سورة المائدة | ح 1020 | 67| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1020 | 67| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • الوحي المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم يشمل نوعين: الوحي المتلو (القرآن الكريم) والوحي المفسر (السنة النبوية).
  • كل ما نطق به النبي محفوظ بعصمة الله، سواء كان قرآناً أو حديثاً قدسياً أو سنة، فهو لا يقول إلا الحق.
  • النبي كان يغضب ظاهرياً لانتهاك حرمات الله، مع أنه في حقيقته كان راضياً مسلماً.
  • السنة مصدر للتشريع بدليل قوله تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم".
  • آية "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" تشمل حفظ القرآن والسنة معاً.
  • النبي ترك للأمة شيئين لن تضل ما تمسكت بهما: كتاب الله وسنته.
  • من يدعون أنهم "قرآنيون" ويرفضون السنة يخالفون صريح القرآن.
  • من يعتدي على رسول الله أو يعترض على دينه فهو من الكافرين الذين لا يهديهم الله.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة تفسير آية التبليغ من سورة المائدة وبيان شمول الوحي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة: 67]

وكلمة «ما أُنزل إليك من ربك» تشمل الوحي المتلو والوحي المفسِّر؛ أما الوحي المتلو فهو القرآن الكريم، وأما الوحي المفسِّر فهو السنة النبوية المشرفة.

تأييد الله لكلام النبي ﷺ بأن كل ما ينطق به وحي من عند الله

والنبي صلى الله عليه وسلم علّمنا أن القرآن من عند الله، وأن مضمون السنة المحمدية المشرفة فيما نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله. وأيّد الله كلام النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ [النجم: 3-5]

فكل ما خرج من فمه الشريف سواء أكان متلوًا كالقرآن الكريم، أو كان منسوبًا إلى الله سبحانه وتعالى كالأحاديث القدسية التي يرويها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه، أو كان صياغة ذلك من عنده يعبّر بما فهم وبما تعلّمه من الوحي، فإن كل ذلك من الوحي.

عصمة النبي ﷺ في كلامه حتى في حالة الغضب وأمره بالكتابة

ولذلك عُصِمَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال:

«اكتب، فوالله إني لا أقول إلا حقًّا»

سأله بعضهم: يا رسول الله، إنك بشر تغضب وترضى، قال:

«اكتب، فوالله لا أقول إلا حقًّا»

النبي صلى الله عليه وسلم في حالة غضبه - وهو غضب ظاهري من أجل انتهاك حرمات الله أو مخالفة لأوامر الله - كان يغضب، لكنه من الداخل لا يغضب، بل هو من أهل التسليم والرضا على أعلى ما يكون التسليم والرضا.

أحاديث النبي ﷺ في النهي عن الغضب وفضل ملك النفس عنده

وكان [النبي ﷺ] يقول:

«ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»

وكان يقول:

«لا تغضب»

فكرّر الأعرابي عليه: دلّني على شيء أفعله، قال:

«لا تغضب»

فكرّرها عليه مرتين، فقال:

«لا تغضب»

وقال لآخر:

«لا تغضب ولك الجنة»

فالنبي صلى الله عليه وسلم يغضب في ظاهر الأمر لانتهاك حرمات الله، لكنه في الحقيقة في التسليم والرضا [لله سبحانه وتعالى].

معنى «ما أُنزل إليك» يشمل القرآن والسنة معًا وأن السنة تفسر الكتاب

بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك؛ إذن «بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك» عندما تراها في القرآن تكون هي أوسع من القرآن [أي من الكتاب وحده]، لأن الكتاب جزء مما أنزله الله سبحانه وتعالى على نبيه، بل إنه آتاه شيئًا آخر: الكتاب كتاب يُبلَّغ الكتاب ويُفسَّر به كتابًا ويُوضَّح به الكتاب ويُبيَّن الكتاب، وهكذا [فالسنة مفسِّرة وموضِّحة للقرآن].

حديث النبي ﷺ في أنه أوتي القرآن ومثله معه من السنة

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«يأتي على الناس زمان يتّكئ أحدهم على أريكته ويقول: بيننا وبينكم كتاب الله، ما وجدنا فيه من حلال أحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرّمناه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»

وواضح أنه [يعني السنة النبوية]. وفي رواية أخرى:

«ومثليه معه»

يعني أن السنة حجمها أكبر من حجم القرآن؛ لأن المذكرة الإيضاحية والتفسيرية والتطبيقية تكون أوسع من الإعجاز في الإيجاز. هذا إيجاز في إعجاز، والثاني [السنة] يشرح، فالذي يشرح هذا دائمًا يكون أوسع.

«ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»

وفي رواية أخرى:

«ومثليه معه»

موقف الإمام الشافعي من دعوى عرض الحديث على القرآن فقط

وكان الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه عندما يُعرض عليه قول القائل: «إذا أتاكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب الله، فإن وجدتموه موافقًا فبها ونعم، وإلا [فاتركوه]»، [يقول]: فهذا كلام من وضع الزنادقة.

يعني النبي لم يقل هكذا! النبي قال ما قال الله:

﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]

فأين الذي آتانا وأين الذي نهى؟ السنة!

﴿أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ [آل عمران: 32]

﴿أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ﴾ [النساء: 59]

وهكذا، إذن السنة مصدر للتشريع وهذا واضح.

آية التبليغ وآية النحل تؤكدان أن السنة وحي منزل من الله

في قوله تعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة: 67]

وقال تعالى:

﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]

إذن، الذكر هنا هو السنة. انظر وانتبه جيدًا للكلام: «وأنزلنا إليك الذكر» - فقد نزل شيء [وهو السنة] - «لتبيّن للناس ما نُزِّل إليهم»، أي ما أنزله الله [وهو] القرآن. فهذه أيضًا آية أطلقت كلمة الذكر على السنة.

آية الحفظ في سورة الحجر تشمل حفظ القرآن والسنة معًا

ولذلك عندما نأتي هناك في سورة الحجر ونقرأ:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

سنقول إنه القرآن والسنة، وإنا له لحافظون: حفظ [الله] سنته [أي سنة نبيه ﷺ] وحفظ القرآن، وأقام لهؤلاء [أي للسنة] رجالًا وأقام لهذا [أي للقرآن] رجالًا.

والنبي ﷺ يقول:

«تركت فيكم ما إن تتمسكوا به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي» أخرجه أحمد

إذن الحفظ والبلاغ متعلق بالكتاب وبالسنة [معًا].

الرد على من يسمون أنفسهم قرآنيين ويرفضون السنة النبوية

فهمت الأمة هذا [أن السنة مصدر للتشريع كالقرآن]، وفهم بعض الناس ذلك في الكتاب [فقط] فضلّوا وأضلّوا. ولذلك تجدهم كل حين يظهرون هكذا، يقولون لك: نحن قرآنيون.

ما هؤلاء القرآنيون؟ كفى الله الشرع [شرّهم]! يقول لك: إننا نأخذ القرآن دون السنة. هذا لا يصلح، لا يصلح هذا الكلام! السنة محفوظة مثلما القرآن محفوظ.

ولذلك تجدهم ينامون ويقوم كل عشرين أو ثلاثين أو أربعين سنة هكذا شخص ويُحدث ضجة، وعندما يموت [يذهب] معه الكلام؛ لأنه غير مؤسَّس، ولأنه مخالف لكل آية في القرآن.

أهل القرآن امتزج الإيمان بدمائهم وبقاء الإسلام رغم دعاوى المبطلين

الناس أهل الله وأهل القرآن امتزجت آيات الله بدمائهم وبلحمهم ودمهم، ولذلك عاشوا معه [أي مع القرآن والسنة]، فهم نوّر الله بصيرتهم فاستقر وشعّ في المسلمين ذلك [النور].

يأتي شخص ليقول: قرآني! [يأخذ] القرآن ويفعل ما يريد، والناس يتجاذبون معه قليلًا هكذا هو، وفي النهاية ماذا يحدث؟ لا شيء ولا أي شيء، ويذهب بموته، يموت معه هذا الكلام الهراء.

ويبقى الإسلام كما هو تتناقله الأجيال، ويبقى العلم كما هو، والحمد لله رب العالمين.

من يعتدي على رسول الله ﷺ ويعطل رسالته فهو من الكافرين

وفي آخر الآية يقول [الله تعالى]:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 67]

إذن فالذي يعتدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من الكافرين، [والذي] يعطّل رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من الكافرين، والذي يعترض على دين رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من الكافرين، والله لا يهدي القوم الكافرين.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.