سورة المائدة | ح 1038 | 81 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •تشير الآية في سورة المائدة إلى أن النصارى قوم لا يستكبرون، إذ فيهم قسيسين ورهبانًا.
- •من الحقائق المشاهدة أن المستكبر يعاديه الناس، والمتواضع يحبونه.
- •اتسم اليهود والمشركون بالكبر والاستعلاء، مما جعلهم في طائفة واحدة معادية للمؤمنين رغم اختلاف عقائدهم.
- •حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الكبر بقوله: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر".
- •الكبر سبب طرد إبليس من رحمة الله، إذ أبى السجود لآدم واستكبر.
- •يوجهنا القرآن للتخلص من الكبر والتحلي بالتواضع لله.
- •يعلمنا الله الإنصاف والعدل، وعدم جعل الناس جميعًا في فئة واحدة.
- •العبادة ترقق القلوب وتجلب السكينة، لذا كان النصارى أقرب مودة للمؤمنين لعبادتهم وتواضعهم.
- •علينا التخلص من الكبر لننال رضا الله وتجنب غضبه.
مقدمة تفسير آية سورة المائدة عن أشد الناس عداوة وأقربهم مودة للمؤمنين
بسمِ الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله والصلاة والسلام على سيدنا رسولِ الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى بصيغة التأكيد:
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱلَّذِينَ قَالُوٓا إِنَّا نَصَـٰرَىٰ﴾ [المائدة: 82]
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: 82]
حقيقة مشاهدة عبر العصور: الاستكبار يولّد العداوة والتواضع يولّد المحبة
ربنا سبحانه وتعالى ينبهنا على حقيقة مرئية مشاهدة، عاشها الناس أجمعون عبر العصور؛ أن من أراد الاستكبار والعلو في الأرض عاداه الناس، ومن أراد التواضع لله أحبه الناس.
وهذه الحقيقة في وسط بيئة الدعوة الأولى كانت كذلك؛ فإن اليهود سواء كانوا في المدينة أو كانوا في خيبر أو كانوا في اليمن، كان عندهم شيء من الاستكبار وطلب العلو، ولذلك كرههم الناس، كل الناس. وكان الكِبْر عند المشركين جزءًا لا يتجزأ من حياتهم.
الفرق بين إيمان اليهود وشرك المشركين وحديث النبي مع الحصين في التوحيد
واليهود يؤمنون بالإله الواحد رب السماوات والأرض، بينما المشركون وثنيون؛ منهم من لا يؤمن بالإله، ومنهم من يؤمن بربٍّ في السماء وبسبعة في الأرض.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للحصين:
قال النبي ﷺ: «كم تعبد؟» قال: أعبد ربًّا في السماء وسبعة في الأرض. قال: «دَعِ الذين في الأرض واعبد الذي في السماء»
أي لكي يقربها له [يقرّب له التوحيد]. وأسلم الحصين رضي الله تعالى عنه بتعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم المختصر المفيد الذي يصل من القلب إلى القلب.
الكِبر هو الجامع بين اليهود والمشركين في عداوة المؤمنين وتحذير النبي منه
إذن فهؤلاء اليهود مؤمنون [بالله الواحد] وهؤلاء المشركون كافرون، فما الذي جمعهم في طائفة واحدة وجعلهما ضد المؤمنين؟ هو الكِبْر.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يُربي أمته:
قال النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كِبر»
إذن فالكِبر أساس هذا البلاء. طلب إبليس قبل ذلك العلو ورأى نفسه أعلى من آدم، فرفض أن يسجد لآدم كأمرٍ مباشرٍ من الله له.
﴿إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: 34]
هذه هي العلة، إنها علة إبليسية.
﴿وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 34]
إبليس لم يكن ملحداً بل كان عابداً واستكباره أخرجه عن طاعة الله
إبليس ليس ملحدًا؛ فهو في الحضرة الإلهية، كان يعبد الله سبحانه وتعالى مع الملائكة، ولو كان من غير جنسهم.
