سورة المائدة | ح 1031 | 77 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1031 | 77 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • يستند النص إلى آية قرآنية من سورة المائدة تدعو أهل الكتاب لعدم الغلو في الدين واتباع الحق.
  • يبين القرآن قواعد الجدل الديني الصحيح بالتخلص من الغلو والهوى والتقليد الفاسد، والتحلي بالإخلاص والعلم والعدل.
  • ساهم الجدل الديني المبني على هذه القواعد في انتشار الإسلام عبر التاريخ في أنطاكية وقبرص والهند والأندلس ومصر.
  • حتى في الحروب الصليبية أسلم بعض فرسان المعبد لما رأوا حال المسلمين، لكن الكنيسة أبادتهم.
  • من مشكلات العصر الحالي قلة القراءة والتتبع والتوثيق مقارنة بما كان عليه الآباء.
  • تمثل ترجمة القرآن المشوهة للإنجليزية نموذجاً للتضليل المتعمد لمنع الناس من دخول الإسلام.
  • رغم كل محاولات التشويه والإضلال والتحريف، يستمر الإسلام في الانتشار دون حول منا ولا قوة.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

دعوة أهل الكتاب إلى الاعتدال وترك الغلو في سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77]

هذه هي دعوة المسلمين لأهل الكتاب، المطالبة بالاستواء وليس بالغلو في التفكير وفي العمل. لا تغلوا في دينكم؛ هيا نرجع إلى النصوص، نرجع إلى العلم، نرجع إلى العقل، نرجع إلى أن نبتغي الحق، نريد الحق.

المشكلة في ترك العلم والالتجاء إلى الموروث والعاطفة واتباع الهوى

المشكلة هي ترك العلم والالتجاء إلى الموروث وإلى العاطفة؛ وجدنا آباءنا على أمة وإنّا على آثارهم، يعني طيب تريّث، لكن هناك علم.

قال: طيب وماذا أفعل؟ أنا أحبه، الذي هو الهوى.

﴿وَلَا تَتَّبِعُوٓا أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا﴾ [المائدة: 77]

اتبعوا العلم، تعالوا نتناقش بهدوء.

أثر الجدل الديني في انتشار الإسلام عبر القرون في بلدان مختلفة

وكان من أثر الجدل الديني الذي حصل عبر القرون أن انتشر الإسلام؛ في جدلٍ دينيٍّ كبيرٍ حصل في مدرسة أنطاكية، وفي جدلٍ دينيٍّ كبيرٍ حدث في قبرص، وفي جدلٍ دينيٍّ كبيرٍ حدث في الهند، وفي جدلٍ دينيٍّ كبيرٍ حدث في إسبانيا في الأندلس، وفي جدلٍ دينيٍّ كبيرٍ حدث في مصر، كبيرٍ ضخمٍ استمر سنواتٍ طويلة.

وبموجبه أسلم الناس ودخلوا في دين الله أفواجًا، عندما كانت هذه هي المعايير: عدم الغلو، وعدم الهوى، وعدم الاتباع أو التقليد الفاسد، والإخلاص، والإنصاف.

المعايير الخمسة لنجاح الجدال الديني وإسلام فرسان المعبد في الحروب الصليبية

وهذه هي الخمسة [المعايير] التي من أجلها نجح الجدال الديني وأتى ثمرته، ورأينا الناس تدخل في دين الله أفواجًا.

في الحروب التي سُميت بـالحروب الصليبية، كان هناك بعض فرسان المعبد لمّا رأوا حال المسلمين أسلموا، وعادوا إلى أوروبا وكوّنوا بعض المنظمات السرية. علمت بهم الكنيسة وأبادتهم عن آخرهم قتلًا وتصفية جسدية، هكذا في أوروبا. التاريخ مليء بالعجائب.

إصابة الأمة بقلة القراءة والتوثيق وقواعد الجدل الديني في الآية

ولكن في هذا العصر الذي نحن فيه، أُصيب قومنا بـقلة القراءة. الأمور التي أصابتنا هي قلة القراءة والتتبع والتوثيق الذي كان آباؤنا يفعلونه ويقومون به خير قيام.

