سورة المائدة | ح 1022 | 69| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1022 | 69| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • تؤكد الآية في سورة المائدة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أن الإسلام نسق مفتوح استوعب العالمين.
  • يقبل الله من آمن عبر القرون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، سواء كان من أتباع الأنبياء السابقين.
  • صف الرسل واحد وكلهم من عند الله، والإسلام يأمر بالإيمان بالأنبياء جميعاً دون تفريق.
  • الصابئون هم أتباع النبي يحيى، وأصل كلمة "الصابئون" هي "الصابغون" حيث تبدلت الغين بالهمزة لأنهما من حروف الحلق التي تتبادل في اللغة العربية.
  • سمي أتباع يحيى بالصابغين لأنه كان من دينهم الاغتسال في نهر الأردن كنوع من التطهر.
  • يعيش الصابئون على ضفاف الأنهار حتى يومنا هذا، ويسمون "الصابئة المندائيين"، ولهم كتاب خاص تم طباعته بعدما كان سراً.
  • الله يقبل من آمن به وباليوم الآخر وعمل صالحاً من كل هذه الفئات.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية سورة المائدة عن الإيمان بالله واليوم الآخر

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيدنا رسولِ اللهِ وآلهِ وصحبهِ ومن والاه.

معَ كتابِ اللهِ وفي سورةِ المائدةِ يقولُ ربُّنا سبحانَهُ وتعالى:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَٱلَّذِينَ هَادُوا وَٱلصَّـٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: 69]

دلالة الآية على استيعاب الإسلام للعالمين وعدالة الله مع المؤمنين عبر القرون

آيةٌ تدلُّ مرةً مِن بعد مرة أن كتاب الله الخاتم قد استوعب العالمين، وتُبرهن مرة بعد أخرى أن الإسلام نسق مفتوح، وأن الله سبحانه وتعالى يُعلّم عباده العدل، وأنه لا يضيع أجر المحسنين.

وأن من آمن عبر القرون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، فإن الله سبحانه وتعالى يقبله عنده ويحشره في الصالحين؛ سواء كان من أتباع آدم من أبنائه، أو من أتباع نوح، أو من أتباع إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، أو من أتباع موسى، أو من أتباع عيسى، أو من أتباع يحيى، إلى آخر ما هنالك.

وحدة صف الرسل ووجوب الإيمان بالأنبياء جميعاً وحكم من كفر ببعضهم

فإن صف الرسل واحد، وكلهم من عند الله سبحانه وتعالى. ولذلك لما جاء الإسلام أمرنا أن نؤمن بالأنبياء جميعًا، ومن كفر بنبي من الأنبياء وفرق بينه وبين الله سبحانه وتعالى في الإيمان، وقال:

﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ ﴿أُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: 150-151]

أولئك هم الكافرون حقًا؛ لأنهم فرقوا فيما أمر الله سبحانه وتعالى أن نؤمن بالرسل جميعًا من عنده.

معنى الصابئون في الآية وأصلها اللغوي من الصابغين وعلاقة حروف الحلق

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَٱلَّذِينَ هَادُوا وَٱلصَّـٰبِـُٔونَ﴾ [المائدة: 69]

والصابئون هم أتباع يحيى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأصل الصابئين هم الصابغين بالغين، ولكن الغين والهمزة من حروف الحلق، وفي اللغة العربية تتعاور حروف الحلق بعضها مع بعض.

فالصابغون أصبحت الصابئون، والصابئون هي الصابغون؛ لأن الهمزة والغين من حروف الحلق.

حروف الحلق الستة وبيانها من منظومة تحفة الأطفال في التجويد

حروف الحلق ستة، رُتبت في التعريف:

هَمْزٌ فَهَاءٌ ثُمَّ عَيْنٌ حَاءُ مُهْمَلَتَانِ ثُمَّ غَيْنٌ خَاءُ

يعني العين والحاء ليس عليهما نقاط، والغين والخاء عليهما نقاط، هذه الأربعة، والهمزة والهاء. همز فهاء ثم عين حاء مهملتان، مهملتان أي أهملنا النقاط من عليها، ليس عليهما نقاط، ثم غين خاء أي ليستا مهملتين، أي عليهما نقاط.

يقولون هكذا لماذا؟ حتى يحفظ الأطفال هذه الحروف الستة. ولذلك البيت هذا من شيءٍ يسمى تحفة الأطفال.

كيف كان الأطفال يحفظون أحكام التجويد بدلاً من الأغاني في الزمن السابق

كانوا في زمان بدلًا من أن يغنوا "نار يا حبيبي نار"، هم كانوا يغنون ماذا؟ للنون إن تسكن وللتنوين أربع أحكام فخذ تبيين، فالأول الإظهار قبل أحرفه التي تحديدًا هي للحلق ست رُتبت في التعريف:

همز فهاء ثم عين حاء مهملتان ثم غين خاء

الفتى وهو يسير في الطريق، بدلًا من أن يغني "نار يا حبيبي نار"، يستلذ بهذه [أبيات التجويد] عن تلك [الأغاني]، فهو ليس، يعني نحن لا نقوم بنقد فني، نحن نقول إنه كان يستلذ بهذه وكان يسعد بهذه بدلًا من تلك التي هي "نار يا حبيبي نار".

معنى تعاور حروف الحلق وإبدال بعضها ببعض في اللغة العربية والقرآن

حسنًا، فالهمزة والغين كلاهما من هنا حروف الحلق الستة هنا، وحروف الحلق تتعاور.

