سورة المائدة | ح 1030 | 76 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1030 | 76 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • أساس التوحيد هو أن الله وحده الضار النافع المحيي المميت الخلاق الرزاق، فلا إله إلا هو.
  • البشر تفننوا في الشرك لأهواء متبعة وجهل وانقطاع عن النبوة ومصالح دنيوية.
  • عبد الناس الطواطم كالأنهار والأشجار والحيوانات وعبدوا الأشخاص كالحكام وفرعون الذي قال "أنا ربكم الأعلى".
  • جاء الرسل لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ومن الشرك إلى التوحيد لتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة.
  • يقول الله تعالى: "أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً".
  • قصة إبراهيم مع النمرود توضح عجز المعبودات، حين ادعى النمرود أنه يحيي ويميت بإطلاق المجرم وقتل البريء.
  • أحرج إبراهيم النمرود بقوله: "إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب".
  • الكون كله بيد الله خلقه وأحسن خلقه، فكيف نعبد من لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

أساس التوحيد مبني على أن الله وحده هو الضار النافع المحيي المميت

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول تعالى:

﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ [المائدة: 76]

أساس التوحيد مبني على أن الله هو الضار النافع، والنافع الضار، المحيي المميت، والحي القيوم، وأنه هو الخلاق الرزاق. مبني على أنه لا إله إلا الله؛ نفي الألوهية والقدرة المطلقة عن من سوى الله.

العجب من أقوام أشركوا مع الله وتفننوا في أنواع الشرك لأسباب متعددة

إذا تقرر هذا الأصل [أن الله وحده هو المستحق للعبادة]، فالعجب العجاب والأمر المستراب من أقوام يشركون مع الله عبادة أي شيء آخر. والبشر تفننوا في الشرك لأهواء متبعة، ولجهل وانقطاع عن أمر النبوة الأولى، ولمصالح دنيوية يخادعون بها الناس، ولأمور كثيرة.

رأينا من يعبد الطوطم، وعبادة الطوطم هي أن تعبد القبيلة شيئًا ما تقدسه، ويصل التقديس له إلى حد العبادة وإلى حد إقامة الشعائر لذلك الطوطم.

أمثلة على عبادة الطواطم كالأنهار والأشجار والحيوانات وطائفة الجنز في الهند

من هذه الطواطم الأنهار، فرأينا القبائل تعبد النهر، وكأن فيه معنى إعطاء الحياة؛ رأوا أن النهر يأتي بالماء، والماء ينبت الزرع، فذهبوا عابدين النهر جهالة. ومن المعبودات الأشجار، ومن المعبودات الأشياء مثل أن يُعبد الأسد ويُعبد الفيل لأنه كبير هكذا ضخم.

ووجدنا طائفة في الهند تسمى الجنز، وهؤلاء يعبدون الفأر. لماذا الفأر؟ قال [أحدهم]: إن الله حلّ فيه، وهي طائفة قليلة لكنها موجودة. لا إله إلا الله!

عبادة الأوثان والأشخاص كفرعون ورسالة الرسل في إخراج الناس من الشرك إلى التوحيد

وهناك من عبد الوثن، وهناك من عبد الأشخاص؛ فقال له الحكام [إنهم آلهة]. قال فرعون:

﴿أَنَا رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]

وعبدوا أشياء كثيرة. وجاء الرسل - كل الرسل - لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن طريق الانحراف العقلي والوجداني إلى طريق النور والرحمة والسعادتين: سعادة الدنيا وسعادة [الآخرة].

هو الأساس: لا إله إلا الله، ولا يوجد إله مع الله.

تطبيق الآية على المعبودات الباطلة وبيان أن النفع والضر بيد الله وحده

وهنا قال [الله تعالى]:

﴿أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [المائدة: 76]

وهل كان هذا الفأر يملك لكم ضرًّا أو نفعًا؟ هل هذا النهر يملك لكم ضرًّا أو نفعًا؟ إنه لو أن الله أمسك السماء [عن المطر] لوصلنا إلى حالات الجدب والتصحر والمجاعة، وكل ذلك بإذن الله.

