سورة المائدة | ح 1033 | 79 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1033 | 79 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • يحذرنا الله في سورة المائدة من السكوت عن المنكر كما في قوله: "كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون".
  • يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمنع انتشار الفساد وانهيار المجتمعات.
  • الشرط الأول للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون الآمر عالماً بما هو معروف وما هو منكر.
  • ابتكر المسلمون وظيفة المحتسب الذي يراقب الأسواق والمساجد والشوارع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • الشرط الثاني ألا ننكر المختلف فيه من المسائل بل المتفق عليه فقط.
  • الشرط الثالث أن يكون النهي بالرفق واللين، فالرفق ما دخل شيئاً إلا زانه.
  • الشرط الرابع الإخلاص في النصيحة وعدم التكبر وتتبع العورات.
  • الشرط الخامس ألا يترتب على النهي مفسدة أعظم من المنكر المراد إزالته.
  • ليس كل ما يُعلم يُقال، وليس كل ما يُقال جاء زمانه، فلابد من مراعاة الظروف والأحوال.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة في تحذير الله تعالى من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى، وهو يحذرنا أن نكون أمثال هؤلاء الناس، يحكي قصصهم ويأمرنا بالتكليف حتى نصل إلى التشريف:

﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 79]

فهذه الآية يدلنا فيها ربنا سبحانه وتعالى على أنه يجب علينا أن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر، وأن من أسباب اضمحلال حضارات الأمم أنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه.

انتشار المنكر كالمرض الخبيث وتحذير النبي ﷺ من ترك الإنكار

وإذا استمر المنكر دون رقابة ودون تقويم ودون وضع برامج لمنعه، فإنه ينتشر كالمرض الخبيث في جسد المجتمع، وحينئذ تنهار الحضارات. وهذه سنة الله في كونه.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ عَذَابًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»

فلنحذر حتى لا نقع فيما وقعوا فيه [أي: فيما وقع فيه بنو إسرائيل من ترك الإنكار].

الشرط الأول للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو العلم

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له شروط، ومن هذه الشروط أنه يجب أن يصدر من عالمٍ بأن هذا من المعروف وأن هذا من المنكر. ولا يجوز لمن لم يكن في هذا المقام من العلم أن يأمر أو أن ينهى؛ لأنه لعله أمر بشيء ظانًا أنه من المعروف فيكون من المنكر، أو نهى عن شيء ظانًا بأنه من المنكر ويكون من المعروف.

فالشرط الأول في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر هو العلم.

وظيفة المحتسب في الحضارة الإسلامية ودوره في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ومن أجل هذا الشرط [شرط العلم] اخترع المسلمون وظيفة المحتسب. والمحتسب كان هو ذلك الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في حياة الناس؛ في الأسواق، في البيع والشراء، يراقب السلعة ويراقب إذا ما كانت مغشوشة أو سليمة، ويراقب المساجد، ويراقب الشوارع، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

والمحتسب كان جزءًا لا يتجزأ من المؤسسة الدينية التي يُوكَل إليها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن علم.

مؤلفات العلماء في الاحتساب ودور كل مسلم في الأمر بالمعروف في بيته

وإذا كان المحتسب عند المسلمين، وقد ألَّف كثير من العلماء في شأن الاحتساب وفي كيفية الاحتساب وفي شروط الاحتساب كتبًا كثيرة، وكثير منها طُبِع في عصرنا هذا.

إذا كان المحتسب يرجع إلى المجتمع فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يختص به [أي: لا يختص بالمحتسب وحده]؛ فهناك أمور واضحات معلومة من الدين بالضرورة. فالرجل في بيته يجب أن يأمر أولاده وأهله بالمعروف وأن ينهاهم عن المنكر فيما يعلم، وإذا اختصموا في شيء فإنهم يذهبون إلى العالِم:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]

الشرط الثاني إنكار المتفق عليه دون المختلف فيه وحديث أجر المجتهد

الشرط الثاني للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أننا ننكر المتفق عليه ولا ننكر المختلف فيه؛ فقد سمح الإسلام بتعدد الرؤى والمذاهب.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ، وَإِذَا حَكَمَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ»

فالذي أخطأ له أجر، والذي أصاب له أجران. وعلى ذلك فإننا لا ننكر المختلف فيه؛ فإذا ذهب إمام إلى شيء وحكم وذهب إمام آخر إلى خلافه، فإننا نبيح للمسلمين أن يتعبدوا بكل منهما ولا ننكر عليهما.

