سورة المائدة | حـ915 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ915 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • التوكل على الله يعني الرضا بسلطانه والعمل بأوامره والرضا بفضله، مع فهم الفرق بين مكانة العبد ومكانة الخالق.
  • يتطلب التوكل الحقيقي الأخذ بالأسباب مع تعليق القلب بالله، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ بالأسباب كارتدائه الدرعين في أُحُد.
  • ترك الأسباب جهل مخالف لسنة الأنبياء، والاعتماد عليها وحدها شرك، فالمطلوب فعل الأسباب دون الاعتماد عليها.
  • الطير مثال للتوكل الصحيح، فهي تغدو خماصاً وتروح بطاناً، تخرج باحثة عن رزقها ولا تنتظره في أوكارها.
  • لا يمكن التوكل على الله في التعلم دون الذهاب للمدرسة والجامعة والاجتهاد في الدراسة.
  • التوكل ليس ضد العمل بل نعمل ثم نتوكل، كما في الحديث "اعقلها وتوكل".
  • عند نزول الوباء والمصائب يجب اتخاذ الاحترازات والأسباب مع الدعاء، فالدعاء يرد القضاء.
  • التوكل الحقيقي يجمع بين العمل والأمل، الفعل والدعاء، الأخذ بالأسباب وتعلق القلب بالله.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

افتتاح الحلقة وتلاوة آية التوكل من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: 11]

وهذه كلمة جامعة ختم الله بها هذه الآية الشريفة: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، وهي ختام مطلق؛ فإن المؤمنين مطالبون أبدًا وفي كل وقت من أوقات حياتهم، وفي كل حال من أحوالهم، أن يتوكلوا على الله سبحانه وتعالى.

تعريف العلماء للتوكل على الله: الرضا بسلطانه والعمل بأوامره

قال العلماء: التوكل على الله أن تكون راضيًا بسلطانه، عاملًا بأوامره، متعلقًا بفضله؛ هذا هو التوكل.

راضيًا بسلطانه يعني ماذا؟ يعني أنت بشر وهو إله، يعني هو يفعل ما يشاء ويختار، يعني هو لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، فعّال لما يريد، وأنت بشر مخلوق، الله يأمر وأنت تطيع.

الله خلق الإنسان بالاختيار وأمره بالأخذ بالأسباب

فلما خلقك [الله سبحانه وتعالى] خلقك وأمرك بالسبب، أم خلقك كجزء في آلة بلا اختيار؟ لقد خلقني ولي اختيار، وتركني أفعل أو لا أفعل، وأمرني بالعمل.

فأنا تحت سلطانه أرضى بالعمل؛ أحببتَ أن تأكل فلا بُدَّ أن تزرع، وإن أردتَ أن تُسقى فلا بُدَّ أن تحرث الأرض، ولا بُدَّ أن تفتح القنوات، ولا بُدَّ أن تُدخل المياه لتروي الأرض، ولا بُدَّ أن تأتي بالبذور وتزرعها.

التوكل يقتضي الخضوع لسنن الله في الكون وعدم مخالفتها

إياك أن تفعل ذلك [أن تحرث الأرض وتفتح القنوات] ولا تزرع بذورًا وتظن أن القمح سينبت وحده. حسنًا، وإذا وضعت القمح وتدّعي أنه يخرج ذرة، تكون غير خاضع لسلطانه ولا يكون هذا توكلًا.

حسنًا، يمكن ألا أضع البذور لا الخاصة بالقمح ولا الخاصة بالذرة، وأقول: يا رب أنبت ما تريد؟ هذا لا يصح، هكذا لا تكون تحت سلطانه فلا يكون ذلك توكلًا.

إن التوكل لا بد أن ترضى بأنك تحت سلطانه، وهو سبحانه وتعالى قد نوّع فجعل بذرة القمح غير بذرة الذرة، وبذرة الذرة غير بذرة الأرز، وبذرة الأرز غير بذرة الفول، سبحانه وتعالى.

فأنت لا تريد ذلك [مخالفة سنن الله]، أنت تريد أن تزرع فولًا فيخرج لك برسيمًا، وهذا لا ينفع. هذا ليس توكلًا بل هو مخالف لسلطان الله.

النبي ﷺ أخذ بالأسباب في غزوة أحد رغم عصمة الله له

ثانيًا: لا بد عليك من الأسباب؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو سيد الخلق وهو حبيب الرحمن وهو مستجاب الدعاء، إذا أراد أن يخرج إلى أُحُد خالف بين درعين؛ لبس درعًا من الأمام وارتدى درعًا آخر من الظهر.

لماذا هذا والله تعالى يقول له:

﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [المائدة: 67]

فلا ينالك أحد بسوء! أنت نبي، أنت المصطفى، افترض أنك لم ترتدِ الملابس [الدروع]، لن يقتلوك، لن يعرفوك، لن يعرفوا كيف يصلون إليك. لكن الله سبحانه سلطانه غير ذلك، أوامره غير ذلك؛ لقد أمرني بالتوكل وليس بترك الأسباب.

