سورة المائدة | ح 1016 | 66| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1016 | 66| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • يقول الله تعالى في سورة المائدة: "وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ"، فالله سبحانه لا يحب الفساد والمفسدين.
  • الفساد ضد الصلاح، فالصلاح فيه نماء وبقاء وتعمير، بينما الفساد فيه تدمير.
  • رسم الله لنا الطريق الشرعي بأوامر واضحة تمثل الصلاح: إقامة الصلاة والطهارة والوضوء والصيام.
  • ترك الصلاة والطاعات هو بداية الفساد، ومن أراد استجابة الله لدعائه فعليه تحقيق شرطين: الإيمان والاستجابة لأوامر الله.
  • استجابة العبد لله تعالى تتمثل في أداء العبادات المفروضة من شهادتين ووضوء وصلاة وصيام وزكاة وحج للقادرين.
  • الذكر من أساسيات الصلاح، فمن يذكر الله يذكره الله، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
  • هذا البرنامج الرباني قابل للتطبيق وميسر، وبه يكون الإنسان من المصلحين.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

آية سورة المائدة في إلقاء العداوة والبغضاء بين الكافرين وإفسادهم في الأرض

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ.

مَعَ كِتَابِ اللهِ وَفِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ يَقُولُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:

﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰنًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: 64]

هذه حقيقةٌ نسبها الله إليهم [أي إلى الكافرين] وتبرَّأ منهم، وبيَّن أنه لا يحبها وأنه يكرهها.

بيان الله لما يحب وما يكره وأن الفساد ضد الصلاح والتعمير

واللهُ سبحانه وتعالى بيَّن لنا ما يكره وما يحب في كتابه، وهي حدود الله، وقال:

﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187]

﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]

﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: 64]

والفساد ضدُّ الصلاح، والمفسد ضدُّ المصلح. والصلاح فيه نماءٌ وفيه بقاءٌ وفيه تعمير، أما الفساد ففيه تدمير؛ فالتعمير صلاح، والتدمير فساد.

وجوب تأمل الإنسان في أعماله حتى لا يكون من المفسدين

وينبغي على كل إنسان منا أن يتأمل ما يعمل حتى لا يكون من المفسدين؛ فيخرج من دائرة حب الله إلى دائرة غضبه، ومن دائرة رضاه إلى دائرة عقوبته، والعياذ بالله تعالى.

﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: 64]

لا يحبهم في الدنيا ولا يحبهم في الآخرة. ولذلك فهذه الصفة التي كانت في أقوام سابقين لا بدَّ أن نتبرأ نحن منها، ونخرج من كل فساد وإفساد.

البرنامج الرباني الواضح من الطهارة والصلاة خمس مرات في اليوم

رسم الله لنا الطريق الشرعي الذي يحبه، أمرنا ببرنامج واضح؛ أمرنا بالصلاة خمس مرات في اليوم والليل. وعندما نريد الصلاة يجب علينا أن نتطهر بالوضوء، وأن نتطهر في ثيابنا، وأن نتطهر في المكان، وأن نتطهر من كل نجسٍ ورجس.

أمرنا أن نصلي الفجر ركعتين، وأن نصلي الظهر أربع ركعات، والعصر أربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء أربع ركعات. هذا هو الصلاح والفساد بضده.

ترك الصلاة أول الفساد وشرطا استجابة الدعاء من الله تعالى

ولذلك فإن أحدنا يترك الصلاة من وطأة الحياة عليه وانشغاله بتحصيل لقمة العيش، أو انشغاله بالضغوط التي حوله وينسى الصلاة، وهذا أول الفساد.

فإن الله سبحانه وتعالى وهو رحيم يجيب دعوة الداعي إذا دعاه بشرطين:

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]

ولذلك فلا بدَّ أن نؤمن به؛ فمن كفر بالله لا يدعوه لأنه لا يؤمن به. ومن لم يستجب لله فإن الله لا يستجيب له دعاءً؛ استجب لله يستجب الله لك.

ثمرات الاستجابة لله ورؤية أثر ذكره في النفس والأهل والرزق

وترى الله في كل شيء؛ تراه في نفسك وقد هدأت، وتراه في مَن حولك وقد منَّ الله سبحانه وتعالى عليهم، تراه في أبنائك وفي أهلك، وتراه في رزقك، وتراه في قناعتك ورضاك.

