سورة المائدة | ح 1023 | 70 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1023 | 70 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • تفسير آية "لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلاً" يوضح أن كلمة "كلما" تفيد التكرار والاستمرار، بخلاف كلمة "متى" التي تفيد المرة الواحدة.
  • الميثاق هو عهد وثيق مشدد، ومخالفته تعد علامة من علامات النفاق كما في حديث "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر".
  • أرسل الله لبني إسرائيل رسلاً متتابعين لتوضيح التوراة وتعليمهم، فاكتملت أركان العلم: الكتاب، والمعلم، والطالب، والجو العلمي.
  • مع اكتمال أركان العلم، كان بنو إسرائيل هم السبب في فشل العملية التعليمية، إذ كذبوا فريقاً من الرسل وقتلوا فريقاً آخر منهم.
  • يحذرنا الله من اتباع سبيل بني إسرائيل الذين نقضوا الميثاق وغضب الله عليهم.
  • المسلم مطالب بالالتزام بميثاق الله في الإيمان بأركانه الستة، والإسلام بأركانه الخمسة، والإحسان في العبادة.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة تفسير آية أخذ الميثاق من بني إسرائيل في سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وعند قوله تعالى:

﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ [المائدة: 70]

ليس رسولًا واحدًا، بل رسلًا بالجمع هكذا.

معنى كلمة كلما وإفادتها الاستمرار والتكرار مع مثال فقهي توضيحي

﴿كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ﴾ [المائدة: 70]

كلما هذه معناها تفيد الاستمرار. ما معنى كلما؟ لمّا واحد يعطي لزوجته مثلًا حق التطليق ويقول لها: طلِّقي نفسك متى شئتِ، يعني في الوقت الذي ترينه، فذهبت وتضايقت منه وطلَّقت نفسها، فأراد أن يراجعها فراجعها، يصبح قد ضاعت عليها الفرصة؛ لأنه يقول لها متى شئتِ، أي في الوقت الذي تريدينه، فقد انتهت، خلصت الفرصة ورجعت ثانية واحتُسِبَت طلقة، يبقى ما زالت زوجته واحتُسِبَت عليهم طلقة من الثلاث.

تعال الآن، اليوم لو أنه قال لها: طلِّقي نفسك كلما شئتِ، تختلف هنا عبارة كلما شئتِ. هي لا تطيقه فقالت له: خلاص سننفصل، وأوقعت الانفصال، طلَّقت نفسها فأرجعها، فلها أن تطلق نفسها مرة ثانية؛ لأنه قال كلما.

كلما تفيد التكرار مرة بعد مرة والفرق بينها وبين متى في التطليق

كلما تفيد مرة بعد مرة بعد مرة، فرجعها ضاع عليهم اثنين [طلقتان] الآن، فهي ما زالت مصممة وخلاص أنهت الأمر منه وطلَّقت نفسها مرة ثالثة خلاص. يقولون الثالثة ثابتة:

﴿ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ﴾ [البقرة: 229]

انتهت. المقصود أن كلما تفيد الاستمرار، ومتى لا تفيد [إلا] الزمن مرة واحدة فقط.

انتبه للدقة: امرأة تأتي وتشتكي وتقول: حسنًا، وما فائدة هذا الشرط؟ ما معناه؟ فنقول: لا، انتبهي؛ لأنه عندما تودين أن يستمر الشرط، فماذا أقول؟ كلما. لكن إذا كنتِ تريدين مرة واحدة فتقولين متى، وكل شخص له ظروفه، وكل شخص يأخذ الأمر الذي يريحه. فكلمة كلما تفيد التكرار.

معنى الميثاق في القرآن وأنه عهد وثيق مشدد بين الله وعباده

﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ [المائدة: 70]

والميثاق عهد وثيق، يعني عهد مشدد، يعني عهد مركب. عهد الله بيني وبينك، يعني أخذت عهد الله عليك، ها هو، وبعد ذلك ماذا يعني؟ وثَّقناه أيضًا، أصبح عهدًا وثيقًا.

