سورة المائدة | ح 1037 | 81 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1037 | 81 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه يشكل رؤية شاملة للإنسان والكون والحياة.
  • ينبثق من هذه العقيدة مفاهيم تحدد المحرمات والمباحات، فالمؤمن يدرك أنه مكلف بأمر الله ومحاسب يوم القيامة.
  • الحاكمية في الإسلام لله تعالى، فهو من يحسن الأفعال ويقبحها، وليس للبشر هذا الحق.
  • عندما انفصل الإنسان عن الإيمان، أباح المحرمات كالزنا باسم الحرية، بينما هي تفلت من حدود الله.
  • الدول الإسلامية تنص في دساتيرها على مرجعية الإسلام لأنه يمثل هويتها وحدودها.
  • هناك دعوات لتغيير هذه الهوية بإزالة المرجعية الإسلامية من الدساتير، وهذا خروج عن الإيمان.
  • يجب تقييم أصحاب الدعوات من خلال سلوكهم وسيرتهم الذاتية والتزامهم بالقيم الإسلامية.
  • الفسق هو الخروج من دائرة الشريعة والإجماع الوطني وأوامر الله ونواهيه إلى دائرة التفلت.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة الدرس واستمرار التوجيهات الإلهية في سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، نستمر في تلقي التوجيهات الإلهية الربانية الرحمانية الصمدانية، وهو [القرآن الكريم] يرسم لنا الطريق في الحياة الدنيا هدىً للمتقين، وينعى على أمة من الأمم السابقة ارتضت أن تكون منضوية تحت الكافرين، ويقول [الله سبحانه وتعالى]:

﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِىِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 81]

الإيمان بالله والنبي ينبثق منه موقف شامل تجاه الكون والحياة

فالإنسان الذي يؤمن بالله ويؤمن بالنبي ويؤمن بما أنزله الله على النبي من وحي، في صورة كتاب أو في صورة سنة، ينبثق من هذه العقيدة موقف للإنسان والكون والحياة، وينبثق من هذه العقيدة مفاهيم.

فهو يفهم أنه مأمور بأمر الله مكلَّف، ويفهم أن هناك يومًا آخر سنرجع فيه إلى الله للحساب، للعقاب والثواب، ويفهم ما معنى الإنسان، وأن الله سبحانه وتعالى قد كرَّم ابن آدم:

﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]

تكريمٌ هكذا، حتى وهو ذاهب ليسجد يأخذ الزينة.

﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]

ويقول [الله تعالى]:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]

إنها تكريم لابن آدم، رؤية تجعل هناك مفاهيم لقضايا افعل ولا تفعل.

أثر الإيمان في تحديد الحلال والحرام في سلوك المسلم

فتراه أنه لا يكذب ولا يقتل ولا يزني ولا يرتكب الفاحشة ولا يشرب الخمر ولا يأكل الخنزير، ولكنه يبيح البيع والشراء والزواج والطلاق وما إلى ذلك آخره؛ لكنه يفعل كذا ولا يفعل كذا في اختلاف.

فإن من رأى الإيمان بالله وأنه [سبحانه] يأمر وينهي، والإيمان بالنبي وأنه مصدر ينزل عليه الوحي، والإيمان بما أنزل إلى ذلك النبي، فإنه يرى أن الحاكم هو الله.

التحسين والتقبيح من عند الله وتحريم الزنا دليل على ذلك

يرى المسلمون بكافة طوائفهم أن الحاكم هو الله، فهو الذي يحسن الأفعال وهو الذي يقبّحها، فالتحسين والتقبيح من عند الله.

مَن الذي قال إن الزنا منقصة ومذمة؟ الله [سبحانه وتعالى]:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا ٱلزِّنَىٰٓ إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]

ما الذي يجعل الزنا، وفيه ما فيه من قضاء الشهوة ومن اللذة، فاحشةً وساء سبيلًا؟ الله [سبحانه وتعالى هو الذي حكم بذلك].

عندما جاء الإنسان ولم يرَ الله حاكمًا فإنه أباح ذلك [الزنا]. حرّم الزنا كل دين على وجه الأرض، ولكن عندما خرج الإنسان من [دائرة] تنحية الإيمان أباح هذه الفاحشة إباحةً عامةً.

