سورة المائدة | حـ930 | 16 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •تبين الآية القرآنية "قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين" سر تمسك المسلمين بدينهم رغم الهجمات المستمرة عليه.
- •تعرض النبي محمد ﷺ للإيذاء في مكة حتى أُخرج منها، ثم هوجم في المدينة في بدر وأحد والخندق.
- •حاول المشركون واليهود تطبيق خطة "الكماشة" للقضاء على المسلمين بهجوم مزدوج من الشمال والجنوب.
- •استمرت محاربة الإسلام عبر التاريخ في فارس والروم وحتى العصر الحديث في البوسنة والعراق وأفغانستان.
- •رغم كل المحاربات، يزداد المسلمون عدداً ويدخل الناس في الإسلام أفواجاً بهداية الله.
- •تميز النبي ﷺ بقدرته الفريدة على الموازنة بين المبادئ والمصالح، وهي معضلة تواجه كل سياسي.
- •في صلح الحديبية ومعركة خيبر وفتح مكة، قدم النبي ﷺ نموذجاً في حفظ المبادئ والمصالح معاً.
- •من يتبع رضوان الله ويتخذ النبي ﷺ قدوة، يهديه الله سبل السلام النفسي والتوازن الداخلي.
- •سبل السلام ليست سهلة بل تتطلب توازناً دقيقاً في القيادة.
افتتاح بالبسملة وتلاوة آية النور والكتاب المبين من سورة المائدة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ * يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15-16]
حيرة العالم أمام تمسك المسلمين بدينهم رغم الهجوم المستمر على الإسلام
وفي هذه الآية الكريمة إجابة على الحيرة التي اكتنفت العالم كله، وهم يرون المسلمين يتمسكون بدينهم ولا يحيدون عنه، ويزداد الإسلام بالرغم من أنه تحت الهجوم منذ أن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى يوم الناس هذا.
فعندما ظهر [النبي ﷺ] آذوه واشتدوا في الأذية، قاطعوه هو وأهله في مكة، سلَّطوا عليه الصبيان يضربونه بالحجارة حتى دَمِيَت قدماه الشريفتان، أخرجوه من ديارهم حتى نظر إلى مكة وهو يقول:
«والله إنك لأحب أهل أرض الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت»
وجعلوا صحابته يهاجرون إلى الحبشة، وبعضهم يهاجرون إلى المدينة، وبعضهم يلوذون بقبائل العرب، حتى أخرجوه وهددوه، وكانوا في ليلة الهجرة أرادوا قتله.
هجمات المشركين المتتالية على النبي في المدينة من بدر إلى الخندق
وسافر [النبي ﷺ] إلى المدينة المنورة التي نوّرها الله ببقائه فيها، وهناك لم يتركوه، بل إنهم هاجموه في بدر، وبدر هذه بجوار المدينة، وفي أُحد، وأُحد هذه في المدينة، وفي غزوة سمّوها الخندق، والخندق هذا حول المدينة.
فهو في مكانه يُضرب من كل مكان، حتى أنهم اتفقوا مع اليهود في خيبر أن يصنعوا ما يسمى في العسكرية بـالكماشة؛ خيبر من الشمال ومكة من الجنوب، يهجمون على المدينة في وقت واحد فلا يستطيع المسلمون أن يصدوا عن أنفسهم.
إدراك النبي للتحالفات الدولية واستمرار الهجوم على الإسلام عبر التاريخ
وأدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الاتفاقات الدولية التي مآلها القضاء على الإسلام والمسلمين، كشأن ما حدث بعد ذلك في فارس والروم، وما حدث بعد ذلك بين التتار والصليبيين، وما حدث بعد ذلك في كل أماكن في الأرض؛ في البوسنة وفي العراق وفي الشيشان وفي أفغانستان وإلى يوم الناس هذا، تدابير وتصفية جسدية ضد هذا الإسلام وضد هذا النبي.
ثم إن المسلمين يزدادون في العدد، ويدخل كل يوم وكل سنة، يدخل كل يوم وكل سنة مئات بل آلاف في دين الله أفواجًا، من غير حول من المسلمين ولا قوة ولا دعوة ولا مثال صالح، بل هي هداية ربي [سبحانه وتعالى].
النبي كان يدافع عن نفسه في مكانه والرد على افتراء أنه يقاتل ويقتل
عند فقد المربي [الصالح يبقى] النبي صلى الله عليه وسلم في مكانه يدافع عن نفسه، فحوّلوه إلى أنه يقاتل ويقتل، كذب.