فالميثاق [هو] العهد الوثيق، شيء شديد جدًا، يعني إذا خانت [النفس] وأخلفت العهد يكون حرامًا. بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل مخالفة هذا العهد وإخلافه علامة من علامات النفاق:

قال النبي ﷺ: «آيةُ المنافقِ ثلاثٌ: إذا حدَّثَ كذَبَ، وإذا اؤتُمِنَ خانَ، وإذا عاهَدَ غدَرَ»

وفي رواية أخرى:

«آيةُ المنافقِ أربعةٌ» وزاد عليهم: «وإذا خاصَمَ فجَرَ»

خطورة نقض الميثاق وأنه أشد من مجرد مخالفة العهد العادي

إذن لدينا ثلاث علامات وأربع علامات أيضًا، وفيهم: إذا عاهد غدر. هذه من علامات النفاق.

فما بالك لو أن هذا الإنسان خالف الميثاق؟ فإذا خالف العهد الوثيق - وهو عهد شديد - تكون المخالفة أنكى وأمرّ وأشدّ وأكثر بلاءً.

تأكيد الله الكتاب بالرسل المتتابعة واكتمال أركان العملية التعليمية

﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ [المائدة: 70]

والعهد واضح، والتوراة واضحة في دعوتها للخير. أكَّد الله الكتاب بالرسل تترى، أي متتابعة ومستمرة، نبي وراء نبي، رسول وراء رسول.

﴿وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ [المائدة: 70]

يعني إذا كان هناك بيانان: بيان بإظهار المبادئ الذي هو الكتاب الذي هو التوراة الذي هو نور وبيان، [وبيان] بتعليم المعلم. فإن الكتاب والمعلم هما أركان العلم، انتهت.

أركان العلم: الأستاذ الذي هو الرسول، والكتاب، والطالب، والجو العلمي الذي هو الإيمان. فالإيمان موجود، والكتاب موجود، والمعلم موجود، وأنتم موجودون.

فإذا حصل خلل في العملية التعليمية، فإلى من يرجع الخلل؟ أنتم [أيها الطلاب].

تكذيب بني إسرائيل للأنبياء وقتلهم إياهم بعد اكتمال الحجة عليهم

﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ [المائدة: 70]

حسنًا، اكتملت العملية التعليمية.

﴿كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: 70]

هذا هو الطالب الراسب. أصبح الطالب الراسب يقتل الأنبياء، والطالب الخائب كذَّب بالأنبياء؛ فريقًا كذَّبوا وفريقًا يقتلون.

كما وصل بهم الحال إلى أنهم اغتالوا سيدنا يحيى [عليه السلام] فقتلوه. وصل بهم الحال إلى أنهم قتلوا أنبياءهم وأفسدوا في الأرض غاية الفساد.

بشاعة قتل التلميذ لأستاذه وتحذير الله من السير على نهج ناقضي الميثاق

تخيل أن التلميذ يقتل أستاذه! يعني لو هذا التلميذ قتل شخصًا غير أستاذه لكانت مصيبة وجريمة وبلية تستحق الخلود في النار. فعندما يكون هذا الأستاذ [نبيًا من أنبياء الله]، وعندما يكون القتيل أستاذه، تكون فيها نذالة وخسة وخيانة وكفر.

فيحذرنا الله سبحانه وتعالى من أن نسير على نهج هؤلاء الذين نقضوا الميثاق، وينبهنا إلى أنهم في غضب الله.

وجوب التمسك بميثاق الله والاستقامة على أركان الإيمان والإسلام والإحسان

وعليه فلا بد أن نعود إلى أنفسنا ونطلب الهداية من هذه الآية، ونصمم إننا نستقيم على ميثاق الله. فنحن عندنا ميثاق أيضًا وعهد كذلك.

فتمسك أيها المسلم بعهد ربك، فقد عاهدك على الإيمان بأركانه الستة، وعاهدك على الإسلام بأركانه الخمسة، وعاهدك على الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك.

عاهدك على ذلك فدُم عليه، فإن الله لا يحب من خالف ميثاقه.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.