سورة المائدة | ح 1027 | 74 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1027 | 74 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • يفتح الله باب التوبة للناس جميعًا قبل الغرغرة عند طلوع الروح، وهي تشمل التوبة من الشرك والكفر والمعاصي كبيرها وصغيرها.
  • الله تعالى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويغفر الذنوب، وهو الصبور والعفو الغفور الذي لا تضره معاصينا.
  • التوبة مفتوحة للكافر والمسلم وللعاصي والطائع، فتوبة الطائع تكون من تعلق قلبه بغير الله وانشغاله بسواه.
  • في قوله تعالى: "أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم" حثٌّ على المبادرة إلى التوبة والإقلاع عن الذنوب.
  • معرفة أن الله غفور رحيم تدعو المؤمن للاستحياء من ارتكاب المعاصي، فلا يستغل حلم الله ورحمته في التمادي بالذنوب.
  • لا ينبغي اليأس من رحمة الله بعد الوقوع في الذنب، بل المسارعة إلى التوبة والاستغفار والإقلاع عن المعصية.
  • كان النبي ﷺ يستغفر الله في اليوم سبعين مرة أو مائة مرة مع أنه معصوم مغفور له.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية التوبة من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 74]

باب التوبة مفتوح لكل الناس قبل الغرغرة عند الموت

يفتح الله سبحانه وتعالى باب التوبة لكل الناس قبل أن يُغرغر الإنسان عند طلوع روحه؛ فإذا غرغر أُغلقت عليه أبواب التوبة. وقبل ذلك [أي قبل الغرغرة] ولو للحظات فإنه يجوز له أن يتوب.

والتوبة قد تكون من الشرك، وقد تكون من الكفر، وقد تكون من المعصية من كبيرها وصغيرها؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ويغفر كثيرًا سبحانه وتعالى.

الله غني عنا ونحن الفقراء إليه سبحانه وتعالى

لا يناله [سبحانه] منا ضرر، فهو الصبور وهو العفو وهو الغفور. نحن في حاجة إليه وليس هو في حاجة إلينا؛ خلقنا وتفضل علينا، وخلق أفعالنا ورزقنا وحدد آجالنا.

نرجع إليه سبحانه وتعالى فينبئنا بما كنا نعمل، وينبئنا بما كنا فيه نختلف، ويحكم بيننا حكم العدل والحق.

فرح الله بتوبة العبد والحث على الرجوع إليه

باب التوبة مفتوح، والله سبحانه وتعالى إذا تاب العبد فرح به فرحًا شديدًا.

﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [المائدة: 74]

والحديث الآن موجه لكل من نسي نفسه، لكل من انحرف عن طريق التوحيد لله رب العالمين، لكل من أعمى بصره عن أوامر الله وأصمّ أذنيه عن أوامره ونواهيه، وعاش هكذا في الدنيا كما قال الشاعر:

نهارك بطّال وليلك نائم، كذلك في الدنيا تعيش البهائم.

التوبة مفتوحة للكافر والعاصي والطائع من السِّوى

التوبة مفتوحة للكافر ولغير الكافر، بل إنها مفتوحة للعاصي وللطائع أيضًا.

فإذا قلت: ما بال الكافر؟ فما بال الطائع، كيف يتوب؟ قالوا: توبة الطائع من السِّوى [أي مما سوى الله]. يعني أنا طائع أصلي وأصوم وأذكر، إنما يا أخي مشتغل بسوى الله، مشتغل بسوى الله.

النبي ﷺ يقول لي:

«إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»

وأنا جالس أسأل الناس، وأنا أحسب للناس ألف حساب، أرجو منهم الخير وأخاف منهم الأذى والضرر.

توبة من تعلق قلبه بغير الله والرجوع إلى التوحيد

كيف أتوب إذن؟ أنت تُب! أنت الذي عليك أن تتوب! الذي تعلق قلبه بغير الله يتوب من تعلق قلبه بغير الله.

غير الله ذلك الذي هو اسمه ما السِّوى، وهو ما سوى الله يعني؛ الشريك يسمونه السِّوى. فقال [العلماء]: توبة الطائع تكون من السِّوى، أي تكون من السِّوى الذي في قلبه.

