سورة المائدة | حـ924 | 14 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يشرح النص الإنصاف في القرآن من خلال آية سورة المائدة "ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم".
- •يبين أن الله يحكم على الصفات وليس على الذوات، فلا يعمم الحكم على جميع النصارى بل على من نقض منهم الميثاق.
- •ينتقد نقض العهود ويبين أن الله أغرى بين المخالفين بالعداوة والبغضاء إلى يوم القيامة.
- •يوضح أن الإغراء مركب من الجاذبية والفتنة، حيث يظن كل فريق أنه على الصواب.
- •ينبه إلى أن الحكم النهائي لله في الآخرة "وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون".
- •يدعو للاعتبار من تجارب الأمم السابقة والتمسك بوحدة الأمة الإسلامية.
- •يؤكد على الالتزام بقوله تعالى "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا".
- •يشير إلى المشتركات التي تجمع المسلمين من قبلة وقرآن ونبي وصيام وحج.
افتتاح الدرس وتلاوة آية من سورة المائدة عن النصارى ونقض الميثاق
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا إِنَّا نَصَـٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 14]
درس الإنصاف في القرآن الكريم وعدم تعميم الأحكام على الجماعات
هنا في هذه الآية [من سورة المائدة]، يكرر علينا ربنا سبحانه وتعالى وصف الإنصاف، وأنه يجب عليك أن تكون منصفًا، وأن تشرح الواقع كما هو، لا تزيد عنه ولا تنقص منه.
فقال:
﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ﴾ [المائدة: 14]
ولم يقل: "إن الذين قالوا إنا نصارى" مثلًا. لا، ليسوا سواء؛ نظرة عجيبة، ليسوا كلهم واحدًا.
نحن لا نتهم أحدًا في ذاته، نحن ننعي على الصفات. نحن لا نحب الكذب ولا التحريف، ولا نحب الخيانة في النقل ولا في العقل. نحن لا نحب الظلم وعدم الإنصاف، ولا نحب النزاع والخصام والعداوة التي تكون بين الناس.
موقف المسلم من الصفات الذميمة لا من الأشخاص والطوائف
نحن ننتقد وننقض الصفات الذميمة، وليس لنا موقف مسبق من جماعات وطوائف من البشر، ولا بمذاهبهم الدينية ولا الأخلاقية، إنما نحن ضد الصفات، نتكلم عن الصفات.
ولذلك دائمًا يعلمنا ربنا ذلك الإنصاف والعلو في ذلك الإنصاف:
﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا إِنَّا نَصَـٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: 14]
هذا الذي ننعيه على الناس: إذا وثّقت ربك وعاهدته فالتزم، وإذا خالفته ونقضت ميثاقه فأنت مخطئ، بل إنك في لعنة الله وغضبه.
عاقبة نقض الميثاق وإغراء العداوة والبغضاء بين الفرق
لا أعرف الذي بينك أنت يا مشخّص وبين الله، الذي أعرفه إنك ينبغي عليك أن لا تنقض ميثاق الله.
﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ [المائدة: 14]
فنرى فرقًا، كل فريق منهم يكفّر أخاه ويخرجه من الملة، ولا يتزوج منه، ويسير في طريق غير طريق الآخر، كأديان منفصلة.
﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 14]
الحكم النهائي يوم القيامة والحساب على النيات والأعمال
هل الحكم في الدنيا أم الحكم في الآخرة؟ لا، الحُكم في الآخرة، والحَكَم عنده سبحانه في الآخرة. سيُنبئهم يوم القيامة بما كانوا يصنعون.
كل واحد سيُحاسب بحسب نيته، وسنرى مَن النية التي كانت تريد أن تبث في الناس الكراهية وفتنة، ومن الذي كان يريد أن يبث في الناس محبة ورحمة.
سينبئنا ربنا يوم القيامة؛ ربما في الدنيا عندما نخبر بذلك نُتهم، أو يكثر الجدال، أو يخفى الأمر على بعضهم، إنما يوم القيامة البيّنة واضحة. يوم القيامة إنما هو لصاحبه:
﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]
ولذلك فموعدنا يوم القيامة.
