سورة المائدة | ح 1007 | 61 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يبين الله تعالى في سورة المائدة فئة من الناس يظهرون الإيمان بألسنتهم ويضمرون الكفر في قلوبهم، وهم المنافقون.
- •هؤلاء يدخلون على المسلمين بالكفر ويخرجون به دون أن يتأثروا بمجالس الذكر والعلم.
- •الله تعالى أتاح للناس حرية الاعتقاد والتصريح بعقائدهم، لكن المنافق الذي يخفي كفره أشد خطراً وأسوأ عند الله من المصرح بكفره.
- •جعل الله المنافقين في الدرك الأسفل من النار لخطورتهم وضررهم على الأمة.
- •أمرنا الله بعدم تكفير المسلمين حتى ولو ظهرت عليهم أمارات النفاق، لأننا مأمورون بمعاملة الناس وفق ظواهرهم.
- •سمى الفقهاء المسلم بـ"المسلم الصعب" لأنه يصعب إخراجه من الإسلام بعد نطقه بالشهادتين.
- •يجب أن تكون مجالس المسلمين مجالس ذكر وفكر، فالإيمان يقوم عليهما معاً.
- •موقف المسلم من المنافقين هو التوكل على الله وترك أمرهم إليه.
مقدمة تفسير آية المنافقين في سورة المائدة وبيان خطرهم على الأمة
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيدنا رسولِ اللهِ وآلهِ وصحبهِ ومن والاهُ. بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيدنا رسولِ اللهِ وآلهِ وصحبهِ ومن والاهُ.
معَ كتابِ اللهِ وفي سورةِ المائدةِ وعندَ قولهِ تعالى:
﴿وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: 61]
يحدثنا ربنا سبحانه وتعالى وهو يحدثنا عن الأمة وعن أركانها وقوتها وسنادها ووحدتها، يحدثنا عن طائفة من الناس يتكلمون بألسنتنا ويندسون في أوساطنا؛ آمن لسانهم لكنه لم تؤمن قلوبهم، بمعنى أنه قد صرَّح بالإيمان لفظًا لكنه أضمر الكفر قلبًا.
حرية الاعتقاد في الإسلام وموقف الشريعة من إظهار العقائد
وهذا الصنف من الناس أشد خطورة؛ حيث إن الله سبحانه وتعالى قد سمح للناس بأن يظهروا عقائدهم، بل وأن يتمسكوا بها، وجعل حسابهم على الله غدًا يوم القيامة.
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الغاشية: 22]
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
آيات واضحة في منح الحرية التامة:
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
منزلة المنافقين في الدرك الأسفل من النار رغم إتاحة حرية الاعتقاد
وقد جعل [الله سبحانه وتعالى] المنافقين الذين لا يُصرحون بمعتقدهم، بعد أن أتاح لهم الحرية [في إظهار عقائدهم]، في الدرك الأسفل من النار:
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]
إذا أعطى [الله] للإنسان حرية الاعتقاد وأعطى له التصريح بذلك، وجعل الذي يصرح بعقيدته ولو كانت كفرًا أولى عنده وعند المؤمنين من ذلك الذي يؤمن بلسانه ولا يؤمن بقلبه فيكون من المنافقين.
خطورة طائفة المنافقين والأمر بحمل الناس على ظواهرهم وعدم التكفير
نجعل هذه الطائفة [طائفة المنافقين] ونعدها من أخطر الطوائف؛ لأننا أيضًا قد أُمرنا بأن نحمل الناس على ظواهرهم وأن لا نفتش في قلوب الناس.
ولذلك فقد أُمرنا شرعًا بأن نحتضن أولئك المنافقين وألا نتهمهم بالكفر، لكن هذا عدو لا شأن لي به. هل شققت عن قلبه؟ هذا [المنافق] سيخرب بيتنا، ليس لي تدخل ولا نلتفت إليه.
فالأمر إذن بيد الله، والمسلم في ذلك يتوكل على الله؛ سيغنينا الله من فضله ورسوله، يعني حسبنا الله، أي كفاية الله ونعم الوكيل. فموقفنا مع هؤلاء [المنافقين] هو موقف التوكل على الله سبحانه وتعالى.
التكفير من الكبائر ومعنى مصطلح المسلم الصعب في كتب الفقه
ومن هنا كانت من العظائم ومن الكبائر قضية التكفير، أن نكفر الناس. حتى سمى الفقهاء المسلم بـ**«المسلم الصعب»**.
سموا المسلم ماذا في كتب الفقه هكذا؟ هذه العبارة: «المسلم الصعب». صعب كيف يعني؟ صعوبته ليست في أخلاقه أو أنه شديد، لا، إنه رحيم وودود وهكذا. صعب بمعنى آخر: أن تخرجه من ملته صعب.
أن تخرج المسلم بعد أن شهد الشهادتين من الإسلام، لكنه يرتكب المعصية، لا فائدة، لا يخرج من الإسلام. لكنه يفعل ويفعل ويدبر وما إلى ذلك، لا يخرج من الإسلام.