ماذا تعني تتعاور هذه؟ هل تعني أن تصيب بعضها البعض؟ ماذا تعني تتعاور؟ أي يحل بعضها محل بعض، بمعنى أنها تأتي بعضها مكان بعض.

حتى حين في القرآن هكذا، حتى حين كان العربي ينطقها عتى عين؛ ينطقون الحاء عينًا. لماذا يفعل ذلك؟ لأن الحاء والعين، عين فحاء، فالعين والحاء مهملتان من حروف الحلق.

وهكذا تجد العربي يُبدل الحروف التي هي خاصة بالحلق بعضها ببعض هكذا بسهولة، فالهمزة تُبدل ولا مانع مع الغين؛ لماذا؟ لأنها من حروف الحلق.

الصابغون أتباع سيدنا يحيى وطقس الصبغ بالماء في نهر الأردن

والصابغون هؤلاء ماذا؟ قال: إن سيدنا يحيى كان من دينه أن يصبغ من دخل فيه بالماء [في] نهر الأردن. سيدنا يحيى عندما ظهر، ظهر حول نهر الأردن، فكان يجعلك تؤمن به، فيمسكك ويقول لك: حسنًا، اغمس نفسك هنا في النهر.

وهي أمر شبيه بالاغتسال عند المسلمين.

قال رسول الله ﷺ للرجل: «ألقِ عنك شعر الشرك واغتسل»

إن الأنبياء متشابهون جميعهم، فعندما الرجل دخل الإسلام [كان النبي ﷺ يأمره] أن يقول له: احلِق، ونظِّف نفسك هكذا لكي تستقبل صفحة جديدة، واذهب واغتسل.

الاغتسال عند المسلمين كنوع من التطهر وأمر سيدنا يحيى أتباعه بالصبغ

وحتى عندما ينسى أحد من المسلمين نفسه - والعياذ بالله تعالى - فيسب الدين مثلًا - أعوذ بالله - يقوم الناس ويقولون له: يا أخي، اشهد أن لا إله إلا الله، واذهب واغتسل. أي أنه من أنواع التطهر نوع من أنواع الاغتسال.

فكان سيدنا يحيى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يأمر أتباعه بأن يغمسوا أنفسهم في النهر ويخرجوا، فسُمُّوا الصابغين.

صبغة الله، صبغة الله تعني أنه اغتسل بالماء الذي كان سيدنا يحيى يدله عليه. هؤلاء الصابئون هم الصابغون الذين هم أتباع سيدنا يحيى.

اهتمام الصابئة أتباع يحيى بالاغتسال وملازمتهم ضفاف الأنهار

لهم [أي للصابئين] كتاب، في كتاب نزل على سيدنا يحيى، وتجدهم يهتمون كثيرًا جدًا بمسألة الاغتسال هذه. عندما يسلم أحدهم على شخص أجنبي يذهب ليغتسل، وعندما يأكل شيئًا ما يذهب ليغتسل، ليس مجرد مضمضة فمه، بل يغتسل.

ولذلك تراهم دائمًا ملازمين ضفاف الأنهار، فهم لا يعرفون العيش في الصحراء، لا يعرفون ذلك، يعيشون هنا [على ضفاف الأنهار] أو هنا [بالقرب منها]. انظر أديان خاصة لا يستطيع [أتباعها] أن يمارس دينه إلا عند النهر؛ لأنه يريد ماذا؟ أن يغتسل ليلًا ونهارًا خمس أو ست مرات في اليوم.

إذا لم يكن هناك بديل، ليس كما في الإسلام أنك إذا لم تجد الماء للوضوء فتتيمم، لكن لا، لا يوجد بديل [عندهم].

وجود الصابئة المنديائيين حتى اليوم على ضفاف نهر الفرات وكتابهم المقدس

هؤلاء الصابغون من أتباع سيدنا يحيى موجودون حتى يومنا هذا على ضفاف نهر الفرات، يسمونهم الصابئة المنديائيين.

ولا يزال لهم كتاب، وقد طُبع هذا الكتاب منذ عشر سنوات تقريبًا، بعدما كان سرًا في السابق لا يطلع عليه إلا هم. وعندما تطورت الأحوال، قاموا بطباعته.

وهذا الكتاب تجده غريبًا بعض الشيء؛ لأنه مقسم إلى قسمين: قسم تقرأه هكذا، وبعد ذلك تقلبه هكذا فيفتح القسم الثاني. يعني هنا بالمستقيم والآخر بالمقلوب، مقلوب يعني لو أدرت الكتاب تجد النصف الأول مستقيمًا والنصف الثاني مقلوبًا لكي تفتحه من الناحية الأخرى. انظر كيف تطورت الدنيا.

حكم الصابئين الذين لم يبلغهم الإسلام وعفو الله عنهم إن آمنوا بأركان الإيمان

وهؤلاء هم الصابئون، والصابئون هؤلاء لو أنهم آمنوا بالله وبأركان الإيمان، وأنهم لم يلتفتوا إلى الإسلام ولم يصلهم الإسلام ولم يعرفوا حقيقة الإسلام، فإن الله سبحانه وتعالى حينئذٍ يعفو عنك [أي عنهم] ويقبلهم.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَٱلَّذِينَ هَادُوا وَٱلصَّـٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: 69]

وقس الباقي على الصابئين تُصِب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.