سورة المائدة | ح 1022 | 69| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيدنا رسولِ اللهِ وآلهِ وصحبهِ ومن والاه. معَ كتابِ اللهِ وفي سورةِ المائدةِ يقولُ ربُّنا سبحانَهُ وتعالى: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" [ المائدة ٦٩]. آيةٌ تدلُّ مرةً مِن بعد مرة أن كتاب الله الخاتم قد استوعب العالمين وتُبرهن مرة بعد أخرى أن الإسلام نسق مفتوح وأن الله سبحانه وتعالى يُعلّم عباده العدل وأنه لا يضيع
أجر المحسنين وأن من آمن عبر القرون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره فإن الله سبحانه وتعالى يقبله عنده ويحشره في الصالحين سواء أو كان من أتباع آدم من أبنائه أو من أتباع نوح أو من أتباع إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أو من أتباع موسى أو من أتباع عيسى أو من أتباع يحيى إلى آخر ما هنالك فإن صف الرسل واحد وكلهم من عند الله سبحانه وتعالى ولذلك
لما جاء الإسلام أمرنا أن نؤمن بالأنبياء جميعاً، ومن كفر بنبي من الأنبياء وفرق بينه وبين الله سبحانه وتعالى في الإيمان وقال: "وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ" [النساء: ١٥٠-١٥١]، أولئك هم الكافرون حقاً، لأنهم فرقوا فيما أمر الله سبحانه وتعالى أن نؤمن بالرسل جميعاً من عنده. "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ" [المائدة، ٦٩] والصابئون هم أتباع يحيى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأصل الصابئين هم الصابغين بالغين، ولكن الغين والهمزة من حروف الحلق،
وفي اللغة العربية تتعاور حروف الحلق بعضها مع بعض، فالصابغون أصبحت الصابئون والصابئون هي الصابغون لأن الهمزة والغين من حروف الحلق. حروف الحلق ستة: هَمْزٌ فَهَاءٌ ثُمَّ عَيْنٌ حَاءُ مُهْمَلَتَانِ ثُمَّ غَيْنٌ خَاءُ يعني العين والحاء ليس عليهما نقاط، والغين والخاء عليهما نقاط هذه الأربعة والهمزة والهاء همز فهاء ثم عين حاء مهملتان، مهملتان أي أهملنا النقاط من عليها، ليس عليهما نقاط، ثم غين خاء أي ليستا مهملتين، أي عليهما نقاط. يقولون هكذا لماذا؟ حتى يحفظ الأطفال هذه الحروف الستة، ولذلك البيت
هذا من شيءٍ يسمى تحفة الأطفال، كانوا في زمان بدلاً من أن يغنوا "نار يا حبيبي نار"، هم كانوا يغنون ماذا للنون إن تسكن وللتنوين أربع أحكام فخذ تبيين فالأول الإظهار قبل أحرفه التي تحديداً هي للحلق ست رُتبت في التعريف: همز فهاء ثم عين حاء مهملتان ثم غين خاء الفتى وهو يسير في الطريق، بدلاً من أن يغني "نار يا حبيبي نار"، يستلذ بهذه عن تلك، فهو ليس، يعني نحن لا نقوم بنقد فني، نحن نقول إنه كان يستلذ بهذه وكان يسعد بهذه بدلاً من تلك التي هي "نار يا حبيبي نار". حسناً، فالهمزة والغين كلاهما من هنا