فإن الله سبحانه وتعالى أغنى الأغنياء عن الشرك، وإذا نازعته في قلبك بأحد سواه تركك وما تنازع. والقلب الذي يدخله الرب لا يخرج منه أبدًا، والقلب الذي يدخله الرب لا يحب أحدًا معه؛ فتوبة الطائع من السِّوى.

الاستفهام في الآية للحث على التوبة لا للسؤال الحقيقي

يقول [الله تعالى]:

﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة: 74]

وهنا يعني نوع سؤال فيه حثّ؛ السؤال ليس على حقيقة الاستفهام وإنما المقصد منه الحثّ [على التوبة]. ألم يحن الوقت بعد؟ ألم يأذن ربنا أن تُقلع عما أنت فيه؟

﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة: 74]

ثم يقرر حقيقة دائمًا يقولها في النهاية وفي بعضها:

﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 74]

هذه حقيقة تدعوك إلى سرعة التوبة.

الاستحياء من الله وعدم استغلال عفوه ورحمته بالمعصية

بل إنها [هذه الحقيقة] تدعوك إلى أن تستحي من الله سبحانه وتعالى أن تفعل الذنب أصلًا؛ لأنك كلما فعلت الذنب كلما وكأنك تمّ منك استغلال لعفو الله ورحمته وغفرانه.

وكان ينبغي عليك وأنت تعلم أن ربك كذلك [غفور رحيم] أن تستحيي وأن تقابل ذلك بالشكر والعرفان، لا بالمعصية والنكران.

قيام النبي ﷺ الليل شكرًا لله بعد مغفرة ذنبه

ولذلك لما أنبأ الله نبيه ﷺ بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قام الليل حتى تورمت قدماه من طول المقام صلى الله عليه وسلم.

وسألوه: ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال:

«أفلا أكون عبدًا شكورًا؟»

هذا هو التعليم العملي؛ فعندما يخبرك الله سبحانه وتعالى بتلك الحقيقة:

﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 74]

تستحي من نفسك أن تفعل المعصية.

سؤال الله العصمة من الزلل وحكمة جريان الذنب على العبد

وعندما تقع في المعصية تسأل الله العصمة وتقول: يا رب أنا ضعيف، اعصمني من الزلل فإنه لا عاصم من الزلل إلا أنت.

وفي بعض الأحيان يجري الذنب عليك من غير قصد ولا تدبير منك؛ فاعلم أن الله يريد أن يورثك ذلّ الخضوع إليه، ويريد منك أن تستغفره وأن لا تتكبر بأعمالك.

فلا تيأس! بعض الناس ييأس من روح الله،

﴿وَلَا تَايْـَٔسُوا مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِنَّهُ لَا يَايْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [يوسف: 87]

إلا القوم الكافرون.

المسارعة إلى التوبة وسؤال الله العصمة من الذنوب

إذا وقعت في الذنب - وكل ابن آدم خطّاء - سارع إلى التوبة وبادر إليها، واقلع عن الذنب، واسأل ربك العصمة؛ فإنه لا عاصم من الذنوب إلا الله، ولا يكون في كونه إلا ما أراد.

هذه آية عظيمة موجهة إلى الكافة:

﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 74]

موجهة إلى الكافرين وإلى المسلمين، إلى العصاة وإلى الطائعين، إلى كل أحد من أفراد الناس.

استغفار النبي ﷺ مائة مرة في اليوم وسر الغين على قلبه

ولذلك كان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يستغفر ربه في اليوم سبعين مرة، ويستغفر ربه في اليوم مائة مرة، وهو قد غُفِرَ له كل شيء وعُصِمَ من الذنب.

لأنه كان له باب في قلبه مفتوح على الخلق، وكان له باب في قلبه مفتوح على الحق؛ فكان يستغفر من ذلك الباب الذي هو مفتوح على الخلق، ويقول:

«إنه ليُغان على قلبي، فأستغفر الله في اليوم مائة مرة» أخرجه مسلم

يعني غين أنوار لا غين أغيار [أي أن ما يعتري قلبه ﷺ ليس من الذنوب بل من الانشغال بالخلق عن مقام المشاهدة].

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.