إباحة الفاحشة باسم الحرية وهي تفلت من شرع الله

وأصبح هذا الأمر من حرية الإنسان يفعل فيها ما يشاء، ولا يجوز لأحد، لا المجتمع ولا القضاء ولا الأسرة ولا الدين، أن يعترض على ذلك؛ لأن ذلك مما أسموه بالحرية وهو تفلت وليس حرية.

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]

وشاع الأمر ومداه، وبدأت كثير من الأمراض والبلايا فيه، ولكن يقولون إن كل نظام فيه هكذا بلاء، ولذلك فنحن مصممون وسائرون وسادرون فيما نحن فيه.

نهايتها أننا آمنا بالله فحرّمنا، وهم خرجوا عن قدر الإيمان فأحلّوا وأباحوا.

الرجوع إلى الله يوم القيامة والحاكم الحقيقي هو الله وحده

سنرجع إلى ربنا يوم القيامة فينبئنا بما كنا فيه نختلف، وينبئنا بما كنا نعمل، ويحكم بيننا بالحق؛ حيث أنه مالك يوم الدين، فلا حاكم هناك سواه، أراد الكافر أو لم يرد.

الحاكم عند غير المؤمنين [هو] البشر، سواء كان الدكتاتور أو كانت الطبقة البروليتارية أو كان الانتخاب الشعبي أو كان غير ذلك من أنظمة البشر، فكلها تدعو إلى أن الحاكم هو البشر، والحاكم [الحقيقي] هو الله.

نص الدساتير الإسلامية على مرجعية الشريعة وحدود الله في التحسين والتقبيح

وهذا الذي جعل الدول الإسلامية تنص في دساتيرها المختلفة، منذ أن صاغت الدساتير، أنها دولة إسلامية، بمعنى أن هناك حدًّا قد وضعه الله للتحسين والتقبيح للأفعال، وأن هذا الحد لا يمكن أن يُتجاوز.

وأنك إذا تجاوزته فقد خرجت عن النظام العام والآداب، وأنك لابد حينئذ أن تعود إلى الدستور وتعود إلى النظام العام وتعود إلى ما اتفقت عليه الجماعة، وضابطه هكذا.

التحذير من دعوات تغيير الهوية الإسلامية ورفع الإسلام من الدساتير

أقول هذا من أجل أن نتنبه إلى دعوات تريد أن تخرجنا عن هويتنا بالأصالة، وأننا نغير مواد الدستور ونرفع منها أنها دولة إسلامية، ومعنى هذا أننا خرجنا من هويتنا ومن إيماننا بالله وبالنبي وبما أنزل إليه.

فماذا قال الله عن أولئك الذين يفعلون هكذا؟

﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِىِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 81]

معيار الحكم على الأفكار بالنظر إلى سيرة أصحابها وسلوكهم

إذن، القضية هكذا، عندما يدعو أحدهم [إلى تغيير الهوية الإسلامية]، اطلب سيرته الذاتية، وانظر إذا كان يصلي أم لا يصلي، وانظر إلى السيرة الذاتية إذا كان يحلل الفاحشة أم لا، وانظر إلى سيرته الذاتية إذا كان مرتشيًا أم غير مرتشٍ، وانظر إلى سيرته الذاتية إذا كان يشترك في كل فساد أم لا.

وكان العقاد رحمه الله إذا سُئل عن بعض المنتمين إلى الطوائف ذهب إلى سيرة حياته الشخصية، فيقولون له: أهذا ليس كلامًا، ألا ترى أفكاره؟ فيقول: لا، فأصل الأفكار كلها أفكار منحرفة جاءت من شخص منحرف، فليس هناك فكر أصلًا أصيل أناقشه.

معنى الفسق وهو الخروج من دائرة الالتزام بالشريعة إلى التفلت

فلا بد أن أعرف من أي وعاء خرج هذا البلاء، وكان [العقاد] عنده هذا التوجه: ننظر إلى الفكر من أي وعاء خرج هذا البلاء، وهذا هو حال قوله تعالى:

﴿وَلَـٰكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 81]

الفسق هو الخروج، فسق أي خرج. الخروج من ماذا؟ من دائرة الشريعة، من الإجماع الوطني، مما أنزل الله من أوامر ونواهٍ، من جماعة المسلمين.

ما هو الفسق؟ يمكن أن تكون له صور كثيرة، لكنه يمثل الخروج من دائرة الالتزام إلى دائرة التفلت.

نرجو الله سبحانه وتعالى أن ينير بصائرنا وأن يعلمنا مراده من كتابه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.