سورة المائدة | ح 1029 | 75 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1029 | 75 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • يؤكد القرآن أن المسيح ابن مريم عالي القدر وأنه رسول، والإيمان برسالته ونبوته ركن من أركان الإسلام.
  • من كفر بعيسى أو أي نبي لم يعد مسلماً، شأنه شأن من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.
  • برّأ القرآن السيدة مريم من افتراءات اليهود، ووصفها بالصديقة تعظيماً لشأنها.
  • تضمن التلمود اليهودي سباً وقذفاً للسيد المسيح وأمه، مما دفع الكنيسة لمصادرته، ثم أعيد طبعه بعد حذف صفحات السب.
  • لا يمكن للمسلم أن يسب أنبياء الله لأنه مؤمن بهم جميعاً.
  • من بلاغة القرآن أنه لم يقلل من قدر المسيح وأمه عند ذكر بشريتهما، فقال: "كانا يأكلان الطعام" دون استخدام "لكن".
  • احتياج المسيح وأمه للطعام دليل على بشريتهما، مما يبطل ألوهيتهما التي ادعتها بعض الفرق.
  • كان المسيح زاهداً قليل الطعام والكلام والمنام والاختلاط بالناس.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة تفسير آية سورة المائدة عن السيد المسيح ابن مريم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وعند قوله تعالى:

﴿مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: 75]

وجوب الإيمان بعيسى عليه السلام ركن من أركان الإسلام

يُنبّهنا ربنا سبحانه وتعالى إلى أن السيد المسيح عالي القدر، لا يصفه [المسلم] بأي سوء، ويطلب منا طلبًا جازمًا وأمرًا حتمًا أن نؤمن برسالته ونبوته، وأن نعظّمه كما نعظّم سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم.

فالإيمان بعيسى نبيًّا ورسولًا ركن من أركان الإسلام؛ لا يستطيع مسلم حال إسلامه أن ينتقص أو أن يسبّ أو أن يكفر بسيدنا عيسى. فإذا فعل ذلك مع سيدنا عيسى أو مع أي نبي من الأنبياء أو رسول من الرسل لم يعد مسلمًا، شأنه شأن من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.

الإسلام أقرّ الحقيقة وعظّم المسيح وبرّأ أمه من افتراءات اليهود

فالإسلام أولًا أقرّ الحقيقة، ثانيًا عظّم ما من شأنه أن يُعظَّم، ودلّنا على أن سيدنا عيسى المسيح ابن مريم عالي القدر.

ثم إنه برّأ أمه عليها السلام من كل افتراء افتراه عليها اليهود. تكلّم اليهود في كتبهم كلامًا قبيحًا على السيدة مريم، وكلامًا قبيحًا على سيدنا عيسى، ولم يقتصر الأمر على تكذيبه بل إنهم وصفوه بكل نقيصة، ونصّوا على ذلك في التلمود.

قصة طباعة التلمود ومصادرة الكنيسة له بسبب سبّ المسيح وأمه

وعندما طُبع التلمود في القرن السادس عشر، لاحظت الكنيسة أن فيه تلميحًا وفي بعض المواطن تصريحًا بسبّ السيد الشريف عيسى ابن مريم وبسبّ أمه، فأحرقوا الكتاب وصادروه ومنعوه.

واحتال اليهود فطبعوا الكتاب مرة أخرى وحذفوا الصفحات التي فيها السبّ. وبعد ذلك أخذ التلمود في الطباعة في ستة مجلدات، وفي كل الطبعات التالية للطبعة الأولى المصادرة حُذف السبّ والقذف، إلا أن السبّ والقذف إنما هو في أساس هذا الكتاب.

المسلم لا يسبّ الأنبياء لأن إيمانه بهم جزء من دينه

لا نجد مثل ذلك [السبّ والقذف] لنبي من أنبياء الله في كتب المسلمين؛ فالمسلم لا يستطيع من دينه، وليس من أي غرض سياسي أو اجتماعي أو فكري، أن لا يسبّ ثم يسبّ ثم يسحب سبّه.

