سورة المائدة | ح 1024 | 71 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1024 | 71 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • يحكي القرآن في سورة المائدة عن الأمم السابقة لنأخذ العبرة، فنجتنب ما يغضب الله ونفعل ما يحبه.
  • ينبغي للقارئ أن يقف عند كل آية ويدرك العبرة منها، ويجعلها موجهة إليه شخصياً.
  • حكى الله عن بني إسرائيل: "وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا"، فاعتقدوا أن ترك شرع الله لا يترتب عليه عواقب.
  • فسدت أدوات التلقي لديهم فأصبحوا في معزل عن شرع الله.
  • رغم ذلك "تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ" مما يدل على سعة رحمته وكثرة قبوله للتوبة.
  • يروي النبي ﷺ: "لو جئتني بقراب الأرض ذنوباً ثم جئتني تائباً لغفرت لك".
  • بعد توبة الله عليهم عاد بنو إسرائيل إلى المعصية "ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ".
  • عموا عن الشريعة وعن مصلحتهم وعما يحدث حولهم.
  • من لا يرى الأمور المتدهورة أمامه فهو أعمى، ومن لا يسمع التحذيرات فهو أصم.
  • "وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ".
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة في سورة المائدة والعبرة من قصص الأمم السابقة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يحكي لنا ربنا سبحانه وتعالى ما الذي حدث في الأمم السابقة، ما الذي حدث في أمم غيرنا وفي ملل سوانا، من أجل أن نأخذ العبرة؛ فنرى ما الذي يغضب الله سبحانه وتعالى فنبتعد عنه، ونرى ما الذي يحبه فيهم ويمدحه فيهم فنفعله؛ لأن ذلك يقربنا إلى الله سبحانه وتعالى.

أهداف قصص القرآن الكريم وضرورة التدبر في كل آية

قصص القرآن الكريم وجداله مع الآخرين له أهداف، منها أنه ينبههم إلى أنفسهم لعلهم يرجعون، ومنها أن هذا القرآن هدى للمتقين؛ فيجب عليك وأنت تقرأ ألا تحصر نفسك في شيء دون شيء، بل عليك أن تقف أمام كل آية، وأن تعرف العبرة منها، وأن تجعلها موجهة إليك.

ولذلك بالإضافة إلى المعلومة التي سوف يحكيها لك، خذ منها لنفسك، وهو أنك لا تفعل هذا [المحرّم]، وأنك تفعل هذا [الخير] من أجل رضوان الله سبحانه وتعالى.

ظنهم أن ترك شرع الله لا يترتب عليه فتنة ولا عقوبة

يحكي [الله سبحانه وتعالى] عنهم [عن بني إسرائيل] فيقول:

﴿وَحَسِبُوٓا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة: 71]

اعتقدوا أن التفريط في أمر الله وترك شرع الله وكتاب الله لا يترتب عليه شيء من ضياع مصالح الدنيا، وأن الأمور سوف تسير كما هي، وأنه لا بأس علينا من أن نسير في هذه الدنيا نؤمن في الظاهر ونترك شرع الله في الحقيقة.

ظنوا هكذا، عقولهم ذهبت بهم هذا المذهب. وحسبوا، وكلمة "حسبوا" أي ظنوا وتوهموا وفكروا بالحساب؛ فأدى لهم هذا الحساب الظاهر إلى نتيجة خاطئة.

العمى والصمم عن شرع الله وبداية خراب أدوات التلقي

ألا تكون فتنة؟ بالحساب هكذا سيحدث ماذا؟ لا شيء! أنترك شرع الله ولا تكون فتنة ولا شيء؟

﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة: 71]

بدأت أدوات التلقي في الخراب؛ لا هم يبصرون، ولا هم يسمعون.

ما هو أول شيء [حدث لهم]؟ أنهم عَمُوا وصمُّوا عن شرع الله؛ فأصبح شرع الله في معزل عنهم وهم في معزل عن شرع الله. عَمُوا وصمُّوا.