إذن في هذه الآية يقرر ربنا قواعد الجدل الديني: إذا أردتم الحوار والجدال بالعلم فلا بد أن نتخلص من الغلو، ولا بد أن نتخلص من الهوى، ولا بد أن نتخلص من التقليد الفاسد، ولا بد من الإخلاص في النية، ولا بد أيضًا من العدل والعلم.

هذه الآية لو تأملتها تجد فيها كل هذه المعاني.

اتباع الهوى والتكبر والتقليد الأعمى من أسباب الضلال والتمسك بالباطل

لنجلس ونفتح الكتب إذن ونجد العجب العجاب والأمر المستغرب. من أين هذا العجب؟ لماذا هكذا؟ ومن أين تأتي أسباب التصميم؟ فنجد أن اتباع الهوى والدنيا المؤثرة والتكبر أمور عجيبة، وكل ذي رأي متمسك برأيه، مع شحٍّ مُطاع وتقليد أعمى.

﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ﴾ [المائدة: 77]

حسنًا، وإذا كان هناك شيء من الحق تمسّك به، وهذه هي الأرضية التي بيني وبينك. أما الحق فتمسّك به وتمسّك به بشدة، لكن لا تغلوا في دينك غير الحق.

التقليد الفاسد والإضلال وترجمة القرآن ترجمة مشوهة لمنع الناس من الإسلام

﴿وَلَا تَتَّبِعُوٓا أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا﴾ [المائدة: 77]

هذا هو التقليد. ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا، التقليد الفاسد من قبل؛ لأجل أن يقولوا لنا أنه ميراث موجود.

﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [المائدة: 77]

وأضلوا كثيرًا، كانوا حجابًا بين الحق سبحانه وتعالى وبين الخلق.

جاء أحدهم فترجم القرآن إلى اللغة الإنجليزية، فترجمه ترجمة قبيحة لا علاقة لها بما نعرفه من كتاب الله. لماذا؟ قال: لأجل حماية الناس من الدخول في الإسلام.

هل هذا يصح؟ أن تكذب لكي تمنع الناس من الدخول في الإسلام؟ الترجمة موجودة بين أيدينا، ليست وهمًا ولا شيئًا آخر، إنها موجودة معنا.

ترجمات القرآن إلى الإنجليزية وصناعة الإضلال والكذب المستمر إلى اليوم

لقد تُرجمت معاني القرآن إلى اللغة الإنجليزية مائتين وستة وسبعين مرة، منها الترجمة الأولى هذه التي من يقرأها يضحك كثيرًا على نفسه. لماذا تفعل هكذا؟ لماذا تترجم هذه الترجمة؟ قال: لكي لا يدخل أحد في الإسلام.

حسنًا، وهذا شرفٌ [للإسلام]، وما تفعله أنت هو الحق [في زعمك]! الكذب هو الذي يجعلنا هكذا، وما زلنا إلى يومنا هذا والكذب مستمر ويُضِلُّ كثيرًا.

صناعة الإضلال موجودة ولها فن، وصناعة الكذب موجودة ولها قواعد.

عاقبة الإضلال على صاحبه وانتشار الإسلام رغم التشويه والتحريف

لكن في النهاية، ماذا سيحدث؟ أنه يكون حجابًا بين الحق والخلق. حسنًا، انتهى الأمر، فعلتُ ذلك وارتحت.

النقطة الثانية: رَكِبَكَ الإثم. النقطة الثالثة: أنت أصبحت ضالًّا، انتبه جيدًا.

﴿وَضَلُّوا عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77]

هو نفسه بالإضلال أصبح ضالًّا، والله يفعل ما يريد. وإذ بالإسلام ينتشر ويزيد كل يوم من غير حولٍ منّا ولا قوة.

وبعد كل هذا التشويه والتحريف والتخريف والإضلال ينتشر الإسلام، فلا حول ولا قوة إلا بالله. الحمد لله الذي جعلنا مسلمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.