سورة المائدة | حـ931 | 16 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ931 | 16 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • يشير القرآن إلى ثلاث نتائج للإيمان بالله ورسوله وكتابه، فهو نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام.
  • النتيجة الأولى: اتباع النور الذي جاء به النبي والكتاب المبين.
  • النتيجة الثانية: الخروج من الظلمات إلى النور، من ظلمات الحيرة والضيق والتعلق بالدنيا إلى نور الرضا والتوكل.
  • من دعاء الصالحين: "اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا"، وذلك حتى لا يحزن الإنسان على مفقود ولا يفرح بكل موجود.
  • النتيجة الثالثة: الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو التمسك بالكتاب والسنة.
  • أهل السنة والجماعة هم المتمسكون بالصراط المستقيم، فهم آمنوا بالنبي وصدقوا برسالته للعالمين.
  • سيدنا النبي هو القائد والبوصلة للصراط المستقيم، وهو الذي عرفنا من خلاله الكتاب، وعلينا التوسط بين الإفراط والتفريط في محبته واتباعه.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة في تدبر آيات سورة المائدة عن النور والكتاب المبين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ * يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ﴾ [المائدة: 15-16]

فهذه واحدة من ثلاث نتائج للإيمان بالله وبما أرسله من نورٍ في شخص النبي المصطفى ﷺ، ومن كتابٍ هو هدايةٌ للمتقين.

النتيجة الثانية للإيمان: الخروج من الظلمات إلى النور

والثانية [من نتائج الإيمان بالله واتباع النبي ﷺ]:

﴿وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ [المائدة: 16]

يعني النور يؤدي إلى النور؛ عندما يكون اتباعك للنور، للبيان، للظهور، للوضوح، للجمال، فإنك ستخرج من الظلمات: ظلمات الحيرة، ظلمات الضيق، ظلمات الدنيا والتعلق بها.

حقيقة الدنيا وكدرها وعدم انتهاء طلبها

وهي [الدنيا] لا نهاية لها؛ كلما ظننت أنك قد حصلت منها شيئًا وجدت من هو قد فاقك في التحصيل. أمرها عجيب لا ينتهي، وملكها ليس بيدك، وكلها كدر؛ فمن تعلق بها تعلق بكدر.

ولذلك كان من دعاء الصالحين حيث نكرره كثيرًا: اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا. قالوا: وجعلها في القلب أن تحزن على مفقود وأن تفرح بكل موجود.

معنى أن تكون الدنيا في اليد لا في القلب عند الفقد والوجد

فإذا خلصك الله من الحزن على المفقود ومن الفرح بكل موجود، كانت الدنيا في يدك وليست في قلبك.

فإذا فقدت تقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، إنا لله وإنا إليه راجعون، أستغفر الله العظيم. وإذا وجدت قلت: الحمد لله، الشكر لله، الفضل من عند الله، لا إله إلا الله.

كلام جميل هكذا، هو [أمر الدنيا] يمضي وهي لا علاقة لها بقلبك. أما من ينهار في قلبه فهو في ظلمات وليس في نور.

ملخص النتيجة الثانية: الخروج من ظلمات الدنيا إلى نور التوكل والرضا

فالقضية الثانية التي تنتج من اتباعك للنبي ﷺ وإيمانك من خلاله بالله رب العالمين هي أنك ستخرج من الظلمات، من ظلمات الدنيا، من ضيق الدنيا، من ظلمات الحيرة ومن ضيق الحيرة، من ظلمات التعلق وعدم القناعة والرضا، إلى نور التوكل على الله والرضا بالله.

وأن تسير في نور الله وأن تكون راضيًا عن الله فيرضى الله سبحانه وتعالى عنك، رضي الله عنه ورضوا عنه، ترضى عن ربنا فتصبح مسرورًا بربنا هكذا.

لكن هناك أناس غير مسرورين، وفي أناس قليلة الأدب مع الله؛ هؤلاء في ظلمات وليسوا في نور.

النتيجة الثالثة: الهداية إلى الصراط المستقيم واستجابة دعاء الفاتحة

القضية الثالثة ما هي؟ القضية الثالثة:

﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 16]

ويهديهم تعني أن الله استجاب دعاءك الذي في الفاتحة:

﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]

يقول لك [الله]: سأهديك إلى الصراط المستقيم وسأستجيب دعاءك بشرط أن تفهم شيئين: النبي ﷺ والقرآن.

ترتيب الإيمان بالنبي أولًا ثم القرآن وأهمية السنة والكتاب

حسنًا، النبي ﷺ والقرآن، القرآن والنبي ﷺ. قال [الله]: ما هو الأول [في الآية]؟ الذي جاء لنا بالقرآن [هو النبي ﷺ]، فعندما تؤمن به ستعرف أن هذا القرآن من عند الله، فيصبح الكتاب والسنة.

ألسنا نردد دائمًا: الكتاب والسنة، الكتاب والسنة، الكتاب والسنة؟ هنا يقول [الله] ماذا؟ السنة والكتاب! لماذا؟ لأنك كيف ستؤمن بأصل القرآن؟ عن طريق سيدنا النبي ﷺ.

كل الأبواب أُغلقت إلا باب سيدنا النبي ﷺ، هكذا ليس لنا إلا سيدنا النبي ﷺ.