العبرة والعظة من قصص الأمم السابقة في الدنيا والاعتبار بها
حسنًا، وفي الدنيا هي عبرة وعظة. قال تعالى:
﴿فَٱعْتَبِرُوا يَـٰٓأُولِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ [الحشر: 2]
بعد أن حكى [الله سبحانه وتعالى] حكايتهم قال: فاعتبروا يا أولي الأبصار، أي قيسوا حالكم على حالهم، واتعظوا وتعلموا من هذه التجربة التاريخية.
﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا إِنَّا نَصَـٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ [المائدة: 14]
معنى الإغراء في القرآن الكريم وكيف تصبح العداوة جاذبة ومغرية
الإغراء فيه مركّب من أمور: فيه جاذبية ولكن فيه فتنة، فهو مركّب من الجاذبية والفتنة، يعني من الفتنة الجاذبة. شيء فيه إغراء يكون فيه انجذاب، أريد أن أرى ما هذا؟ إغراء أغراني.
يقال: أغراه بالمال، أغراه بالسلطة، أغراه بأي دافع من الدوافع. هكذا فالعداوة أصبحت في صورة مغرية، الفتنة أصبحت في صورة جذّابة تجذب إليها الناس هؤلاء.
وأصبح كل شخص يعتقد في نفسه أنه على الصواب. هكذا أغريناها، أي جعلناها مغرية لكل فريق منهم، فكل واحد يظن أنه هو على الصواب.
النهي عن الافتراق والأمر بالاعتصام بحبل الله جميعًا
أُمرنا [كأمة مسلمة] ألا نفترق، فإذا افترقنا واتبعنا هؤلاء [الأمم السابقة] في تجربتهم السلبية في التاريخ، ينزل بنا ويحل بنا ما حلّ بهم؛ لأننا من عباد الله ومن تكليف الله سبحانه وتعالى.
ولذلك فلا بد أن نمتثل لأمر ربنا:
﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]
وتصبح الفرقة أمرًا مرفوضًا، أمرًا ذميمًا، أمرًا مردودًا على صاحبه، حتى لو كان في الفرقة إغراء؛ لأن الفرقة دائمًا سوف تُغلّف بالإغراء اختبارًا وليس بيانًا لحقيقتها، فالفرقة مؤذية.
الدعوة إلى وحدة الأمة الإسلامية وأسس وحدتها الراسخة
ولذلك ندعو إلى وحدة الأمة، وإلى أن الله الذي منّ علينا بقبلة واحدة، وبقرآن واحد، وبنبي واحد نزوره صلى الله عليه وسلم في قبره ومسجده، وبشهر للصيام لم تختلف فيه الأمة.
ونستطيع أن نعدد أيضًا: بربٍّ واحد، وبحج واحد، وبيوم عرفة واحد. الله، هذه أمة واحدة فعلًا!
ولذلك ننعي مَن أراد الفرقة، وكلما أرادوا الفرقة كلما تجاوزنا البلاء، ويدعوننا مرة أخرى إلى الاجتماع. كلما رأينا أن الفرقة فيها إغراء، اجتمعت الأمة على أنه ينبغي علينا أن نوحّد صفوفنا، وأن نمتثل لأمر ربنا، وأن نصبر على هذا الإغراء الكاذب، وأن نعود مرة أخرى أمة واحدة كما أرادنا ربنا.
التعامل مع المخالف بالصبر وسعة الصدر سعيًا لوحدة الأمة
حسنًا، والمخالف هذا ألا نكفّره ولا شيء؟ بل نصبر قليلًا، ونوسّع صدورنا كما أُمرنا. نخطّئه ولكن سعيًا لوحدة الأمة، والتفافًا حول كعبتها، وعملًا بغرض صلاتها إليها، حتى نكون محل نظر الله سبحانه وتعالى.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
