سورة المائدة | ح 1000 | 56 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1000 | 56 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • تفسر الآية "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون" بأن العبارة الأخيرة "وهم راكعون" تعني أنهم مستمرون في الركوع وليس أثناء أدائهم الركوع.
  • المقصود أن المؤمنين يتصفون بالركوع كصفة ملازمة لهم، فقد تحولت من فعل إلى صفة لكثرة مداومتهم عليها.
  • تتميز الأمة الإسلامية بوجوب الصلاة على جميع أفرادها خمس مرات يومياً في كل زمان ومكان.
  • المساجد ليست أماكن للعبادة فقط بل مؤسسات متكاملة للتعليم وحل المشكلات والمناسبات.
  • الصلاة والعمل كلاهما واجب، والمسلم مطالب بالتوازن بينهما.
  • من تولى الله ورسوله والمؤمنين فهو من حزب الله، و"حزب الله هم الغالبون".
  • تحمل عبارة "هم الغالبون" وعداً وحقيقة وحكماً للمؤمنين بالغلبة في جميع مجالات الحياة.
  • النصر من عند الله، لكن يجب الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة تفسير آية الولاية في سورة المائدة وسياقها القرآني

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة وعند قوله تعالى:

﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ﴾ [المائدة: 56]

هذه الآية وردت بعدما حصر الله الولاية التي تُقرِّب الأمة وتُبقيها وتعمل على استمرارها في الله ورسوله والذين آمنوا، فقال:

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ﴾ [المائدة: 55]

وهذه الآية ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ تشير إلى العبادة القاصرة [وهي الصلاة] وإلى العبادة المتعدية [وهي الزكاة].

معنى الجملة الحالية في قوله تعالى وهم راكعون وأنها مجاز لا حقيقة

أما كلمة ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ فهذه جملة تُسمى بالجملة الحالية، والحال فيها هنا مجاز.

يعني هل هم يُقيمون الصلاة أثناء ركوعهم؟ والركوع جزء من الصلاة فلا يصح، لا يصح أن يقرأ الفاتحة والتحيات وما شابه وهو راكع.

هل يُؤتون الزكاة وهم راكعون؟ يعني حال كونهم يركعون؟ لا يصح، يعني وهو راكع هكذا يُعطي الصدقة للفقير من الناحية الأخرى، لا يصح.

إذن ماذا يعني ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾؟ قال: هذه جملة حالية معناها أنهم مستمرون في الركوع، ليس معناها حال كونهم راكعون، مستمرون في الركوع يعني ماذا؟ يعني هم من أهل الركوع [أي من أهل الصلاة والعبادة الدائمة].

تفرد الأمة الإسلامية بوجوب الصلاة خمس مرات يومياً على جميع أفرادها

لدينا سبع عشرة ركعة كل يوم، فهم مُصمِّمون [على أدائها]، وليس هناك أمة على وجه الأرض الصلاة واجبة على كل أفرادها، لا يوجد شيء هكذا. لا توجد أمة شكلها هكذا: رجال ونساء، كبار وصغار، شباب وشيوخ، في حالة الصحة وفي حالة المرض، وكل ذلك ومنذ عهد النبي ﷺ حتى الآن، كل الأرض في كل زمان ومكان علينا صلاة.

حسنًا، هل هي مرة في الأسبوع؟ لا، إنها خمس مرات في اليوم، وليس هناك جدال في الصلاة خمس مرات. ليس هناك يا جماعة أمة تسجد لرب العالمين في العالم سوى المسلمين، ضعها هكذا، اعتزَّ بها هكذا وأنت تمشي يا جماعة، ليس هناك أحد يُصلي خمس صلوات في اليوم إلا المسلمون.

الرد على من يستغرب كثرة صلاة المسلمين ودور المساجد كمؤسسات شاملة

ولذلك بعضهم عندما لا يستوعبون، يعني لا يفهمون، يقولون: أنتم تُصلون كل يوم خمس صلوات؟ قلنا له: نعم. فيقول: متى تعملون إذن؟ قلنا له: نعمل بعد الفجر، نُصلي الفجر ونعمل.

كما أن مساجدنا [هي] مؤسساتنا، تُعلِّم دائمًا وتُعالج دائمًا وتحل المشكلات دائمًا، وهي دائمًا دار للمناسبات؛ نُعزِّي فيها ونُزوِّج فيها. والله هذه ليست مساجد فقط، بل هي مؤسسات.

وليس هذا فحسب، بل:

قال رسول الله ﷺ: «جُعِلَت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»

نعم، يعني أنتم تُصلون في العمل على طول، تظلون تُصلون ثم تعملون، ثم تُصلون ثم تعملون. نعم، نفعل ذلك.

