سورة المائدة | ح 1017 | 67| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1017 | 67| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • يحاسب الله الإنسان طبقاً لما علمه، فمن نشأ مسلماً فهذا فضل، ومن لم تصله رسالة الإسلام بصورة صحيحة لا يعاقبه الله عند الأشاعرة.
  • علّمنا الله الإنصاف في التعامل مع أهل الكتاب، حيث قال: "منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون".
  • يذكر الله أهل الكتاب في القرآن ليُعلّمنا الإنصاف والعدل، ولنقيس أنفسنا عليهم ونأخذ العبرة.
  • ينبغي تطبيق ما ورد عن أهل الكتاب على أنفسنا: "ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم".
  • الثقة بالله والصبر مع الله أساسيان، فكثير من الناس يتعجلون الاستجابة.
  • الصبر على المصائب يمحو الذنوب ويرفع الدرجات ويعطي الأجر العظيم.
  • الله يضاعف الأجر للعبادات كالصلاة من عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف وأكثر.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية من سورة المائدة عن أهل الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامَنُوا وَٱتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَـٰهُمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ [المائدة: 65]

ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى يتعامل مع الإنسان بما علمه، قال تعالى:

﴿ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ [النجم: 30]

فإنه يحاسب الإنسان طبقًا لما علمه، من الذي علَّمه الله.

حكم من نشأ في غير المسلمين ولم تبلغه الرسالة بصورة صحيحة

فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد أنشأ إنسانًا في وسط المسلمين، فذلك من عند الله، أصبح مسلمًا من غير حولٍ منه ولا قوة. وإذا كان الله خلق أناسًا في غير المسلمين، بل ولم يسمعوا عن الإسلام ولم يعرفوا منه شيئًا، خاصةً في عصرنا النكد الذي شُوِّهت فيه صورة الإسلام.

فخرج هذا الطفل يسمع عن الإسلام كل سلبي ولا يسمع عنه أي خير، فظهر الإسلام في ذهنه أنه ضد الصلاح وأنه ليس إلا مع الفساد، هكذا في ذهنه.

فهذا لا يعاقبه الله سبحانه وتعالى؛ عند السادة الأشاعرة يقولون إنه ناجٍ. لماذا؟ لأن الرسالة لم تصل إليه.

شرط بلوغ الرسالة ومحاسبة الله للإنسان على حسن خلقه

ربنا سبحانه وتعالى جعل هناك بلاغًا للرسالة، وما على الرسول إلا البلاغ. فإذا لم تُبلَّغ الرسالة بصورة لافتة للنظر، فإنه يكون خارج نطاق المسؤولية.

ينظر الله سبحانه وتعالى إلى حُسن خُلقه وإلى فعله مع الناس، فإذا رآه حسنًا فإن الله سبحانه وتعالى يغفر له.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامَنُوا وَٱتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَـٰهُمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ [المائدة: 65]

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 66]

تعليم الله الإنصاف وعدم تعميم الحكم على أهل الكتاب

يُعلمنا ربنا مرة بعد أخرى الإنصاف، ويربي فينا ويكاد في كل آية ألا نعمم الحكم. منهم [أي من أهل الكتاب] فبعضهم أمة مقتصدة تسير على الصراط المستقيم، تؤمن فعلًا بالله، تحب أن تلتزم وتخاف من ربنا.

وكثير منهم ساء ما يعملون، غير ملتزمين.

نكرر مرة بعد أخرى: أولًا، الله يعلمنا الإنصاف:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

ثانيًا، ربنا كلما تكلم عن أهل الكتاب فإنما يتكلم عنا ويتكلم عنهم حكايةً، ويتكلم عنا تكليفًا وتشريفًا وعبرةً. فلا نكون بالصفات التي ذمها فيهم، ونكون بالصفات التي مدحها فيهم.

مقصد ذكر أهل الكتاب في القرآن وتعليم النبي الإنصاف والعدل

فهذا مقصد ذكر أهل الكتاب [في القرآن]: أن نلتفت إلى أنفسنا. والنبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما كان يقول وهو يربي عقولنا على الإنصاف والعدل، والعدل يحبه الله، يقول:

«أترى القذاة في عين أخيك وتدع جذع النخلة في عينك؟»

في عينك شرطة صغيرة هكذا، تقول: الله، انظر إلى الشرطة التي في عينك [أي عين أخيك]، وأنت لا تنتبه أن في عينك جذع نخلة! أنت لست منتبهًا أن المساوئ التي فيك أكثر من المساوئ التي أنت تنظر إليها في أخيك.

