سورة المائدة | ح 1021 | 68| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1021 | 68| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • في سورة المائدة، أمر الله نبيه بمخاطبة أهل الكتاب بأنهم ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم.
  • الإسلام يقر بالتوراة والإنجيل كونهما من كتب الله، وهذا أساس للحوار مع أهل الكتاب عبر العصور.
  • جرى جدل ديني واسع في مناطق مختلفة كأنطاكيا والأندلس والدولة العثمانية، حيث أكد المسلمون وجود البشارة بالنبي محمد في كتب أهل الكتاب.
  • أسلم كثير من أهل الكتاب عندما اتضحت لهم الحقائق، وكثيرون لم تتضح لهم، فالهداية بيد الله.
  • انتشر الإسلام من طنجة إلى جاكرتا دون إكراه، ولم يحدث أن هاجم المسلمون أحدًا دون أن يهاجموا.
  • كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألم لحال الكافرين ويريد الهداية للجميع، فخفف الله عنه بقوله "فلا تأس على القوم الكافرين".
  • الرسول كان رحمة مطلقة ورفض الانتقام، آملاً أن يخرج من أصلاب المشركين من يعبد الله.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية مخاطبة أهل الكتاب من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 68]

دلالة كلمة قُلْ على أن القرآن من عند الله لا من ذات النبي

أمر بالبلاغ؛ كلمة ﴿قُلْ﴾ أيضًا من الكلمات التي تدل على أن القرآن من عند الله، يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم وليس من ذاته من الداخل؛ ﴿قُلْ﴾ [أي أن الأمر يأتي من] خارج يخاطب داخلًا.

﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ﴾ [المائدة: 68]

أي الحصيلة صفر، ﴿لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ ليس لديكم شيء كهذا [أي ليس لديكم دين صحيح تقومون عليه].

إقرار الإسلام بالتوراة والإنجيل ومطالبة أهل الكتاب بإقامتهما

﴿حَتَّىٰ تُقِيمُوا ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾ [المائدة: 68]

فقد أقرّ الإسلام بالتوراة وأقرّ بالإنجيل، وبيّن أنهما من كتب الله للبشرية. وطلب من أهل الكتاب من اليهود والنصارى أن يتبعوا ما في التوراة وما في الإنجيل.

هذا قمة الحوار؛ إذا أردنا حوارًا، وللجدال بالتي هي أحسن إذا أردناها أحسن أن تبحث عن المشترك بين المتحاورين. والمشترك بين المتحاورين هو التوراة والإنجيل؛ فالمسلم يؤمن بالتوراة والإنجيل، وأهل الكتاب يؤمنون بالتوراة وبالإنجيل. تعالوا إذن ننفذ ما في التوراة وما في الإنجيل.

تاريخ الجدل الديني الواسع بين المسلمين وأهل الكتاب عبر القرون

وكان هذا هو أساس الجدل الديني خلال القرون؛ هناك جدل ديني واسع تم في مدرسة أنطاكيا في القرن الرابع الهجري، وهناك جدل واسع تم بين علماء مصر والشام وبين قبرص.

وهناك جدل ديني واسع تم في الأندلس وفي المغرب العربي، وهناك جدل ديني واسع تم في الدولة العثمانية مع أوروبا.

وكان هذا الجدل مبنيًّا على: هيا بنا ننطلق من التوراة والإنجيل؛ فالمسلمون يصرون على أن التوراة والإنجيل قد ذُكِرت فيهما البشارة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبحاث كثيرة تُثبت ذلك، وإنكار كثيف من قبل أهل الكتاب حول هذه النقطة.

الاحتجاج بالآيات على البشارة بالنبي وتحريف الترجمات لها

يأتي [المسلم] لهم بالآيات، يقول له: انظر الآيات ها هي، فيها ذكر محمد وفيها ذكر أحمد، وتلاعبت بها الترجمة، وعندما تُرجمت حُرفت عن مواضعها. والآخر يقول: لا، لم يتم هذا، ولذلك أنا غير مقتنع.

لكن أمر الله [ماضٍ]:

﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]

أمر الله هكذا، سبحان الله. وكثير كثير من أهل الكتاب أسلموا ودخلوا الإسلام عبر العصور وفي كل مكان عندما اتضحت لهم هذه الحقائق، وكثير كثير لم تتضح له هذه الحقائق.

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

التعامل مع المخالف بالمحبة وعدم الإكراه في الدين

مع اختلافي معه لا أستطيع أن أكرهه على شيء؛ لأنه لا إكراه في الدين، ومع اختلافي معه أحبه، لا يحدث أي شيء.

