سورة المائدة | حـ923 | 13 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ923 | 13 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • يتحدث النص عن آية من سورة المائدة تخص بني إسرائيل ونقضهم للميثاق، وما ترتب عليه من قسوة قلوبهم وتحريفهم للكلام.
  • يبين أن خيانة النقل والعقل أدت إلى نتائج وخيمة منها سفك الدماء وإنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وتشويه الحقائق.
  • يشدد على أهمية الإنصاف حتى مع المخالفين، فالله يقول "إلا قليلاً منهم" ليعلمنا الإنصاف وعدم التعميم.
  • يدعو إلى كظم الغيظ والعفو والصفح والإحسان حتى للمسيئين، فالعفو هو عدم إيقاع العقوبة، والصفح هو نسيان الإساءة.
  • يستشهد بقصة الإمام الحسن مع الغلام الذي كسر إناء الماء، وكيف عفا عنه وأحسن إليه بعدما ذكره الغلام بالآية "والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين".
  • يؤكد أن هذه القيم الأخلاقية دليل على أن الإسلام دين من عند الله.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان موضوع الآية من سورة المائدة في شأن بني إسرائيل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، ربنا سبحانه وتعالى يقول في شأن بني إسرائيل مقولةً تدعونا إلى الالتزام بميثاقه وعهده، وتبيّن لنا الأمراض التي سوف تتلو عدم الالتزام وعدم التمسك بميثاقه وعهده، وما الذي سيترتب على ذلك.

تعليم الله تعالى للمؤمنين خلق الإنصاف حتى مع فساد الآخرين وانحرافهم

لكنه سبحانه وتعالى يعلّمنا أيضًا شيئًا مهمًّا، يزيد فيه ويكرّره علينا حتى يصل إلى درجة الملكة الراسخة في النفس فينا، وهو الإنصاف. وأنه ينبغي علينا مهما رأينا من فساد وانحراف أن نكون منصفين، وأن نصف الواقع على ما هو عليه.

فيقول [الله تعالى]:

﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: 13]

معنى الخيانة في النقل والعقل وتعبير القرآن عنها بالخائنة الخفية

دائمًا ما داموا قد خانوا النقل وخانوا العقل، فإنك تكتشف مدى الخيانة كل يوم وكل جيل وكل عصر. فعبّر الله بمخالفة النقل والعقل بالخيانة:

﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: 13]

والخائنة هي خيانة خفية لا يعترف بها صاحبها، ففيها نوع من أنواع الستر والتكتم والإنكار، وهو كذلك؛ فهم لا يعترفون بأنهم قد خانوا النقل وخانوا العقل.

نتائج خيانة بني إسرائيل من دماء وحروب وتصوير الحق باطلاً والباطل حقاً

ولكن يأتي الإنصاف بالرغم من هذه اللجة المظلمة، ظلمات بعضها فوق بعض: خيانة في النقل، خيانة في العقل، خيانة في التبليغ.

كان الناتج منها الدماء والحروب، والنتيجة منها إنكار حقيقة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم. وكانت النتيجة منها أن صوّروا الحق باطلًا والباطل حقًّا والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا.

وكانت النتيجة منها أن أضلّوا الناس عبر التاريخ من أجل مصالح شخصية وأهواء قلبية. وكانت النتيجة منها أن ارتكبوا الكذب الصريح في حق الإسلام والمسلمين وفي حق نبينا الكريم، ولكنهم أصبحوا بذلك حجابًا بين الخلق والخالق؛ مصائب وفي النهاية دمار وحروب، نتائج سوداء يحاسبنا فيها ربنا.

أمر الله المؤمنين بالإنصاف والهدوء حتى في أحلك الظروف مع استثناء القليل منهم

فلو أننا أنكرنا وزدنا في إنكارنا ليست علينا ملامة، لكنه مع هذا والإنسان قلبه كله قد اتّقد نارًا مما يفعلون، يهدئ البال وينزل السكينة على قلوب المؤمنين، وأمرهم وهم في هذا الحال الحالك بالإنصاف.

فيقول:

﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: 13]

حسنًا، وما فائدة كونهم قليلين؟ قليل، ما هو قليل ليس مؤثرًا؟ لا، يجب أن نعطيه حقه.