ولذلك لدى المسلمين صلاة تسمى صلاة الاستسقاء، نطلب فيها الغيث والمطر الوفير من الله حتى ينبت الزرع. كل ذلك بيد الله، وهذا أمر لا حيلة لنا فيه.

مسؤولية الإنسان في الحفاظ على البيئة وأن الكون كله بيد الله خلقه وأحسن خلقه

قد نساهم في الإفساد في الأرض بأن نقضي مثلًا على الغابات أو على الحيوانات أو على شيء من هذا، فهذا فعل حرام، ويجب عليك أن تحافظ على البيئة التي خلقها الله.

إنما الكون كله بيد الله، خلقه وأحسن خلقه.

﴿أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [المائدة: 76]

فمن الذي يملك [الضر والنفع] سوى الله؟ ولذلك لا بد لهذا الذي يريد أن يعبد فرعون أن يكون هو الله [أي أن يدّعي الألوهية]، لا توجد فائدة، ولا حل لها إلا هكذا؛ لابد أن يقول إنه الله.

مجادلة إبراهيم عليه السلام للنمرود في ادعائه الإحياء والإماتة وكشف ظلمه

حسنًا، عندما جادل إبراهيم عليه السلام النمرود، فقال له النمرود: أنا أحيي وأميت، يعني أضر وأنفع. كيف [أثبت ذلك]؟ فأتى بشخص وقال: هذا محكوم عليه بالإعدام، براءة! فيكون قد أحياه.

وأتى بشخص [بريء] إذا أماته فإنني أحييه وأميت. ترك المجرم الذي يستحق القصاص ظلمًا، وقتل البريء الذي سيطالب بدمه عند الله يوم القيامة ظلمًا.

فوقع المسكين [النمرود] في محاولة إثبات شيء من الضرر والنفع في الظلم. وهكذا شأن البشر، وذلك للعجز وعدم القدرة، وأن هذا الشعور إنما هو شعور وهمي بأنه يستطيع أن يعفو عن هذا وأن يُقتل هذا، هذه لا قوة ولا [حقيقة فيها].

حجة إبراهيم القاطعة بالشمس وبهت النمرود ومعنى عدم هداية الله للظالمين

هكذا [قال إبراهيم عليه السلام للنمرود]:

﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 258]

انظر استعمال كلمة "يهدي"، لماذا [خصّ الهداية هنا]؟ ما خصوصية الهداية هنا؟ يعني كان من الممكن أن النمرود يقول شيئًا وربنا يهديه بها.

نعم، عندما قال له [إبراهيم]: إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب، كان في مقدور النمرود الرد عليه. وكان يقول له: هذا ليس في مقدوري ولا في مقدور الله [كما تزعم]، أسأل الله يأتي بالشمس من المغرب. ماذا كان سيفعل [إبراهيم حينها]؟

بساطة حجة إبراهيم عليه السلام وبهت النمرود لعجزه عن الرد وختام الحلقة

هل تدرك أن سيدنا إبراهيم قالها بديهيًّا؟ وكان السؤال بسيطًا، بل هو أبسط من البداية، أي من البداية [حين قال النمرود]: يُحيي ويُميت، هذه قوية.

وبعد ذلك وجده [إبراهيم] أنه [النمرود] افترى وظلم بغباء، فذهب وأحضر له شيئًا بسيطًا جدًّا، يعني يستطيع أن يرد عليها أي أحد، فلم يهده الله لأنه يستطيع الرد عليها.

﴿فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 258]

انظر كيف فبُهِتَ الذي كفر، يعني ارتبك؛ أنه عاجز وأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا وليس للآخرين، فكيف نعبد أمثال هؤلاء؟

والأنبياء جاؤوا ليبينوا التوحيد وأنهم براء من هذا الهراء. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.