﴿إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِٓ﴾ [الكهف: 50]
سجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس. هذا الإبليس الذي دفعه لعدم السجود الكِبر، والذي دفع وأنشأ العداوة في قلوب اليهود وفي قلوب المشركين ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الكِبر.
والكِبر والاستكبار فيه تعالٍ وطلب للعلو على خلق الله.
اليهود فهموا التشريف دون التكليف والقرآن يوجهنا لنزع الكبر من القلوب
ولذلك كانوا [اليهود] يرون أنفسهم أن الله قد فضلهم على العالمين، وهي حقيقة أقرها القرآن، ولكنها تشريف وتكليف؛ فهموا هم منها التشريف فقط.
وعلى طريقتنا في التفسير، حيث لا نقف كثيرًا عند الحقائق التاريخية التي يذكرها ربنا وأنها حق، وإنما نطلب من القرآن الهداية لنا.
فما الذي يأمرنا ربنا به من خلال هذه الآية؟ يأمرنا ألا نكون من هؤلاء المستكبرين وأن نتواضع لله؛ فمن تواضع لله رفعه. فهي تربية إلهية ربانية محمديةٌ نبويةٌ مصطفويةٌ للمسلمين لنزع الكبر من قلوبهم، وأن الكبر سيجعلهم من هذه الطائفة التي تكبرت فكرهت فعادت وأبغضت خلق الله، وأن الله لا يحب هذا الصنف من الناس.
الإنصاف مع المخالف والعدل حتى مع من لم يؤمن بنبينا صلى الله عليه وسلم
يعلمنا ربنا سبحانه وتعالى أن نكون منصفين وأن لا نجعل الجميع في فرقة واحدة ولا في سلة واحدة؛ فبالرغم من مخالفة اليهود والنصارى لنبينا وعدم الاعتراف به، إلا أن النصارى لا يتكبرون، ولذلك فهم يُمدحون بهذه الصفة.
وسنمدح خلق الله جميعًا، سواء آمنوا معنا أو اختلفوا معنا في الإيمان؛ لأننا أهل عدل وأهل إنصاف.
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]
فنحن أهل عدالة وأهل إنصاف، حتى مع المخالف، حتى مع المعادي، حتى مع من لم يؤمن بنبينا صلى الله عليه وسلم - والإيمان بنبينا هو ركن وحقيقة الإيمان -.
تفاوت العداوة والمودة بين الناس وصيغة أفعل التفضيل في الآية الكريمة
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ﴾ [المائدة: 82]
و«أشد» هي صيغة أفعل التفضيل، الناس عداوة. فعداوة الناس قد تختلف؛ فبعضهم يُظهرها وبعضهم يُخفيها، وبعضهم يعنُف بها، وبعضهم يكون رقيقًا نوعًا ما، ولكن يكون على قمة العداوة وفي أشدها من كان مستكبرًا كشأن اليهود وكشأن المشركين.
﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم﴾ [المائدة: 82]
أيضًا «أقرب» هنا اسم تفضيل؛ فهم متفاوتون في هذه الصفة، فمنهم من هو قريب، ومنهم من هو أقرب، ومنهم من هو بعيد. مودة؛ فسنرى المودة أيضًا مختلفة. وهذا نشعر به دائمًا في جيراننا وفي من نتعايش معهم، أنهم ليسوا سواء.
علة مودة النصارى: وجود القسيسين والرهبان وعدم الاستكبار وأثر العبادة في رقة القلب
﴿لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱلَّذِينَ قَالُوٓا إِنَّا نَصَـٰرَىٰ﴾ [المائدة: 82]
علة ذلك أن منهم قسيسين ورهبانًا. وما شأن القسيسين والرهبان؟ العبادة؛ أي كان منهم عُبّاد، والعابد يرقّ قلبه، والعابد لا يتسرع بالعنف والأذى، والعابد يكون عنده شيء من السكينة والهدوء.
﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: 82]
صفة أخرى تُضمُّ إلى الأولى [صفة العبادة]، وينشأ منها أن ذلك كله إنما هو توجيه إلينا لنربي أنفسنا حتى نفر من غضب الله، وحتى نسعى ونسارع إلى رضا الله.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