العبرة من ذكر أهل الكتاب وأصل القياس في الفقه من آية الاعتبار

ولذلك بعد أن علَّمَنا [الله] الإنصاف وعلَّمَنا العبرة التي يجب أن نأخذها منه [من ذكر أهل الكتاب]:

﴿فَٱعْتَبِرُوا يَـٰٓأُولِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ [الحشر: 2]

يعني انظروا إلى حالهم واعبروا به إلى حالكم. ولذلك أخذ العلماء من قوله ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أصل القياس في الفقه؛ فالاعتبار يعني أننا نقيس حالنا على حالهم، وفيها عبرة بمعنى موعظة.

ولذلك عندما نقرأ كل ما يتعلق بأهل الكتاب فعلينا أن نطبقه على أنفسنا وكأنه موجه لنا، ولأننا أيضًا أهل كتاب وكتابنا القرآن.

العبرة من إقامة الكتاب وتطبيقها على المسلمين مع القرآن

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ [المائدة: 66]

حسنًا، ولو أنكم أقمتم القرآن في أنفسكم — هذه هي العبرة — إذن لأكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

الثقة بالله والصبر في معاملته وعدم التعجل في الاستجابة

هنا تأتي قضية الثقة بالله، وتأتي قضية الصبر في الله. والصبر في الله أن تصبر في معاملتك مع الله؛ فكثير من الناس يتعجل:

﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الإسراء: 11]

يدعو ويريد أن يستجيب الله له فور دعائه، فإذا أخّر عنه الاستجابة غضب، وغضبه في الحقيقة هو غضب من الله.

ولا يجب عليك يا من احتجت إلى الله في وجودك هذا [أن تغضب]؛ ربٌّ أنت محتاج إليه في وجودك هذا، لو سحب منك الإمداد لهلكت. فأنت تُخلق كل لحظة خلقًا جديدًا هكذا، فهو الخلّاق لأنه كثير الخلق، ولو أنه تركنا ولم يخلقنا لفنينا جميعًا.

التحذير من الغضب على الله عند المصائب والثقة بحكمته سبحانه

إنه كن فيكون، فأمره بين الكاف والنون فيكون على الفور، إنه ربنا. فاحذر أن تقع في هذا الشرك بأن تغضب من ربك.

وهذا [الغضب] يظهر عند الصدمة؛ شخص مات له عزيز ويقول: يا رب لماذا فعلت هكذا؟ يطالب بحقه من الله! لأن هذه هي الحكمة [الإلهية]؛ ففي ذلك خير لك في الدنيا والآخرة.

لو علمتم ما في الصبر من أجر لتمنيتم المصاب كل لحظة، ولكننا لا نُصاب كل لحظة، ولذلك فنحن في رحمة وفي بحبوحة. وستظل الدنيا أكبر منا، نأتي ونرحل ونموت والدنيا تمضي كما أرادها ربنا.

الثقة بالله ورحمته في المرض وأجر الصبر على البلاء

إذن ثق بالله، ثق بالله أول شيء هكذا. أهم شيء أن يكون لديك ثقة بالله؛ ربنا رحيم ولكنك قد لا ترى رحمته.

فإذا أصابك بمرض فهو يدخر لك الأجر والثواب على ما صبرت وما عانيت. والمرض يكفر الذنوب ويرفع الدرجات ويعطي الأجر العظيم.

ثلاثة أمور [يحققها المرض للصابر]:

  1. محو الذنوب.
  2. ثم بعد ذلك إعطاء للأجر.
  3. وبعد ذلك ثالثًا رفع للدرجات.

ليس هناك أجر أفضل من هذا.

مضاعفة أجر الصلاة والدعاء بالدرجات العاليات وختام الدرس

قم وصلِّ؛ ربنا سبحانه وتعالى يعطيك عشرة [أضعاف] في اثنتين [أي] ركعتين فتصبح عشرين، ومنها ما يصل إلى سبعمائة فتصبح ألفًا وأربعمائة، ومنها ما يصل إلى أضعاف كثيرة: عشرة آلاف أو عشرة ملايين أو عشرة مليارات.

والركعتان هما هما [لم تتغيرا]، فالدرجات ترتفع [بحسب الإخلاص والخشوع].

فليجعلنا ربنا سبحانه وتعالى من أصحاب الدرجات العاليات. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.