حروف الحلق الستة هنا، وحروف الحلق تتعاور، ماذا تعني تتعاور هذه ؟ هل تعني أن تصيب بعضها البعض؟ ماذا تعني تتعاور ؟ أي يحل بعضها محل بعض، بمعنى أنها تأتي بعضها مكان بعض، حتى حين في القرآن هكذا، حتى حين كان العربي ينطقها "عتى عين"، ينطقون الحاء عيناً. لماذا يفعل ذلك؟ لأن الحاء والعين عين فحاء، فالعين والحاء من نفس المخرج. مهملتان من حروف أي الحلق، وهكذا تجد العربي يُبدل الحروف التي هي خاصة بالحلق بعضها ببعض هكذا بسهولة، فالهمزة تُبدل ولا مانع مع الغين، لماذا؟ لأنها من حروف الحلق. والصابغون هؤلاء ماذا؟
قال: إن سيدنا يحيى كان من دينه أن يصبغ من دخل فيه بالماء. نهر الأردن سيدنا يحيى عندما ظهر سيدنا يحيى، ظهر حول نهر الأردن، فكان يجعلك تؤمن به، فيمسكك ويقول لك: "حسناً، اغمس نفسك هنا في النهر"، وهي أمر شبيه بالاغتسال عند المسلمين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل: "ألقِ عنك شعر الشرك واغتسل". إن الأنبياء متشابهون جميعهم، فعندما الرجل دخل الإسلام أن يقول له: اِحلِق، ونظِّف نفسك هكذا لكي تستقبل صفحة جديدة، واذهب واغتسل. وحتى عندما ينسى أحد من المسلمين نفسه - والعياذ بالله تعالى
- فيسب الدين مثلاً - أعوذ بالله - يقوم الناس ويقولون له: يا أخي، اشهد أن لا إله إلا الله، واذهب واغتسل. أي أنه من أنواع التطهر نوع من أنواع الاغتسال، فكان سيدنا يحيى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يأمر أتباعه بأن يغمسوا أنفسهم في النهر ويخرجوا، فسُمُّوا الصابغين. صبغة الله، صبغة الله تعني أنه اغتسل بالماء الذي كان سيدنا يحيى يدله عليه. هؤلاء الصابئون هم الصابغون الذين هم أتباع سيدنا يحيى لهم كتاب في كتاب نزل على سيدنا يحيى، وتجدهم يهتمون كثيراً جداً بمسألة الاغتسال هذه. عندما يسلم
أحدهم على شخص أجنبي يذهب ليغتسل، وعندما يأكل شئ ما يذهب ليغتسل، ليس مجرد مضمضة فمه، بل يغتسل. ولذلك تراهم دائماً ملازمين ضفاف الأنهار، فهم لا يعرفون العيش في الصحراء، لا يعرفون ذلك. يعيشون هنا أو هنا، انظر أديان خاصة لا يستطيع أن يمارس دينه إلا عند النهر لأنه يريد ماذا؟ أن يغتسل ليلاً ونهاراً خمس أو ست مرات في اليوم، إذا لم يكن هناك بديل، ليس كما في الإسلام أنك إذا لم تجد الماء للوضوء فتتيمم، لكن لا، لا يوجد بديل، هؤلاء الصابغون من أتباع سيدنا يحيى موجودون حتى يومنا هذا على ضفاف نهر
الفرات، يسمونهم الصابئة المديانيين، ولا يزال لهم كتاب. وقد طُبع هذا الكتاب منذ عشر سنوات تقريباً، بعدما كان سراً في السابق، لا يطلع عليه إلا هم. وعندما تطورت الأحوال، قاموا بطباعته. وهذا الكتاب تجده غريباً بعض الشيء لأنه مقسم إلى قسمين قسم تقرأه هكذا وبعد ذلك تقلبه هكذا فيفتح القسم الثاني يعني هنا بالمستقيم والاخر بالمقلوب، مقلوب يعني لو أدرت الكتاب تجد النصف الأول مستقيماً والنصف الثاني مقلوباً
لكي تفتحه من الناحية الأخرى، انظر كيف تطورت الدنيا، وهؤلاء هم الصابئون، والصابئون هؤلاء لو أنهم آمنوا بالله وبأركان الإيمان وأنهم لم يلتفتوا إلى الإسلام ولم يصلهم الإسلام ولم يعرفوا حقيقة الإسلام فإن الله سبحانه وتعالى حينئذٍ يعفو عنك ويقبلهم. "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" [ المائدة ٦٩]. وقس الباقي على الصابئين تصب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.