوباء أبدًا [بالدعاء والتقوى].
دعاء ختامي بصرف الوباء والغلاء وتليين القلوب القاسية
اللهم اصرف عنا الوباء والغلاء والعقول المتحجرة والقلوب القاسية، اللهم اصرفها عنا جميعًا يا رب العالمين.
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