وذلك لسبب بسيط وهو أنه مؤمن إيمانًا صادقًا يكمل به دينه أن هؤلاء كانوا من أنبياء الله.

وصف القرآن للمسيح بالرسالة ولأمه بالصدّيقية وبلاغة عدم ذكر الاستدراك

قال تعالى:

﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: 75]

إذن وصفه [سيدنا عيسى] بالرسالة ووصف أمه بالصدّيقين، وهذا لعلوّ شأنهما.

ومن بلاغة القرآن أنه لم يأتِ بنقيصة مع هذا العلوّ؛ يعني نحن الآن في اتجاه العلوّ، ووصف بالرسالة ووصف بالصدّيقين. لم يقل "لكنهما"، انتبه، لم يقل "انتبه أنهما بشر" من أجل أن يترك إطلاق المدح. جاء بشيء يُفهم [منه] اللازم ولا ينصّ عليه.

بلاغة قوله تعالى كانا يأكلان الطعام وعدم استخدام أداة الاستدراك

فقال:

﴿كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ﴾ [المائدة: 75]

ماذا تفهم من هذه العبارة؟ نعم، فكّر وافهم، لكنه لم يقل "ولكن"؛ يعني كان من الممكن أن يقول ماذا: "وأمه صدّيقة ولكن كان بشرًا".

ولكن هنا تحدث فرملة [توقّف مفاجئ]؛ أنت تمدحهم الآن وتبرّئهم وتعلي شأنهم، ثم تأتي لتقول "ولكن"، ماذا يعني هذا؟ توقّف، لا أحد أوقفك، قال لك: ابقَ فوق ذلك، هو في العلوّ والجمال.

دلالة أكل الطعام على الضعف البشري والاحتياج المنافي للألوهية

في حقيقة:

﴿كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ﴾ [المائدة: 75]

ولم يقل "ولكن"، حتى يكون "ولكن كان بشرًا"، لا، كانا يأكلان الطعام. العاقل يعرف احتياجه، والعاقل يعرف أن من أكل أخرج، وهذا محلّ نقص.

ولو أن الإنسان مُنع من الإخراج يموت، ولو أنه مُنع الطعام والشراب يموت. هذا هو الاحتياج؛ إذن يلزم من كونهما يأكلان الطعام الضعف البشري، ويلزم منهما من هذا أنهما في احتياج دائم، وأن هذا لا يتناسب مع شأن الآلهة.

بطلان عبادة المسيح ومريم ومخالفتها للتوحيد والمعقول والمنقول

ولذلك فأي فرقة كانت في التاريخ بائدة عبدت السيدة مريم لم تكن على صواب، وأي فرقة تعبد سيدنا المسيح ليست على صواب، بل هي مخالفة للتوحيد وللمعقول وللمنقول.

﴿ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ﴾ [المائدة: 75]

من جانب،

﴿ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: 75]

من الجانب الآخر. نظرة تتدبّر بها الوضع الإلهي، ونظرة تتدبّر بها الوضع البشري.

المقارنة بين وضوح الكلام الإلهي وأوهام الاستنتاجات البشرية الدنيوية

في الوضع الإلهي كلام واضح مسلسل شامل، وفي الوضع البشري أوهام، كلام يضرب بعضه بعضًا، استنتاجات المقصود منها الدنيا.

ولذلك نرى كثيرًا في عصر التنوير انتقدوا الحالة التي انحرفت عن زهد المسيح في الدنيا؛ المسيح لم يلبس الذهب، والمسيح لم يمسك العصيّ الذهبي، المسيح كان زاهدًا في الدنيا، وكان قليل الطعام، قليل الكلام، قليل المنام، قليل الاختلاط بالأنام؛ أي من أهل التقوى كان نبيًّا وكان معلّمًا.

فلِمَ انحرفنا عن نهجه وسلوكه؟

﴿ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: 75]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.