التوازن بين الصلاة والعمل في الإسلام وأجر قضاء حوائج الناس

قال [المُحاوِر]: لا، أنتم تُضيِّعون وقتكم هكذا في الصلاة. قلنا له: نحن لا ندع أحدًا يُضيِّع وقته في الصلاة، ونقول للناس: إن ضيَّعتَ وقتك في الصلاة فأنت ترتكب حرامًا؛ هو يُصلي والصلاة واجبة، ويعمل والعمل واجب.

قال رسول الله ﷺ: «من سعى في حاجة أخيه كُتبت له أجر اعتكاف أربعين»

وقال [عبد الله] ابن عباس [رضي الله عنهما]: والله لا أدري أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة، أربعين ماذا؟ وذلك لأنه حسب حالتك، حسب الخدمة التي قدمتها؛ إذا كانت مخلصة وقوية وفي موضعها وما إلى ذلك، فستنال أجر أربعين سنة.

إذا كنت متبرِّمًا قليلًا أو تفعلها بعجلة أو نحو ذلك، فتأخذها بأربعين شهرًا. وإن كانت خفيفة هكذا، مجرد شيء بسيط، فتأخذ لك أربعين يومًا، ولكن لا تقل عن أربعين، فبتختلف فهي أُطلِقت لكي يكون لها اتساع [في الأجر والثواب].

معنى تولي الله ورسوله والمؤمنين وصفة الركوع الدائم للأمة المسلمة

فإذا كانت هذه أمة عابدة، يقول ربنا:

﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [المائدة: 56]

والذين آمنوا هؤلاء يُقيمون الصلاة ويُؤتون الزكاة وهم مستمرون على الخير دائمًا وهم راكعون، اتصفوا بالركوع تمامًا، لن يتركوه. ليس هناك يوم لا يركعون فيه، ليس هناك وقت لا يركعون فيه أبدًا، وهم راكعون يعني باستمرار.

وهذه صفة أصبحت صفةً وليست فعلًا، ولذلك لا يفهم أحدنا أنه يُقيم الصلاة أثناء الركوع أو أنه يُؤتي الزكاة أثناء الركوع، بل إنه موصوف بأنه من الراكعين؛ حيث أنه تحوَّل من كثرة الركوع التي استمر بها كل يوم من الفعل إلى الصفة، فأصبحت صفته أنه من الراكعين.

حزب الله هم الغالبون: الوعد الإلهي والحقيقة القرآنية في النصر

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [المائدة: 55]، حسنًا، من يتولَّ هؤلاء: الله ورسوله والذين آمنوا:

﴿فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ﴾ [المائدة: 56]

إذن إذا تحدثنا مرة أخرى عن الأمة، فإن أولئك الذين يتولون الله ويتولون رسوله ويتولون المؤمنين هم الأمة، وسنُسمِّيهم حزب الله، وحزب الله هم الغالبون.

ماذا تُعطيني عبارة ﴿هُمُ الْغَالِبُونَ﴾؟ إنها تُعطيني وعدًا وتُعطيني حقيقة وتُعطيني حكمًا.

الوعد أيضًا مُقرَّر:

﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]

ومن ينصره الله فلا غالب له أبدًا. إذن هذا وعد: تولَّوا الله فتكونوا من حزبه فتكونوا من الغالبين.

حقيقة أن النصر من عند الله ووجوب التوكل عليه سبحانه وتعالى

حسنًا، هذا هو الوعد. والحقيقة أن الغلبة من عند الله:

﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21]

حقيقة أن النصر من عند الله؛ إن كنت تريد النصر فخذ بالأسباب وكُلْ [أي تناول ما يُعينك] وما شابه ذلك، وتوكل على الله، واعلم وتيقَّن واعتقد أنه من عند الله. هذا يُعطيك ثقة بربك وثقة بنفسك.

والحكم كما قلنا إنه وعد وإنه حقيقة، يُعطيني حقيقة ويُعطيني حكمًا. الحكم هنا يقول لك:

﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الطلاق: 3]

فيكون الحكم وجوب التوكل على رب العالمين سبحانه وتعالى، فإن فعلتم ذلك كنتم من الغالبين.

شمولية الغلبة للأمة المسلمة في جميع مجالات الحياة والدين والدنيا

غالبين في أي شيء؟ قال: في كل شيء:

  • في مجال الحياة.
  • وفي مجال الدين.
  • وفي مجال الدنيا.
  • وفي كل مجال: في المجال العلمي، وفي المجال الاقتصادي، وفي المجال الاجتماعي.
  • وفي موقفنا بين الأمم.

وقد جعلنا الله شهداء أي يُشاهدوننا [الأمم الأخرى تنظر إلينا].

ولذلك إذا فرَّطنا في كل ذلك فقد قصَّرنا في حق أنفسنا وفي أمر الله تفريطًا بليغًا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.