ولم ينهنا الله سبحانه وتعالى عن الذين لم يقاتلونا في الدين ولم يخرجونا من ديارنا أن نبرّهم وأن نودّهم وأن نحبهم.

ولكن الحق حق، والحق واضح، والباطل متلاطم. فحدث جدل ديني واسع عبر القرون، وكان سبب هذا الجدل الديني ونتيجته أن أسلم الناس ودخلوا في دين الله أفواجًا من طنجة إلى جاكرتا ومن غانا إلى فرغانة دون إكراه.

الرد على دعوى الإكراه في انتشار الإسلام بالأدلة التاريخية

ولذلك بعض المعاصرين يقول لك: لا، لابد أنه حصل إكراه. حسنًا، متى حصل هذا الإكراه؟ في أي سنة؟ في أي سنة؟ المسلمون قتلوا غيرهم لأجل الإسلام في أي سنة؟ وما اسم تلك السنة؟ وما اسم المعركة؟ كل شيء موجود في التاريخ.

لم يحدث أن المسلمين هاجموا أحدًا دون أن يُهاجَموا؛ لقد تعرض المسلمون للهجوم من الفرس والروم، ومن قبل ذلك من اليهود والمشركين، ومن بعد ذلك من المغول والصليبيين، ثم في فترة الاحتلالات الاستعمارية، وبعد ذلك في البوسنة وفي الهرسك وفي الشيشان وفي غيرهما من المناطق. ظلوا يُهاجَمون عبر العصور وهم يُحارَبون.

مقارنة تعامل المسلمين مع الشعوب بتعامل غيرهم مع الأمم المستضعفة

أهلكوا مَن إن شاء الله؟ مَن الذي أفنوه؟ والله هناك أناس أهلكوا الهنود الحمر، وهناك أناس أفنوا البوير والزولو في إفريقيا. أما نحن، فمَن أهلكنا؟

وهناك أناس مساكين اشتكى عبيدُهم لأنهم اختُطفوا، ونحن جعلنا عبيدنا هم الحكام؛ حكام! فالشاب المملوك يجلبونه عبدًا فيصبح هو الحاكم الأمير.

لماذا؟ لأنه يمتلك معرفة بالعسكرية، تربى في الطباق حيث كانت المدرسة الخاصة [بتعليم المماليك]، يسمونها الطباق.

معنى ما أُنزل إليكم من ربكم وكثرة أنبياء بني إسرائيل

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 68]

أيضًا يوجد توراة وإنجيل وما أُنزل؛ لأن الأنبياء الذين بُعثوا في بني إسرائيل كانوا كثيرين، ونزل عليهم علم كثير جدًّا.

وكان الله يرسل عدة أنبياء في وقت واحد، وقد أخبرنا عن مجموعة من الأنبياء؛ فتجد سليمان ابن داود، وتجد زكريا ابنه يحيى، وتجد موسى وأخاه هارون، وتجد إبراهيم وابن أخيه لوط، وتجد أنه كان يرسل رسلًا كثيرين فأقام عليهم الحجة.

معنى زيادة الطغيان والكفر عند كثير من أهل الكتاب

ولكن [الله سبحانه وتعالى] يتأسّف على طائفة منهم يترصدون [للحق]، ويقول عنهم:

﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم﴾ [المائدة: 68]

ليس كلهم، كأصابع اليد المختلفة.

﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰنًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: 68]

الطغيان كما ذكرنا هو التجاوز عن الحد، والكفر هو أن يستمروا فيه؛ الاستمرار ثم الزيادة، وذلك لعدم الإنصاف.

تسلية الله لنبيه الرحيم الذي كان يتألم لحال الكافرين

﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 68]

سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتألم لحال الكافرين، ويريد الهداية لكل الناس، ويريد لكل الناس أن يدخلوا الجنة؛ فهو لا يريد لأحد أن يدخل النار أبدًا.

فربنا سبحانه وتعالى يقول له: هدِّئ من روعك؛ لأنه رحمة مطلقة، رحمة للعالمين. فكان ربنا يهدئ من روعه بهذا:

﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 68]

لا تذهب نفسك عليهم حسرةً.

﴿فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]

رحمة النبي المطلقة وتسلية الله له بتفويض الهداية إليه سبحانه

هدِّئ بالك، اتركه.

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

دعه إلى الله. كان كل ذلك تسليةً للرحيم محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان يتفاعل بوجدانه مع الناس دائمًا، يريد الناس كلها تدخل الجنة.

وملك الجبال يأتي ليقول له: أأطبق عليهم الأخشبين وتخلص منهم؟ فيقول: لا، أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله. رحمة مطلقة!

فاللهم صلِّ على سيدنا محمد، وإلى لقاء آخر، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.