مكانة النبي ﷺ بين الخلق وتميز أهل السنة والجماعة بالتصديق به

حسنًا، ماذا سنفعل والذي بيننا وبين الخلق هو سيدنا النبي ﷺ؟ الذي بين أهل السنة هؤلاء والجماعة الذين يُطلق عليهم أهل السنة والجماعة، هذا الجمهور كله، هذا الذي بينهم، الذي بين الخلق كلهم مَن؟ سيدنا النبي ﷺ.

آمنا به، في حين أن غيرنا لم يؤمنوا به. صدقنا أنه رحمة، وغيرنا لم يصدقوا. صدقنا أنه للعالمين، وبعضهم قال: لا، هذا للعرب فقط، أنا أُجلُّ وأحترم وكل شيء، لكن هذا للعرب فقط.

صدقنا بكتابه وبما نطق من كلام أرشد به الخلق وأخرجهم من الظلمات إلى النور.

الرد على من يأخذ بالكتاب فقط دون السنة ومن يدعي تحريف القرآن

يقول بعضهم: لا، نحن سنأخذ الكتاب فقط والسنة لا. صدقنا بما ذكره [الله] لنا من أنه قد وعد بحفظ كتابه.

فبعضهم يقول: لا، هذا الكتاب قد حُرِّف. حسنًا، أين التحريف الخاص به؟ أين النسخة الثانية؟ قال: لا، ليس لدينا. إذن كيف حُرِّف؟ قال: قيل في كلمة في الكتاب، هنا كلمة في الكتاب هنا.

نعم، لكن لم يقم أحد بكتابة هذا الكتاب الثاني المحرف، فأصبح هناك نسختان! لم يقم أحد بطباعة هذا الكتاب العجيب الغريب المحرف، لم يقم أحد بطباعته. فما الذي نوجبه إذن؟ أنا يمكنني طباعته. حسنًا، لماذا لا تطبعونه؟ أين هو؟ إنه غير موجود.

الرد على قول المعتزلة بإعجاز القرآن بالصرفة وعدم وجود نسخة محرفة

ولذلك كان المعتزلة لديهم شيء اسمها أنها معجزة بالصرفة، أي أن الله صرف أن يفتري أحد كذبًا. ما هذا؟

طيب، ألا يستطيع الذي أمسك قلوب العباد أن يمنع أحدًا من الافتراء؟ ألم يكن من الممكن أن يختلق شخص ما شيئًا ويقول: هذا هو القرآن الذي تركه محمد ﷺ؟ كان سيربكنا وكنا سنقول له: لا.

في وقتها، ذلك على فكرة، حدث هذا في كتب سابقة مقدسة وسمّوها الكتب الأبوكريفا. فالكتب الأبوكريفا هذه كتب لكنهم يقولون إنها كذب، هم يقولون إن الكتاب الأبوكريفا هذا كذب. أين ما لدينا [من مثل ذلك]؟ لا يوجد.

الهداية إلى الصراط المستقيم بالتمسك بالسنة والكتاب معًا

إذن، سيهدينا [الله] إلى الصراط المستقيم عندما نتمسك بالكتاب والسنة والترتيب الخاص بها: السنة والكتاب؛ لأن من السنة عرفنا الكتاب.

عندما آمنا بهذا النبي المصطفى ﷺ وتحررنا بين الخلق، نقول إنه ربّى أصحابه، وهناك فرق تقول: لا، إنه لم يعرف كيف يربي أصحابه. نقول إن زوجاته عليهن السلام أمهات المؤمنين، ويقولون: لا، إنه لم يعرف كيف يختار زوجاته.

كذبوا كلهم، فمن الذي صدق؟ أهل السنة والجماعة، أهل السنة والجماعة هم الذين صدَّقوا [النبي ﷺ في كل ما جاء به].

حياة النبي ﷺ البرزخية وعرض أعمال الأمة عليه والاستغفار لهم

يقول لك [بعضهم]: إنه خلاص قد مات [النبي ﷺ]. هو ﷺ يقول:

«تُعرض عليَّ أعمالكم، فإن وجدت خيرًا حمدت الله، وإن وجدت غير ذلك استغفرت لكم»

والله تعالى يقول:

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64]

نحن قلنا هكذا [بأنه ﷺ حيٌّ في برزخه يستغفر لأمته]، غيرنا يقول: ما هذا! إنه لا يسمعنا.

أهل السنة والجماعة هم الصراط المستقيم وعقيدتهم الصحيحة في النبي ﷺ

فإذن، أهل السنة والجماعة هم الصراط المستقيم. هذا الصراط المستقيم الذي بيننا وبين الخلق مَن [هو]؟ ما الألوهية؟ لا. الوحي؟ لا. سيدنا النبي ﷺ هو الذي بيننا وبين الخلق.

عقيدتنا فيه صحيحة، بين إفراط وتفريط، بين كفر وإلحاد، بين اختيار وعدم توفيق. لا، [نحن] في صراط مستقيم.

مَن قائده؟ من صاحب بوصلته؟ سيدنا النبي ﷺ.

فاللهم صلِّ وسلم على سيدنا النبي وعلى آله وصحبه وسلم، وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.