وأول ذلك الصلاة. هل تُصلي أنت؟ إذا لم تكن كذلك [أي لم تكن تصلي]، فاجعل محطةً مثل محطة رمضان بداية لهدايتك، وتكون بداية الهداية، تكون بداية للهداية.

بداية الهداية بالوضوء وعلاقته بالصلاة واستجابة الدعاء

بداية الهداية: أمسِكِ البرنامج الرباني السهل؛ توضأ، هذا الوضوء سهل. قال لك [الله] توضأ، ربنا سهَّلها عليك، توضأ.

ما علاقة الوضوء باستجابة الدعاء؟ إنك عندما تتوضأ يكون معك السلاح من أجل أن تصلي في أي وقت حلَّت عليك فيه الصلاة.

قال رسول الله ﷺ: «وجُعِلَت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا»

وعندما يأتي رمضان تصوم شهر رمضان:

﴿ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]

يعني من حضر منكم الشهر فليصم.

بداية الصلة بالله بالوضوء والصلاة والصيام والشهادتين ميسورة لكل أحد

هذه بداية الصلة بالله، هذه بداية الصلاح: الوضوء والصلاة والصيام. وهذا مع الشهادتين [شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله] والإيمان بالله مقدورٌ لكل أحد.

كل واحد يستطيع أن يفعل ذلك، يعني سواء كان معك مالٌ أم ليس معك مال، غنيًّا أم فقيرًا؛ فإنك تستطيع أن تشهد الشهادتين وأن تتوضأ وأن تصلي وأن تصوم.

وهناك أمرٌ متعلقٌ بمن منَّ الله عليه بمِنَن، ومِنَن الله كثيرة لا تُحصى:

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]

الزكاة والحج هذا [واجبٌ على] القادر على ذلك الغني.

ترك الصلاة والذكر فساد وأهمية الإكثار من ذكر الله تعالى

إذن هذا هو الصلاح وضده الفساد؛ فإذ لم تتوضأ ولم تصلِّ ولم تصم، وإذ لم تذكر ربك حيث قال:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

فإنك في الفساد، والله لا يحب المفسدين.

أكثِرْ من ذكر الله، قال:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]

فإذا ذكرتَه في نفسك ذكرك في نفسه جلَّ جلال الله، وإذا ذكرته في ملأٍ ذكرك في ملأٍ خيرٍ منه. هو يقول عن نفسه هكذا جلَّ جلاله: فاذكروني أذكركم، يعني شرطٌ: اذكرني هنا أذكرك هنا.

فضل ذكر الله وأن بني آدم بنيان الرب واطمئنان القلوب بالذكر

أنت الذي يذكرك ربنا، نعم أنت! فبنو آدم بنيان الرب، يعني ربنا الذي خلقك وسوَّاك هكذا على هيئة سيدنا آدم، فربنا جلَّ جلاله يذكرك.

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]

هذا هو الصلاح، بداية الصلاح.

الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتدفع إلى فعل الخير

لأنه [الله سبحانه وتعالى] جاء وقال:

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]

فالصلاة هذه ستمنعك من فعل السوء وتجعلك تسير في طريق السبيل. الصلاة هذه ستدفعك إلى فعل الخير، قال تعالى:

﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]

البرنامج الرباني القابل للتطبيق من الشهادتين والصلاة والذكر والدعاء

إذا فعلنا هذا، فهناك برنامجٌ قد حدده الله لنا، وهو برنامجٌ قابلٌ للتطبيق. لا يأتي أحدٌ ويقول لي: ماذا أفعل؟ فالله عز وجل قد أخبرك بذلك: اشهدِ الشهادتين، توضأ، صلِّ، صُمْ، اذكرِ الله. وهذا الكلام مرتبٌ ومقدورٌ عليه بكل سهولة.

وبعد ذلك ادعُ [الله]:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]

فربنا يجعلنا من المصلحين ولا يجعلنا من المفسدين، ويجعلنا ممن يدعون ربهم فيستجيب لهم.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.