قاعدة العلماء: ترك الأسباب جهل والاعتماد عليها شرك

ولذلك قرر العلماء وقالوا: ترك الأسباب جهل؛ لأنه مخالف لسنة الأنبياء، والاعتماد عليها شرك.

حيّرتمونا! هل نترك الأسباب أم لا نتركها؟ لا، لا تتركها. حسنًا أعتمد عليها إذن؟ لا، لا تعتمد عليها. نعم؛ فإن فعل الأسباب غير الاعتماد عليها؛ تُلقي الحبل ثم تدعو قائلًا: يا رب [وفّقني وأعنّي].

حديث التوكل على الله كما ترزق الطير وبيان معناه

هناك حديث:

قال رسول الله ﷺ: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير»

جميل هكذا، ولكن كيف تُرزق الطير سيدي يا رسول الله؟ قال: «تغدو خماصًا وتروح بطانًا»؛ تغدو يعني في الغدوة أي في الصباح، خماصًا: جائعة، فهي تخرج من أوكارها جائعة، وتروح (ترجع) وهي شبعانة. تغدو خماصًا وتروح بطانًا، أي بطن ممتلئة.

قال العلماء: تغدو وتروح [أي تخرج وتسعى]، ولو أراد الله أن يرزقها في أوكارها لفعل؛ هذا هو حق التوكل.

التوكل يستلزم السعي والعمل لا الجلوس والتمني

لا يمكن أن تجلس في البيت وتقول سأتعلم بمفردي، لماذا؟ واجلس أسبّح! قال تعالى:

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]

هذا لا ينفع، لن يفتح الله عليك أبدًا [بالعلم دون سعي]. لا بد أن تخرج وتشتري الكتاب، وتذهب إلى الأستاذ في المدرسة أو في الكلية، وتمتحن وتنجح وتخفق وتعيد المحاولة مرة أخرى.

عليك أن تكافح في الحياة؛ هكذا التوكل، لا بد أن تكون راضيًا بسلطان الله، ويجب عليك أن تجتهد في العمل. الاجتهاد في العمل يعني أن تبدأ العمل، ويجب عليك أن تكون تحت أمر الله حتى تكون من المتوكلين؛ فإذا لم تفعل فأنت من المتواكلين.

حديث اعقلها وتوكل والفرق بين التوكل وترك العمل

ولذلك ورد في الحديث، وإن كان فيه مقال، أن أحدهم قال: يا رسول الله، أأترك دابتي خارج المسجد؟ أأعقلها وأربطها بالحبل أم أدعها؟ أأعقلها وأتوكل أم أدعها وأتوكل؟ قال [النبي ﷺ]:

«اعقلها وتوكل»

إذن التوكل ليس ضد العمل، بل نعمل ثم لا نعتمد على هذا العمل، بل ندعو ربنا أن يوفقنا إلى ما فيه رضاه.

ولذلك نتعجب من أولئك الذين يعتقدون أن التوكل ترك العمل؛ لم يكن التوكل ترك العمل! وأولئك الذين يعتقدون في أنفسهم الحول والقوة وأن العمل وحده يكفي؛ لم يكن العمل وحده يكفي أبدًا.

لا بد مع العمل من تعلق القلب بالله والدعاء

لا بد مع العمل من تعلق القلب بالله، لا بد مع العمل من الدعاء، لا بد مع العمل من أن نمد أيدينا بالدعاء: يا رب سترك ورضاك.

ولذلك كما ذكرنا في حلقة سابقة، إذا حلّ الوباء في العالم فلا بد علينا أن نتخذ كل الاحترازات توكلًا على الله، ثم ندعو.

الدعاء يرد القضاء ويرفع البلاء مع الأخذ بالأسباب

فأخونا [الذي ينكر أثر الدعاء] لا يريدنا أن ندعو، يصدّ نفسك عن الله! هل نترك ربنا ألا ندعوه؟ افرض أنه جاءت المصيبة، لا يقول لك إن الدعاء لا دخل له بشيء! لا، له سبب ودخل.

والدعاء يرد القضاء، الدعاء يرد القضاء؛ فالدعاء يصدر من الأرض وينزل القضاء فيعتلجان، فيغلب الدعاء القضاء فيرفعه، ويرفع الله البلاء.

لكن كل هذا مع ماذا؟ مع التحرز، مع العمل، مع التوكل الحقيقي.

خاتمة الحلقة: التوكل على الله بالعمل والأمل والدعاء

ولذلك علينا أن نتوكل على الله بالعمل وبالأمل، بالفعل وبالدعاء. علينا أن نتوكل على الله وأن تتعلق قلوبنا بالله.

ولذلك ندعو تاركين من يسخر في هامش التاريخ: يا خفي الألطاف نجّنا مما نخاف.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.