فسموه ماذا؟ «المسلم الصعب»، صعب بالرغم أن نفاقه واضح، نعرفه في لحن كلامه، وبالرغم من ذلك لا نستطيع أن نكفّره.
كشف الله للنبي أمر المنافقين وعدم جواز ادعاء ذلك بعده
وإذا جاءوكم، إذا لم يقتصر الأمر هنا على النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإن الله سبحانه وتعالى قد كشف له بعين بصيرته وبوحيه المنافقين، فهو يعرفهم.
ولكن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز لأحد أن يدّعي ذلك [أي معرفة ما في قلوب الناس]. وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفهم وبالرغم من ذلك لم يخرجهم [من الإسلام]، بالرغم من معرفته لهم، يعرفهم جيدًا.
قصة عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين وتعامل النبي معه
إلا أن رأس المنافقين عبد الله ابن أبي، وكانت أمه اسمها سلول، فكان يقال «ابن سلول». فتضع في الألف هنا ماذا؟ ألف في «ابن»؛ لأن هذه صفة لعبد الله، عبد الله بن أبي ابن سلول، لا تمحو الألف، بل إنك تخبر عنه أنه ابن سلول التي هي السيدة أمه.
فعبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين يرسل إلى النبي [صلى الله عليه وسلم] قائلًا: يا نبي الله، ويمشي وراءه قائلًا: يا نبي الله، وهو ليس مؤمنًا.
[فقال:] أرسل لي عباءتك حتى أُكفَّن فيها، فأرسل له عباءته صلى الله عليه وسلم حتى يُكَفَّن فيها، وصلّى عليه [صلى الله عليه وسلم]، فيصلي عليه [رغم علمه بنفاقه].
رحمة النبي بالمنافقين وامتداد الخطاب القرآني إلى الأمة كلها
إذا هذا الرحيم صلى الله عليه وسلم وقد كان يعرف كل شيء بإذن الله وبعون الله وبإعلام الله له، لا يقتصر الأمر عليه، بل إن الأمر يمتد إلى أمته ومن بعده.
فقال [تعالى]:
﴿وَإِذَا جَآءُوكُمْ﴾ [المائدة: 61]
وليس «وإذا جاءوك»، إذن هنا الخطاب إلى الأمة يستمر معه [صلى الله عليه وسلم].
قالوا آمنّا، قال آمنّا يعني ولم تؤمن قلوبهم. قالوا آمنّا وربنا يكشف حالهم:
﴿وَقَد دَّخَلُوا بِٱلْكُفْرِ﴾ [المائدة: 61]
عليكم، لمّا دخلوا عليكم دخلوا بالكفر، وهم قد خرجوا به من عندكم، يعني داخل كافر خارج كافر، لم يتأثر.
مجالس المسلمين بين الذكر والعلم وعدم تأثر المنافقين بها
لم يتأثر [المنافق] بجماعة المسلمين، لم يتأثر بما يذكرونه من علم؛ فإن مجلس المسلمين دائمًا هو مجلس ذكر ومجلس علم.
ومرّ النبي صلى الله عليه وسلم على حلقتين بالمسجد: إحداهما تذكر الله وإحداهما يتدارسون شيئًا من العلم، فقال: «هؤلاء على خير وهؤلاء على خير»، ثم انضم إلى التي هي بالعلم صلى الله عليه وسلم.
ففي المسجد إما أن المسلمين يذكرون الله وإما أنهم يتدارسون فيما بينهم. يدخلون [أي المنافقون] ويخرجون على هذه الصفة، يعني هم عندما دخلوا عليكم وجدوكم بماذا؟ إما أنكم تذكرون [الله] ولا توجد فائدة، لم يؤثر الذكر فيهم، وإما أنكم تتعلمون وتدرسون فلم يؤثر العلم فيهم.
طريق الله بين الذكر والفكر ووجوب أن تكون مجالسنا عامرة بهما
إذن هؤلاء الناس [المنافقون] رفضوا طريق الله: الذكر والفكر، شيئان هكذا هما: الذكر والفكر.
دخلوا على المسلمين، يعني دخلوا على ذكر وفكر. حسنًا، ما نستفيده من هذا أنه يجب علينا أن تكون مجالسنا مجالس ذكر أو فكر أو هما معًا.
فالإيمان بين الذكر والفكر، وكان الصحابة أحدهم يقول لأخيه: «تعال بنا نؤمن ساعة، تعال بنا نؤمن ساعة»، فكانوا يتدارسون العلم أو يتذاكرون القرآن أو يذكرون الله سبحانه وتعالى.
كتمان المنافقين لحالهم وترحيل أمرهم إلى الله سبحانه وتعالى
﴿وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: 61]
ففي كتمان لحالهم ومحاولة لهذا [الإخفاء]، ولذلك فالأمر مبني على العفو، مُرحَّل إلى رب العالمين.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
