سورة المائدة | ح 1004 | 59 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1004 | 59 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • يخاطب الله في سورة المائدة أهل الكتاب متسائلاً عن سبب نقمتهم على المسلمين رغم إيمانهم بالله.
  • هناك طائفتان من أهل الكتاب: طائفة عادت المسلمين بغير حق، وأخرى تعايشت معهم بسلام لقرون.
  • دعا الإسلام أهل الكتاب للكلمة السواء دون إكراههم على ترك دينهم، طالباً منهم التأدب مع المسلمين.
  • المسلمون يؤمنون بجميع الأنبياء والرسل والكتب السماوية، بينما لا تحترم تلك الطائفة المعادية القرآن ولا تؤمن بالنبي محمد.
  • ذكر الشيخ إبراهيم الباجوري شيخ الأزهر منتصف القرن التاسع عشر موقفاً عملياً حول الإيمان بالأنبياء غير المعروفين.
  • علم الشيخ طلابه أنه إذا سُئل أحدهم عن نبي لا يعرفه فليقل: "آمنت به إن كان نبياً".
  • هذا الموقف الإسلامي يساعد في التعايش والتعاون بين الناس ويثري العلاقات الدولية.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة تلاوة آية من سورة المائدة في خطاب أهل الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وعند قوله تعالى:

﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 59]

التفريق بين طائفتين من أهل الكتاب في خطاب القرآن الكريم

وعندما يخاطب الله سبحانه وتعالى أهل الكتاب، فإنه يخاطب بعضهم، وعندما يخاطبهم فإنما يخاطب صفاتٍ لا يرضاها، ولذلك فهو [الله] يدعوهم إلى الصفات المرضية.

هذه الطائفة التي عادت المسلمين بغير حق من أهل الكتاب، غير الطائفة التي توائمت مع المسلمين وقبلتهم وفتحت يدها لهم.

هذه الطائفة الثانية هي الطائفة التي تعايش معها المسلمون، وعاشوا في أوطانهم معًا سنين طويلة بمئات السنين. أما الطائفة الأولى فهي ما زالت في هزلٍ ولعبٍ وصدامٍ ونزاعٍ وسخريةٍ وسبٍّ ولعن.

دعوة الإسلام أهل الكتاب إلى التعايش لا الإكراه على الدين

تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله. إذن لم يقل لهم الإسلام حينئذٍ: لا بد وبالإكراه أن تنتقلوا مما أنتم عليه إلى الإسلام، بل قال لهم: إذا ما بقيتم على ما أنتم عليه ولم تؤمنوا، والإيمان والهداية بيد الله، أن محمدًا هو نبي الله، فكونوا مؤدبين مع المسلمين، والمسلمون أُمِروا أن يكونوا مؤدبين معكم.

مساءلة أهل الكتاب عن سبب نقمتهم على المسلمين المؤمنين بالله

تعالوا يا أهل الكتاب، يعني لماذا تنقمون منا؟ بأي سبب؟ هل لأننا كفرنا بالله وعبدنا الوثن كما ادعى بعض الكاذبين؟ هل لأننا كفرنا بالله وعبدنا البشر؟ هل لأننا كفرنا بالله ولم نوحده؟ لأي سبب هذا العدوان؟

﴿هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ﴾ [المائدة: 59]

ما هذا؟ إن قلتم: نحن نؤمن بالله وبسم الله، فنحن نقول: نحن نؤمن بالله وبسم الله. إذن كان ينبغي علينا مع المفاصلة واختلاف العقائد أن نتعايش.

موقف المسلمين من تقديس الكتب السماوية واحترام الأنبياء جميعًا

وما أُنزل إلينا، نحن نقدس القرآن ونحترمه، لكنكم لا تقدسون القرآن ولا تحترمونه. هذه الطائفة التي تكلمنا عنها والتي هي بعض أهل الكتاب، لا تحترمونهم [أي لا تحترمون المسلمين] ولا تؤمنون بالنبي [محمد ﷺ] وتسبونه.

إذن هل أنا أستطيع أن أسب سيدنا عيسى؟ هل أستطيع أن أسب سيدنا موسى؟ إن فعلت هذا لن أكون مسلمًا أصلًا. وليست لدي مشكلة في ذلك؛ الكل يقول له: سيدنا عليه الصلاة والسلام، سيدتنا مريم عليها السلام.