توبة الله عليهم رغم جفائهم وهروبهم من شرعه سبحانه

حسنًا، وماذا حدث بعد ذلك؟ انظر إلى ما سيأتي:

﴿ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 71]

انظر إلى الفضل الآن! الله سبحانه وتعالى مع هذا الجفاء، مع هذا الهروب مِن الله وليس إلى الله، تاب الله عليهم. ومعنى هذا أن الله توّاب، يعني كثير قبول التوبة من عباده.

حديث قدسي عظيم في سعة مغفرة الله لعباده التائبين

والنبي صلى الله عليه وسلم يروي [في الحديث القدسي]:

«يا ابن آدم لو جئتني بقُراب الأرض ذنوبًا ثم جئتني تائبًا لغفرت لك»

وهذه صورة عجيبة غريبة، كلام يُكتب بالذهب؛ لأن الإنسان لا يستطيع في حياته المعتادة أن يرتكب ذنوبًا بعدد ذرات تراب متر مكعب واحد من الأرض الفسيحة.

يعني أحضر مترًا مكعبًا من التراب، هذا المتر يعادل حمولة خُمْس شاحنة؛ فالشاحنة الواحدة تحمل خمسة أمتار، أي أحضر خُمْس شاحنة من التراب واجلس لتعد ذرات التراب فيه. حسنًا، سيكون رقمًا كبيرًا!

استحالة أن يرتكب الإنسان ذنوبًا بقدر تراب الأرض كلها

فأحضر لي معاصٍ بعدده، افعل معاصٍ بالرقم الذي ظهر أمامك. حسنًا، ستقترف معصية كل كم من الوقت؟ كل ثانية! سترتكب معصية كل ثانية، احسب ثواني حياتك حتى مئة سنة، ستصل إلى رقم عُشْر متر من التراب.

هذا حسنًا، أنت الآن من العيار الثقيل، لقد ارتكبت مصائب كثيرة! انتبه، أنت حتى الآن لم تعرف أن تأتي بمعاصٍ بمقدار عُشْر متر تراب! لو قلنا أنك جئت بتراب الأرض كلها فهذا مستحيل؛ لأنه لا يوجد وقت، لا يوجد وقت للمعصية.

ثم جئت تائبًا فغفر لك. أفلا يُحب سبحانه وتعالى؟ بلى إنه يُحب!

الحث على عدم التأخر في العبادة والإنفاق في سبيل الله

أتتأخر في عبادته؟ والله أبدًا، نحن الخاسرون! أتتأخر في صلاتك؟ أتتأخر في الدعاء؟ أتتأخر في الذكر؟

لا تخرج هكذا من مالك للفقراء من أجله وهو الذي رزقك المال! والله لو تأملت جيدًا وآمنت به يحصل لك حال مع الله سبحانه وتعالى.

عودتهم إلى العمى والصمم بعد توبة الله عليهم مرة أخرى

﴿وَحَسِبُوٓا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 71]

طيب، تاب الله عليهم فكان ينبغي أن يلتفتوا إلى الله.

﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: 71]

الأول كلهم عَمُوا وصمّوا بناءً على تأويل عقل، بعد ذلك اتضح لهم أن هذا انحراف؛ فاستغفروا ربهم وتابوا وتاب الله عليهم. وبعد ذلك ومن غير حسبان وبمحض الشهوة ومن غير تدبّر، عَمُوا وصمّوا مرة ثانية.

ثلاثة أشياء عَمُوا وصمُّوا عنها وعلامات العمى الحقيقي

حسنًا، سيعمون عن أي شيء إذن ويصمّون عن أي شيء؟

  1. عن الشريعة.
  2. عن مصلحتهم.
  3. عن الذي يحدث حولهم.

إذ أن الذي لا يرى من الغربال يكون أعمى. فعندما يجلس الإنسان ويتدبر مع نفسه هكذا ويرى أن الأمور في تدهور وليست في تقدم، ويرى أن الإنسان من المعصية وصل إلى اللامعقول، ويرى أنه:

﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]

ومن لا يرى شيئًا أمامه فهو أعمى، ومن لا يرى من الغربال فهو أعمى، ومن لا يسمع ضجيج القطار وهو قادم نحوه ليصدمهم فهو أصم.

﴿وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 71]

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.