آيات قرآنية تأمر بالهدوء وكظم الغيظ والعفو عند الغضب من أفعال المخالفين

إنني حزين مغتاظ، دع عنك الحزن، لا تغضب ولك الجنة. إنني متغاظ:

﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]

إنني سأموت مما يقولونه:

﴿فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]

﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ﴾ [فاطر: 8]

ها، كلها تقول ماذا؟ هدّئ بالك، كن منصفًا حتى في الحال الحالك.

﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: 13]

معنى استثناء القليل من بني إسرائيل وبيان وجود العدل فيهم

يا [سبحان الله]!

﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: 13]

يسيرون بشكل صحيح، إلا قليلًا منهم لن تجد عندهم هذه الخيانة، إلا قليلًا منهم لديهم شيء من العدل.

تدرج الأمر الإلهي من التهدئة إلى العفو ثم الصفح والإحسان

طيب، ماذا نفعل الآن؟ هذا هو الذي بدأ ودخل هكذا؛ هدّاني فقط. ولكن ماذا يعني أن تهديه؟ أي أن تطفئ النار التي في قلبه.

قال [أحدهم]: لماذا هذا الآن؟ حتى ترى ماذا ستفعل. أنا قلت: عندما سيقول لي أهدأ، سيقول لي بعد ذلك: اضربهم. لكن بماذا أضربهم؟ اضربهم بالرحمة واحدًا واحدًا أو شيئًا فشيئًا، مثل ذلك، قاتلهم إذن، قم.

قال لي بعدها: لقد هدّأني في منتصف الطريق:

﴿فَاعْفُوا عَنْهُمْ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 13]

ما هذا؟ هكذا أنا أصبحت في المنتصف، إنها الآن تجعلني أقوم مرة أخرى. لا، إنه هدّأني أولًا كي أهدأ بالكامل.

الفرق بين العفو والصفح وأن الصفح يعني نسيان المصيبة وحسن المعاملة

قال لي:

﴿فَٱعْفُ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 13]

عفوت عنهم يا رب، إن الكون هو كونك ولا يكون فيه إلا ما أردت:

﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]

فأنت حكيم، والكون هذا ليس ملكي وليس لي شأن به. حسنًا، نعفو عنهم ونصفح.

الله! ما هذا؟

﴿فَٱعْفُ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 13]

لا، ليس العفو كافيًا. حسنًا، ماذا أفعل؟ قال: اصفح. الصفح ماذا يقول إذن؟ يأتي من صفحة الوجه؛ أنك أدرت وجهك إلى الناحية الأخرى. العفو أنني لن أوقع به عقوبة، حسنًا. وصفحة أنني أنسى أيضًا المصائب التي فعلها.

بعد ذلك كيف أعامله؟ إذن أعامله بشكل آخر.

الإحسان إلى المسيء سبب لهدايته وانتشار الإسلام بالرحمة والمعاملة الحسنة

حسنًا، وعندما أعامله جيدًا هكذا، ألن يتملّكني؟ لا، الله يهديه على يديك. قد كان [ذلك] فانتشر الإسلام.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 13]

﴿فَاعْفُوا عَنْهُمْ وَاصْفَحُوا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 109]

لا عيب في إحسانهم، أحسن إليهم:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 13]

إنها شيء عظيم، ما هذا؟ إنه دين من عند الله. هكذا الإنسان يغضب فقط:

﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]

قصة الإمام الحسن مع غلامه في تطبيق كظم الغيظ والعفو والإحسان

يذكرون أن الإمام الحسن أو الإمام الحسين كان يتوضأ والغلام الخادم يوضّئه، فكسر الإناء (القلّة) الذي كان يوضّئه منه. فنظر إليه سيدنا الحسن نظرة غضب؛ إذ كسر وعاء الماء وهو يريد أن يصلي.

فالغلام كان فقيهًا بعض الشيء، فقال له:

﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134]

فقال له: كظمتُ غيظي. فقال له:

﴿وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 134]

قال له: عفونا عنك. وقالوا:

﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]

قال له: اذهب وأنت حرّ؛ لكي ننتهي [من تطبيق الآية كاملة].

الدعاء بالحشر مع آل البيت والختام بالسلام والتوديع

اللهم احشرنا معهم وانفعنا ببركاتهم وارضَ عنهم يا أرحم الراحمين.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.