والسؤال: أين أُحد؟ أين بدر وأُحد والخندق؟ أين هذه الأماكن؟
[الجواب أن هذه الأماكن كلها في المدينة وحولها]، فهو لم يخرج لقتال أحد، بل كان يُهاجَم في عقر داره.
صلح الحديبية وحكمة النبي في فك الكماشة العسكرية على المدينة
وعندما رأى [النبي ﷺ] ذلك الاتفاق [بين مكة وخيبر وهو] الكماشة، فإنه نزل في الحديبية يريد العمرة، فمنعوه بغباء سياسي، بتحزب عنصري، بصدٍّ عن بيت الله سبحانه وتعالى، وعن ذلك الإنسان [النبي ﷺ] الذي كملت فيه كل المعاني.
أزمة السياسة في العالم كله [هي أزمة] المبادئ والمصالح؛ فالسياسي في بعض الأحيان يتخلى عن مبادئه من أجل مصالحه، وفي بعض الأحيان وهي قليلة يتخلى عن مصالحه من أجل مبادئه، وحينئذ يُتهم بالغباء السياسي.
تفرد النبي في الجمع بين المبادئ والمصالح دون التفريط في أي منهما
ليس هناك من عالج السياسة إلا وقد وقع في هذا الإشكال؛ الحيرة والتوازن بين المبادئ والمصالح، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يتخلَّ عن مبدأ قط، ولم يتخلَّ عن مصلحة قط.
وفقه الله لأن يعلم البشرية كيف تحافظ على مبادئها مع الحفاظ على مصالحها، فكان هذا النموذج الفريد الذي لم يُعرف في التاريخ لا بعده ولا قبله، والذي جهل الناس كيف يستفيدون منه، وتكبر بعض الخلق أن يستفيد من هذا النبي المصطفى، فظل [العالم] بين الحيرة والتوازن بين المبادئ والمصالح.
معاهدة الحديبية وفتح خيبر ثم فتح مكة نموذج للحكمة السياسية النبوية
نزل [النبي ﷺ] في الحديبية فمنعوه، واتفق معهم على معاهدة السلام ينحّي فيها جزء مكة، واضطروا اضطرارًا إلى هذه المعاهدة. وبعض الصحابة لا يدرك هذا ويريد أن يعتمر: لِمَ نقبل الدنية يا رسول الله في ديننا؟ هيا بنا نقاتل!
[فقال النبي ﷺ ما معناه:] لا أريد أن أقاتل، أريد أن أفك الكماشة. فحيّدهم واتفق معهم، وعندما صعد إلى المدينة ذهب إلى خيبر ليفتحها، فذهب وفتح، فانفتح من الشمال.
وعندما نقض المشركون العهود ولم ينقض هو، أبى تجديد المعاهدة، فلم يخرج عن المبادئ ولم يقبل بتسليم المصالح للعدو، ثم نزل ففتح مكة، فاللهم صلِّ وسلم عليه.
اتباع رضوان الله والاقتداء بالنبي طريق الهداية إلى سبل السلام
﴿نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ * يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُ﴾ [المائدة: 15-16]
فالقضية هي قضية الإيمان بالله؛ إذا آمنت أيها الإنسان بالله واتبعت رضوان الله، واتخذت هذا النبي هاديًا لك، واتخذته مثالًا تدرسه وتستفيد منه، فإن الله سوف يوفقك سبل السلام.
وسبل السلام سوف ترى فيها يا قائد الجيوش، أيها المفاوض السياسي، أيها المشتغل بالسياسة علمًا وعملًا، أيها المشتغل بالقيادة، سوف تشعر وتفهم حينئذٍ ما لم تفهمه من القرآن من قبل، وسوف تفهم معنى سبل السلام.
سبل السلام هي طريق السلام النفسي والتوازن بين المبادئ والمصالح
سبل السلام هي الطريق الذي يؤدي إلى السلام النفسي والتوازن الداخلي؛ لأنك لم تفرط في مبدأ ولم تترك مصلحة، فتنام في نهاية المقام قرير البال مرتاحًا؛ لأنك خدمت ناسك ووطنك وقضيتك.
ولم يحدث هذا الشرخ الذي كثيرًا ما نراه في مذكرات السياسيين بعد استقالتهم من السياسة، في النزاع بين المبادئ وبين المصالح.
سبل السلام اسم كتاب، استعار هذا الكلام من الآية واقتبسها الصنعاني؛ «سبل السلام شرح بلوغ المرام». فعندما يبحث المرء عن سبل السلام يظن أنها شيء سهل، لكنها ليست شيئًا سهلًا، بل هي توازن في القيادة إذا أردت أن تكون ممن رضي الله عنه.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