القاعدة الفقهية إنما يُنكر المتفق عليه ولا يُنكر المختلف فيه وتطبيقاتها

والقاعدة المقررة التي نص عليها العلماء في الأشباه والنظائر والقواعد الفقهية: إنما يُنكر المتفق عليه ولا يُنكر المختلف فيه.

وهي قاعدة مهمة جدًا في حياة الإنسان؛ في أسرته، في نفسه، وفي جماعته، في المدرسة والمعهد والمصنع والمسجد، في أي جماعة يكون فيها الإنسان المسلم. لا بد أن يكون منفتحًا لا يضيق واسعًا؛ فكما أنك تنفذ المذهب الذي ارتضيته والفتوى التي رأيتها مناسبة لنفسك، فإنك لا تضيق واسعًا على الآخرين.

الشرط الثالث الرفق في النصيحة والشرط الرابع الإخلاص وعدم التكبر

الشرط الثالث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون رفيقًا. وقال النبي [صلى الله عليه وسلم] لعائشة:

«يَا عَائِشَةُ، إِنَّ الرِّفْقَ مَا دَخَلَ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَمَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ»

يجب أن تكون النصيحة برفق.

وأيضًا الشرط الرابع أن تكون [النصيحة] بإخلاص وليس بتكبر، وليس بتتبع للعورات، وإنما رغبة منك في إصلاح الحال وتهيئة حسن المآل. والإخلاص يقول فيه سيدنا الرسول [صلى الله عليه وسلم]:

«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»

الشرط الخامس ألا يترتب على الإنكار ما هو أسوأ منه وقصة الحسن البصري

والشرط الخامس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ألا يترتب عليه ما هو أسوأ منه.

وكان الحسن [البصري] يقول: إذا سرت في السوق فلا تقف أمام من شهر سيفه وقال: اتقني اتقني، ولا تقل له: اتقِ الله. [أي:] واحد ظالم يمشي في السوق ماسكًا سيفًا ويقول: من سيأتي إليّ سأقطع رقبته، فقام شخصٌ وذهب إليه وقال له: يا أخي اتقِ الله، فقطع رقبته!

فسيدنا الحسن [البصري] يقول: لا، هذا الكلام خطأ. عندما تجد شخصًا مثل القطار وفي يده فعلًا سيفٌ، وليس سيفًا للعب، وهو فعلًا قادرٌ على أن يُلحق الأذى بك، فاتركه وشأنه إلى الله سبحانه وتعالى، ربنا إما يهديه وإما يُهدِّه.

منهج السلف الصالح في مراعاة المآلات عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

لكن لا يصح، ليس من فن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تخرج إليه وتقول له: اتق الله، فيأخذ رقبتك؛ هذا لا يصح.

ربما هذا الكلام لا يعجب بعض الثوريين؛ فهناك أناس ثوريون، لكن هذا هو منهج السلف الصالح، كانوا يقولون هذا. أظن أنكم تريدون أن تعلموا ماذا كان السلف الصالح يقول؟ ولا تريدون معرفة ما يقوله الثوريون؟ ها هم الثوريون جالسون يقولون ما يقولونه في الجرائد.

خاتمة في وجوب عدم السكوت عن الحق بشروطه وحكمة ليس كل ما يُعلم يُقال

﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 79]

إذن، فلا بد علينا أن نبتعد عن هذا العمل الذميم البئيس، وهو أن نسكت عن الحق، ولكن بشروطه [التي سبق بيانها].

فليس كلُّ ما يُعلَمُ يُقال، وليس كلُّ ما يُقال جاء زمانُه، وليس كلُّ ما جاء زمانُه حضر أفرادُه، ولا كلُّ من حضر أفرادُه حَسُنَ مكانُه، ولا كلُّ ما حَسُنَ مكانُه صَحَّ حالُه.

وإلى لقاءٍ آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.