هؤلاء الذين نقول عنهم هكذا [بالتوقير والاحترام]، وعندما نقول ليست لدي مشكلة، المشكلة عند غيري [أي غير المسلمين] وليست عندي أنا [أي المسلمين].

دعوة القرآن إلى كلمة سواء والإيمان بجميع ما أُنزل من قبل

فتعالوا إلى كلمة سواء:

﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ﴾ [المائدة: 59]

نحن آمنا بكل ما أُنزل من قبل.

الشيخ إبراهيم الباجوري شيخ الأزهر وعلومه التي درّسها في الأزهر

هنا في الأزهر الشريف كان لدينا رجل عظيم، شيخ للأزهر في منتصف القرن التاسع عشر، كان اسمه الشيخ البرهان إبراهيم الباجوري رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

وكان الشيخ الباجوري يُدرِّس هنا في المكان الذي أنتم جالسون فيه، ودرّس الفقه الشافعي والتوحيد، والمنطق، والبلاغة، والنحو. علّامة كبيرة الشيخ إبراهيم الباجوري رحمه الله.

وكان شيخًا للأزهر لأنه كان من كبار كبار العلماء، وكان رجلًا طيبًا صالحًا رحمه الله تعالى.

مسألة الإيمان بنبي مجهول الاسم وجواب الشيخ الباجوري عليها

وهو [الشيخ الباجوري] يدرّس التوحيد، تناول هذه النقطة أنه يجب علينا أن نؤمن بكل الأنبياء، وبكل الرسل، وبكل الكتب، وأخذ يقول ذلك.

فقال له أحد نُجباء الطلبة: يا سيدنا الشيخ، افترض أن شخصًا سألني سؤالًا محرجًا. قال له: ما هو؟ قال له: إن الأنبياء كثيرون، وفي رواية للترمذي أن عددهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، ونحن لا نعرف أسماءهم، والرسل ثلاثمائة واثنا عشر.

افترض أن شخصًا جاء وقال لي: هو عويس [اسم شخص]، مؤمن به أنه نبي هو أم ليس نبيًا؟ وبعد ذلك ليس لدي من الأنبياء أحد اسمه عويس، ماذا أفعل الآن؟ إذا قلت أنه نبي وظهر يوم القيامة أنه ليس نبيًا فستكون مشكلة، وإذا قلت أنه ليس نبيًا وظهر يوم القيامة أنه نبي فستكون ورطة أخرى.

فإذا سألني أحد ماذا أفعل؟ قال له [الشيخ الباجوري]: إذا سألك شخص: هل عويس نبي وتؤمن به؟ فقل: آمنت به إن كان نبيًا.

حرص المسلمين على الإيمان بكل الرسل وأثره في التعايش الدولي

ما هذا؟ لماذا يفعل المسلمون هكذا؟ حريصون على أنهم قد آمنوا بكل رسول جاء من قبل.

وما فائدة ذلك؟ يفيد في كثير من الأمور؛ يفيد أن كل قوم ادّعوا لأنفسهم كتابًا فنحن نعتبرهم من أهل الكتاب. ولذلك عندما سُئل النبي ﷺ عن المجوس، قال إنهم جاءهم شخص اسمه زرادشت، وحول ما إذا كان زرادشت هذا نبيًا أم ليس نبيًا، فقد يكون نبيًا وقد لا يكون نبيًا.

قال [النبي ﷺ]:

«سُنّوا بهم سُنّة أهل الكتاب»

أي عاملوهم معاملة أهل الكتاب التي وُضِّحت في القرآن من التعايش والمودة وغير ذلك.

أثر قاعدة الإيمان بالأنبياء في العلاقات الدولية والتعايش بين البشر

فكل من سيدّعي أن [لديه] كتابًا سأعامله وأجعله مثل أهل الكتاب. سيكون [ذلك] نافعًا في العلاقات الدولية، وسينفع في علاقات التعايش والتعاون بين البشر.

سينفع هذا الكلام البسيط الذي يقوله سيدنا [الشيخ] الباجوري الذي يقول: آمنت بعويس إن كان نبيًا. سينفع معي هنا [في هذا الموقف].

فسجّل هذا الكلام في حاشيته على التوحيد أنه لو سُئلت عن فلان وأنت لا تعرف من هو هذا الشخص، أتؤمن به نبيًا؟ فتقول: آمنت به لو كان نبيًا، أنت تشترط.

فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.